مقابلة مع إسماعيل مونتانا حول كتابه “إلغاء العبودية في تونس العثمانية”


2023-11-02    |   

مقابلة مع إسماعيل مونتانا حول كتابه “إلغاء العبودية في تونس العثمانية”

أجرت الحوار: ألفة لملوم

تعريب: لمياء الساحلي

الدكتور إسماعيل مونتانا هو أستاذ مشارك في التاريخ بجامعة إلينوي الشمالية. مؤرخ العبودية في تونس العثمانية وحوض غرب البحر الأبيض المتوسط، وتشمل اهتماماته البحثية الحالية التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للعبودية في شمال غرب أفريقيا والعالم الإسلامي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وهو مؤلف كتاب إلغاء العبودية في تونس العثمانية (غينزفيل: مطبعة جامعة فلوريدا، 2013) ومحرر مشارك لكتاب الإسلام والعبودية والشتات، الذي نشرته مطبعة أفريقيا العالمية في عام 2009.

المفكرة القانونية: يتركّز الاهتمام في أبحاثك على التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للعبودية في المناطق الإسلامية في حوض المتوسط في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. لماذا اخترت تناول الحالة التونسية بشكل خاص في كتابك “إلغاء العبودية في تونس العثمانية” (دار النشر بجامعة فلوريدا، 2013)؟

إسماعيل مونتانا: أشكر بداية اهتمامكم بأبْحاثي. وإجابة على سؤالك، بدأت هذه المسألة تحظى باهتمامي منذ ثلاثة عقود حين كنت في جامعة الزيتونة أدرس الحضارة الإسلامية. في ذلك الوقت، كان أحد أساتذتي ناجي جلّول الذي كان يدرّس العمارة الإسلامية ودخل لاحقًا المعترك السياسي، يأخذ طلّابه في رحلات ميدانية لدراسة المواقع التاريخية في جنوب تونس. وفي تلك الرحلات، لاحظت الوجود الكبير للتونسيين السود المتحدّرين من أفريقيا جنوب الصحراء. وقد لفتتني أوجه الشبه الكبيرة بين موسيقاهم وموسيقى غرب أفريقيا وسرعان ما طوّرتُ اهتمامًا بدراسة تاريخهم ككل.

بعد استكمال دراستي في تونس ومواصلتي درجة الدكتوراه في التاريخ بجامعة يورك (تورنتو، كندا)، قرّرت دراسة التونسيين السود كمجتمع شتات في تونس. ولكنهم ليسوا جماعة متجانسة. وهو ما يشهد عليه أي شخص ملمّ بطوبوغرافيا السكان التونسيين السود. وكنت أميل أكثر إلى الاهتمام بالمجموعة المرتبطة بممارسة الاسطمبالي/البوري. ومن أجل فهم تاريخ هذه المجموعة تحديدًا، كان عليّ دراسة البنى الاقتصادية والسياسية التي أدّت إلى تواجدهم في تونس، لا سيّما أولئك الذين تمّ إحضارهم إليها في ذروة قوافل تجارة الرقيق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وقد نتج عن افتتاني بهذه المجموعة إنتاجات غزيرة ومن ضمنها نشر كتاب “إلغاء العبودية في تونس العثمانية” الذي يوثّق تاريخ قوافل تجارة الرقيق وبنيتها وتنظيمها ومنع هذه التجارة وإلغاء العبودية في ظلّ حكم المشير أحمد باي الأول (1835-1855).

المفكرة: تذكر في مقدّمة الكتاب أنّ الأرشيف يشكّل تحدّيًا حقيقيًا للمؤرّخين الذين يجرون أبحاثًا حول تجارة الرقيق جنوب الصحراء مقارنة بأولئك الذين يعملون على تجارة الرقيق في الأطلسي. كيف واجهت هذه الصعوبة وعلى أي أرشيف اعتمدت لاستكمال أبحاثك؟

مونتانا: اختلفت تجارة قوافل العبيد العابرة للصحراء كثيرًا عن تجارة الرقيق العابرة للأطلسي. ففي الأخيرة، أتاحت سجلّات السفن للمؤرّخين بالحصول على تقدير أقرب لعدد الأفارقة ضحايا الاستعباد الذين صعدوا على متنها ونزلوا منها على طرق سفرها. أما في ما يخصّ القوافل العابرة للصحراء، فقد اقتصرت  غالبيّة السجلّات القليلة المتوفّرة على المعاملات التجارية الخاصّة بالسلع، ونادرًا ما كان يتمّ الاحتفاظ بسجلّات عن عدد الأفراد المُستعبدين الذين كان يتمّ الإتجار بهم. وعلى عكس سجلّات السفن في سياق التجارة العابرة للأطلسي، لم يكن ممكنًا للمؤرّخين أن يدرسوا تجارة الرقيق العابرة للصحراء للوصول إلى تقدير مفيد كالذي وصل إليه نظراؤهم الذين درسوا التجارة العابرة للأطلسي.

وبين بداية ثلاثينيات القرن التاسع عشر حتى نهايته، أشارت روايات رحّالة أوروبيين وأنصار إلغاء العبودية إلى تقديرات تقريبية لأعداد الأفراد المستعبدين في القوافل الصغيرة والكبيرة. إلّا أنّ تقديراتهم كانت مبالغًا فيها لخدمة دوافعهم. وهذا يعني أنّه كان على المؤرّخين أن يتعاملوا مع تلك الروايات بحذر شديد كما فعلت أثناء إعداد كتابي. والتعامل مع بيانات كمّية متوفّرة ولكن غير مناسبة حول تجارة العبيد، يتطلّب فهمًا مدروسًا للسياق التاريخي الأوسع الذي انتشرت فيه روايات الرحّالة الأوروبيين وأنصار إلغاء العبودية. من جهتي ومن أجل تجاوز هذه القيود، اعتمدت أسلوبًا بحثيًا وتحليليًا يوظّف تحليل السلاسل الزمنية من خلال وضع أرقام تجارة العبيد المستمدّة من تلك الروايات الوصفية، في سياق الأحداث التاريخية التي قد تكون وراء الانخفاضات أو الزيادات في الأنماط المتغيّرة لقوافل تجارة الرقيق على مدى الفترة المدروسة.

المفكرة: هل يمكن أن تعرض لقرّائنا الديناميّات الرئيسية والأنماط المتغيّرة في تجارة الرقيق في تونس: الطرقات التي سلكتها، بنيتها، دور تجّار غدامس وكيف وضعت هيكليّتها بناء على السياق الاقتصادي الذي كانت تهيمن عليه الرأسمالية الأوروبية في غرب المتوسط؟

مونتانا: تكمن الديناميّة الرئيسية وراء الأنماط المتغيّرة لتجارة الرقيق في عوامل العرض والطلب التي قادتها من جهة الإصلاحات الاقتصادية التونسية ومن جهة أخرى انعدام الاستقرار السياسي الذي سبّبته الحركات الإسلامية في مناطق غرب ووسط السودان وفي غرب إفريقيا في ذلك الوقت. وقد تشكّلت الحركة الإسلامية بشكل خاصّ في غرب إفريقيا في أواخر القرن الثامن عشر واستمرّت في معظم القرن التاسع عشر. وفي وسط السودان، قادها عثمان ابن الفودي الذي أسس خلافة السوكوتو في ما هو شمال نيجيريا اليوم. وخلال فترة قيادته للحركة، استعبدت الأخيرة الفئات غير المسلمة التي كانت تمارس العادات الدينية للسكان الأفارقة الأصليين مثل طائفة الاسطمبالي/البوري. وفي خلافة السوكوتو، اتهمت القيادة الإسلامية ممارسي البوري بالمجوسية واعتبرتهم يستحقّون الاستعباد. وبالتالي، سمحت هذه الحجة الدينية باستعباد الآلاف من طائفة البوري سنويًا وبيعهم كعبيد للتجّار العابرين للصحراء.

صحيح أنّ الحركة الإسلامية لم تُدخل العبودية إلى غرب أفريقيا، إلّا أنّها استخدمت الدين لتبرير الاستعباد وساهمت بالتالي في توسيع أنشطة الاستعباد في غرب أفريقيا خلال أواخر القرن الثامن عشر ثمّ القرن التاسع عشر.

على الجانب التونسي، أدّت الإصلاحات الاقتصادية التي أطلقها حمودة باشا (1782–1814) إلى توسّع التجارة التونسية الخارجية عبر المتوسط ومع المشرق وغرب وجنوب السودان (ليس السودان البلد بل منطقة غرب إفريقيا، جنوبيّ الساحل الافريقي). انتعش تجّار غدامس الذين كانوا يديرون قوافل الرقيق طيلة قرابة قرن من الزمن بفضل تلك الإصلاحات وتوسّع السلع التجارية الأوروبية في تونس، واستغلّوا الظروف التجارية المؤاتية التي أتاحتْها الإصلاحات الاقتصادية لحمودة باشا من خلال توسيع أنشطتهم التجارية أكثر من أي فترة سابقة. وكانت نتائج ذلك واضحة جدًا، فمع وصول تجّار غدامس إلى عمق كانو وكاتسينا حيث تسبّبت الحركة الإسلامية باستعباد أعداد كبيرة من الناس الذين اعتبرهم قادتها  كفّارًا، اتّسع نطاق تجارة قوافل الرقيق بشكل مطّرد. ومع توسّع التجارة، أسّس تجّار غدامس وكالات تجارية في غرب السودان ووسطه.

تذبذب عدد العبيد الذين دخلوا تونس وفقًا للظروف الأمنية أو الاستقرار أو عدمه ضمن شبكات تجارة القوافل. وفي الفترة ما بين ثمانينيّات القرن الثامن عشر ومطلع أربعينيات القرن التاسع عشر، أُحضِر في المعدّل، سنويّا ما بين  ألف و1200 عبد من بينهم خِصيان إلى تونس. وفي حين بيع بعض هؤلاء العبيد في جنوب تونس للعمل خصوصًا في القطاع الزراعي، بيعت الغالبية منهم في سوق البركة الواقعة في وسط تونس القديمة وعملوا بشكل خاص في المنازل كمرافقين وطباخين ومربّيات وبستانيين وفي مهن أخرى. كما استخدم الأفارقة الذكور كبوّابين وفي الجيش أيضًا لا سيّما في سوسة، خلال حكم أحمد الباي.

أما الخِصيان، فكان استقدامهم مكلفًا والقلّة التي تمّ استقدامها إلى تونس خُصّصت للعائلة الحسينية الحاكمة ليُستخدموا في أجنحة النساء. وأرسل البايات بعض الخصيان إلى اسطنبول كهدايا سنوية للسلطان العثماني من النخبة الحسينية الحاكمة.

وقد بدأ ذلك الازدهار في تجارة الرقيق في الثمانينات من القرن الثامن عشر واستمرّ على المنوال نفسه حتى بداية أربعينيات القرن التاسع عشر حين منع أحمد باي (1835-1855) رسميًا تجّار غدامس من نقل العبيد وبيعهم على الأراضي التونسية في العام 1842.

المفكرة: تجادل في كتابك بأنّ عملية إلغاء العبودية في تونس رسمها “اختلال في التوازن السياسيّ الذي نشأ نتيجة الاستعمار الفرنسيّ للجزائر عام 1830” وأنّ السبب الرئيسي يكمن أكثر في “الحاجة الملحّة إلى الحفاظ على استقلال تونس، أكثر من الجهود المبذولة في “التحديث” أو “الإصلاح”. هل يمكنك إخبارنا المزيد عن ذلك؟

مونتانا: بالتأكيد. صحيح أنّه لا يوجد أدنى شكّ في الدوافع الشخصية والإنسانية لأحمد باي كحاكم تقدّمي وراء منع تجارة الرقيق تمهيدا لإلغاء العبوديّة عام 1846. إلّا أنّ الأمر حصل في سياق شكّل محفّزًا أملى قراره بإلغاء تجارة العبيد. وكما ذكرت في الكتاب، بُعيد الاحتلال الفرنسي لإيالة الجزائر في العام 1830، ردّت السلطة العثمانية التي خافتْ من احتمال خسارة هيمنتها على إيالتَي طرابلس وتونس بإحكام سيطرتها على طرابلس. وعلقت تونس بين سياسات القوّة للقوى الاستعمارية: فرنسا والسلطنة العثمانية وبريطانيا العظمى، ما دفع أحمد باي إلى التقرّب من بريطانيا العظمى لدرء التهديدات من جانب فرنسا والسلطنة العثمانية. في هذا السياق من انعدام التوازن السياسي في غرب المتوسط، رأت الجمعية البريطانية لمناهضة العبودية التي كانت قامت بمحاولات فاشلة للتأثير على السلطان العثماني وحكّام مصر، في العلاقة بين تونس وبريطانيا العظمى فرصة مثالية لتحثّ أحمد الباي على إلغاء تجارة الرقيق. وهكذا كانت حسابات أحمد الباي البراغماتية لحماية سيادة تونس في مواجهة زحف فرنسا والسلطنة العثمانية، عاملًا أساسيًا أثّر على برنامجه لمكافحة العبودية.

المفكرة: كيف تردّ كمؤرّخ عاش وعمل في تونس على تصاعد العنصرية ضدّ السود والعنف المؤسسي ضدّ أفارقة جنوب الصحراء؟

مونتانا: بصراحة، أقلّ ما يمكن قوله هو أنّ تصاعد العنصرية ضدّ السود والعنف الأخير ضدّ أفارقة جنوب الصحراء في تونس مثير جدا للقلق. فكشخص عاش في تونس ولديه أصدقاء كثر تونسيين أعتبرهم امتدادًا لعائلتي، أتابع تطوّرات الوضع بقلق بالغ. أولًا أجده غير أخلاقي لصورة تونس كأول دولة إسلامية تلغي العبودية في العصر الحديث. ثانيًا، صحيح أنّه ليس خافيًا على أحد أنّ التونسيين السود لا يزالون مهمّشين في المجتمع التونسي، إلّا أنّ التصريحات المؤسفة للرئيس التونسي قيس سعيّد في فيفري الماضي الذي وصف فيها وجود أفارقة جنوب الصحراء في تونس بأنه “ترتيب إجرامي يرمي إلى تغيير التركيبة الديمغرافية” لبلاده، ساهمت في تأجيج الأجواء المعادية للسود والأفارقة من جنوب الصحراء في تونس.

وكما أوضحت حركة “حياة السود مهمّة” أكثر من مرة، فإنّ الاعتراف بإرث تجارة الرقيق الإفريقية يمكنه أن يقدّم حلًّا أفضل للعلاقات العرقية ولظاهرة العنصرية ومشاكل المواطنة ليس فقط في السياق العابر للأطلسي بل أيضًا في شمال إفريقيا والمنطقة العربية. وعلى الرغم من كون تونس هي مثال مبكر على إلغاء العبودية بين الدول الإسلامية، إلّا أنّه يجب بذل المزيد لمحاربة إرث العبودية الذي يواصل أداء دور كبير في المشاعر المعادية للتونسيين السود السائدة حاليًا.

نشر هذا الحوار ضمن الملف الخاص في العدد 27 من مجلة المفكرة القانونية – تونس

للاطلاع على العدد كاملا، إضغطوا هنا

لقراءة الحوار باللّغة الانكليزية، إضغطوا هنا

انشر المقال

متوفر من خلال:

لا مساواة وتمييز وتهميش ، مجلة تونس ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مقالات ، تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية