مفقودو الحرب الأهلية: بين حاضر الإنتفاضة وتاريخ النضال.. حلواني: الإنتفاضة خرجت من رحم قضية المفقودين


2020-02-08    |   

مفقودو الحرب الأهلية: بين حاضر الإنتفاضة وتاريخ النضال.. حلواني: الإنتفاضة خرجت من رحم قضية المفقودين

خلال الإحتجاجات التي شهدتها بيروت في الأشهر الماضية، احتجزت الأجهزة الأمنية مرات عدّة محتجين بدون أن تعترف بذلك، ما اضطر لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين إلى التعامل مع الموضوع بصفته إخفاءً قسرياً، واللجوء إلى قانون المفقودين والمخفيين قسراً الذي أقرّ العام الماضي، من أجل إجبار الأجهزة الأمنية على الإفصاح عن مكان تواجد الموقوفين.

جاء ذلك على لسان رئيسة "لجنة أهالي المفقودين والمخطوفين في لبنان" وداد حلواني، خلال ندوة نظّمها معهد عصام فارس تحت عنوان "مفقودو الحرب الأهلية في لبنان: ثمن النسيان وغياب عدالة ما بعد النزاع". وأكدت حلواني أنّ هناك تقاطعات بين الإنتفاضة الشعبية وقضية أهالي المفقودين، لا تختصر فقط في الشعارات التي استعملتها الإنتفاضة وتنتمي بروحيّتها إلى الخطابات نفسها التي أشاعها أهالي المفقودين خلال العقود الماضية (بينها شعار "إنتو الحرب الأهلية ونحن الثورة الشعبية")، بل امتدّت إلى طبيعة هاتين الحركتين المضادتين للنظام بنيويّاً، وأكدتها طبيعتهما الجامعة والموحّدة، ومناعتهما أمام محاولات التسييس والتطييف.

شارك في الندوة التي نظمها المعهد، وهي الأولى حول قضية المفقودين منذ بداية الإنتفاضة، حقوقيين وعاملين في المجال المدني، تربطهم علاقات مختلفة بقضية المخطوفين. أتى كلام حلواني التي مثلت الأهالي في الندوة، ضمن حديث أكبر عن تجربتها مع اللجنة، حيث فصّلت التحدّيات التي واجهتهم، أولاً خلال الفترة التي لم تكن بعد قد تحوّلت فيها مطالبهم إلى قضية وثانياً خلال السنوات التي كان يفترض منهم إبقاء هذه القضية حيّة و"على مسافة واحدة من الإصطفافات المذهبية والسياسية".

حلواني: الضحايا دائماً يشبهون بعضهم!

بدأت قصة لجنة أهالي المفقودين عام 1982 في عز الإنقسام الوطني الذي أجبرهم على أن يلتقوا على خطوط التماس في ظروف صعبة ومعقدة للغاية. خلال تلك المرحلة التي استمرت حتى نهاية الحرب، لم يكن هناك جهة واحدة تتفاوض معها اللجنة، وكان عليها التوسّل إلى الميليشيات من أجل معرفة مصائر المفقودين الذين ازدادت فرص العثور عليهم بحسب انتماءاتهم الحزبية وإمكانيّات أهاليهم المادية وعلاقاتهم مع القوى المهيمنة في الشارع.

يومها استطاع الأهالي التوحّد رغم اختلافاتهم لأنه وفق تعبير حلواني "المأساة هي التي توحّد" و"الضحايا دائماً يشبهون بعضهم"، ليصبحوا بذلك الحركة الوحيدة في تلك الفترة التي تتألف من أفراد من جميع الطوائف واستمرت بالزخم نفسه طيلة فترة الحرب.

بعد إتفاق الطائف ورغم إقرار قانون العفو ظلّت قضية المفقودين عالقة علماً أنّ القانون استثنى الجرائم المستمرة والمتمادية ومن بينها الخطف. واختلقت السلطة الحجج لعدم حل القضية مثل حجّة أنّ النظام السوري يرفض الحلحلة أو أن ظروف الحرب مع إسرائيل لا تسمح و"الصراع أهم" كما اتهمت السلطة أهالي المخطوفين بأنّهم يريدون حرباً جديدة وبأنهم يعيقون عجلة إعادة الإعمار ولا يريدون فتح صفحة جديدة.

حصلت يومها إعادة الإعمار فوق عظام الضحايا ومرّ القطار بدون إيجاد حل للقضية، وفق تعبير حلواني، ما اضطر لجنة الأهالي لرفع الصوت أكثر والإعلان بأنّ "قضيّتهم ليست مسؤولية الأهالي فقط بل هي مسؤولية المجتمع ككل". حصل ذلك بدعم من حملات إعلانية عديدة (من حقنا نعرف مثلاً) إلى أن اضطرت الدولة إلى تشكيل لجنة عام 2000 للتحقيق في القضية (اتضح لاحقاً أنها تهدف إلى إنهاء القضية بدون حل وتفريغها من معناها).

تحدثت حلواني أيضاً عن القانون الذي "انتزع بالقوّة من الدولة ولم يأت كحسنة منها" وعن العمل الذي قامت به لجنة أهالي المفقودين مع "المفكرة القانونية" و"المركز الدولي للعدالة الإنتقالية" وهيئات مدنية وحقوقية أخرى لتطوير مسودّات لمشروع قانون (سبقه رحلة ميدانية ـ علمية إلى البوسنة للإضطلاع على كيفية التعاطي مع هذه القضية في بلد شهد حرباً عنيفة وظروفاً شبيهة بالتي حصلت في لبنان)، إلى أن نوقش هذا المشروع في اللجان النيابية المعنية بعد رفعه من قبل النائبين غسان مخيبر وزياد القادري وأُقرّ بتاريخ 30 تشرين الثاني 2018.

تحدثت حلواني أيضاً عن الإنتفاضة التي اعتبرت أنها خرجت من رحم قضية المفقودين "خيمتنا الموجودة في حديقة جبران خليل جبران منذ عام 2005 ولّدت خيم 2015 و17 تشرين"، مؤكّدة أنّ حل القضية وتطبيق قانون المفقودين كفيل بوضع أسس حقيقية لقيام وطن "عندما نفتح المقابر الجماعية لن نرى الموجودين فيها كأتباع طوائف بل كمواطنين".

صاغية: قضية المفقودين مستمرّة رغم محاولات تصفيتها

أما المحامي نزار صاغية، المدير التنفيذي لـ"المفكرة القانونية"، فقد وضع قضية المفقودين في سياقها التاريخي والسياسي مبيّناً قدرتها على الإستمرار في مواجهة السلطة التي تريد تصفيتها بكافة الأساليب لأنها تعتبرها الشاهد الأكبر على فظائع الحرب وعدم مشروعية النظام، منوّهاً بمقاومة الأهالي الأصيلة التي استمرت في مواجهة النظام في فترة كان قد سلّم فيها أكثرية الناس باستمراريته. تحدّث صاغية عن الأساليب التي حاولت السلطة من خلالها تصفية القضية وأوّلها قانون العفو الذي صدر في وقت لم تكن الخطابات العالمية حول العدالة الإنتقالية أو المخفيين قسراً شائعة بعد، و"لم يكن يعرف النظام أن هناك شيء اسمه عفو مشروط أو أن هناك شيء يقع بين العفو والمحاسبة" كما أنّ العفو صدر مصاحباً لخطاب "شرير" يريد تبرئة المسؤولين الحقيقيين عن الحرب ويقول أننا جميعناً ضحايا وجميعنا جلّادون!

إحدى المشاكل الأخرى في قرار العفو تكمن في استثنائه القادة والشخصيات الدينة "ما يجعل الجريمة ضد قائد أهم من الجريمة ضد مواطن عادي، ما يمكن اعتباره لحظة تأسيسية لنظام سياسي يرى القيمة العليا للقائد ويحول الدولة إلى كاريزماتية تختصر بعدد من الزعماء الذين يقف وراءهم أتباعهم". ساهم هذا أيضاً في ما يسمّيه صاغية تطييفاً لذاكرة الحرب تحوّل ذاكرة الضحايا التي تعتبر مأساة جماعية عاشها اللبنانيون بجميع أطيافهم، من عنصر يوحّد الجميع تحت ذاكرة وطنية موحّدة إلى ذاكرة أبطال وبطولات تأخذ طابعاً محصوراً بالطوائف و"يذكّر بها الزعيم كل فترة وأخرى عندما يواجه طعناً في شرعيته".

من المصاعب الأخرى التي واجهها أهالي المفقودون، "تقريش" (من قرش) القضايا وفق صاغية وتحويلها إلى مسائل بحت مالية، كما حصل مع قضية المهجّرين التي تم "حلّها" بالتعويضات المالية وبمصالحات شكلية لا تعطي أي اعتبار للعدالة "وهذا ما يفسر لماذا لا نجد اليوم أي جمعية مختصة بقضية المهجّرين"، ما ينطبق أيضاً على قضية معوّقي الحرب وقضايا أخرى حلّت بالطريقة نفسها التي عزّزت أيضاً الزبائنية بما أن التعويضات وزّعت على أساس الولاءات والوسائط. يقول صاغية إن القضية الوحيدة التي لم تتمكن السلطة من تقريشها هي قضية المفقودين "ربما لأن المعاناة كانت أكبر من ذلك". ولكن بالطبع حصلت بعض المشاكل في بعض العائلات التي أصبحت مقسومة بين من يريد حل القضية وآخرين يريدون الإستمرار في معركة المفقود، خاصة عائلات الطبقات العليا التي تمتلك اراضي واموال ويجب حسم موضوع الوراثة وبالتالي تسجيل المفقود كمتوفي "في فترة كان يعني فيها تسجيل المفقود كمتوفّي، انسحاباً للعائلة من معركة المفقودين، وهذا قد اختلف لاحقاً مع التغيير الذي حصل في المعايير الدولية التي أكدت أنّ لا تناقض بين إعلان الوفاة والإستمرار في البحث عن المفقود (أو جثته)…  هكذا انسحب من معركة المفقودين أشخاص يمتلكون وزناً سياسياً وقدرات مادية عالية، ما أضعف بالتالي قضية المفقودين لكن بدون أن ينهيها".

من الأساليب الأخرى التي اتبعتها الدولة لتصفية القضية ويعددها صاغية، محاولات التسييس التي تستعمل فيها جهة سياسية القضية ضد جهة أخرى، والفصل بين المفقودين عبر تمييزهم بين مفقودين في سوريا أو في إسرائيل، ووسم الأهالي الدائم باتهامات مثل "الإخلال بالسلم الأهلي" و"نبش القبور وإعادة الحرب"، بالإضافة إلى سياسة تشكيل اللجان التي أرادت السلطة من خلالها التحايل على الأهالي لإيهامهم بأنها تحاول إيجاد حل لقضيتهم.

أما بما يخص القانون الذي أقرّ العام الماضي، فشدد صاغية على أهمية الدعوى التي رفعت أمام مجلس شورى الدولة لإجبار مجلس الوزراء على تسليم صندوق التحقيقات الذي عملت عليه لجنة عام 2000، ليس فقط من أجل المعلومات الموجودة فيه حول مواقع المقابر الجماعية، بل أيضاً من أجل تكريس حق المعرفة من أعلى جهة قضائية هي مجلس شورى الدولة. واستغرقت العملية يومها 5 سنسوات "عام 2014 أخذنا حكماً يتكلّم مطولاً عن حقوق أهالي المخطوفين ويؤكّد نصّه أنّ كل سنة تمرّ بدون إيجاد الأهالي أمكنة أولادهم هو تعذيب تقوم به الحكومة تجاههم".

يقول صاغية إنّ القضاء يومها "استعمل من أجل تكريس حق ليس موجوداً في القوانين اللبنانية (مثل الحق في الحرية أو الحق في الحياة …) وقد استند عليه النائبين غسان مخيبر وزياد القادري لإقرار قانون المفقودين، وهذه الطريقة استعملت وتستعمل اليوم في قضايا حساسة أخرى وأثبتت نجاحها  خاصة أن القاضي في هذه المواقف مجبر على استعمال لغة القانون وليس لغة الغرائز أو العواطف، ما يفسح للأخذ والرد ويكرس القضاء كمكان يمكن أن يستقبل نقاشات تمهّد للتشريع".

قماطي: قضية المفقودين شكلت تهديداً لنظام الطائف

من جهة أخرى، تحدثت الباحثة والناشطة اللبنانية لينا قماطي عن كتابها "المرحلة الانتقالية ما بعد النزاع في لبنان: مفقودو الحرب الأهلية"، الذي يتمحور حول علاقة قضية المفقودين بمفهوم العبور بشكل عام. تقول قماطي أن "كل عبور له مراسم، وفي الحالة اللبنانية كان يفترض أن تدير الدولة مراسم العبور من الحرب إلى السلم". لم يحصل ذلك طبعاً، لأسباب عدة من بينها عدم تحديد مسؤولية ما حصل خلال الحرب، وعدم تجديد النخب السياسية وإعادة بناء الذاكرة الوطنية وتنفيذ بند إلغاء الطائفية السياسية الوارد في إتفاق الطائف.

طرحت قماطي تساؤلاً آخر حول الأسباب التي حالت دون حل هذه القضية، متحدثة عن سياسة التحايل التي اتبعتها الدولة وقبولها بالخروج بمبادرات مفرغة من أي معنى مثل قانون إثبات الوفاة عام 1995 ولجنتي الإستقصاء وتلقي الشكاوي في العامين 2000 و2001 واللجنة السورية اللبنانية عام 2005  حتى القبول بقانون المفقودين عام 2019 الذي تحاول أيضاً تفريغه من معناه اليوم. كما أكدت قماطي أنّ قضية المفقودين شكلت تهديداً لنظام الطائف والجمهورية الثانية، كما هو الحال مع ثورة تشرين التي تريد التحرر من الإصطفافات الطائفية والشبكات الزبائنية الفاسدة التي طالت سابقاً قضية المفقودين "المهم اليوم أن تكون هناك إرادة مجتمعية لحل القضية وليس مجرد القبول بشروط الخطاب الدولي حول السلام وحقوق الإنسان بل أن تدير الدولة بأكملها مراسم التغيير والعبور عبر الجيل الجديد الذي أصبح عمره من عمر النظام السياسي الذي تشكل عقب الطائف".

حسّون: الحل هو برفع شعارات المحاسبة مجدداً

أما الباحثة والأستاذة المحاضرة في الجامعة الأميركية كارمن حسون أبو جودة التي عملت على موضوع المفقودين من شق العدالة الإنتقالية لأكثر من 10 سنوات،  فتمحور حديثها حول التغييرات التي يفترض أن تطرأ على قضية المفقودين بعد ثورة 17 تشرين، خاصة مع رفع الثورة شعارات إنهاء الحرب، واتباعها طريقاً أكثر راديكالية ينهي حالة الخوف والإكتفاء بحق المعرفة في معالجة القضايا من التي اتبعتها الجمعيات سابقاً. وأوضحت أنّ "الحل هو برفع شعارات المحاسبة مجدداً وعدم الإكتفاء بالحق في المعرفة. جميعنا نعرف أن الدولة لن تجد أي حل للقضية، والعبرة بالنهاية في التنفيذ".

أكدت أبو جودة أيضاً أنّ قضية المفقودين هي الوحيدة التي علّمت اللبنانيين كيف يتعاملون مع ذاكرتهم وكيف يجب أن تتم المصالحة بينهم، مؤكدة أنّ ما حصل في الشارع خلال الإنتفاضة هو المصالحة الحقيقية وليس تلك التي أشرفت عليها الدولة من خلال دفع الأموال للمتضررين والتي ساوت الجلاد بالضحية ونسفت مفهوم العدالة كلياً. كما أكدت أنّ التعامل مع قضية المفقودين في المستقبل هو البوصلة التي يفترض أن تحدد جدّية الإصلاح وبأنّ كتابة تاريخ وحصول مصارحة حقيقية تنصف الضحايا فعلياً هي الطريقة الحقيقية لهذا الإصلاح.  

انشر المقال

متوفر خلال:

حراكات اجتماعية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، عدالة انتقالية ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *