مفعول الدومينو في قضايا الإدمان على المخدرات: مبدأ “العلاج كبديل من الملاحقة” يتقدم في المحاكم بعد قرار محكمة التمييز التاريخي


2014-07-01    |   

مفعول الدومينو في قضايا الإدمان على المخدرات: مبدأ “العلاج كبديل من الملاحقة” يتقدم في المحاكم بعد قرار محكمة التمييز التاريخي

في غضون أسبوع واحد، صدرت ثلاثة قرارات عن محاكم مختلفة في لبنان، أقرت كلها مبدأ "العلاج كبديل من الملاحقة" في قضايا إدمان على المخدرات. وقد أتت تلك القرارات نتيجة مخاض طويل دام سنوات عدة أمام المحاكم في سياق مبادرة تقاض إستراتيجي نشطت فيها جمعية "سكون" لإقرار المبدأ المذكور والمنصوص عنه في قانون المخدرات[1].

بالفعل، وبالرغم من صدور قانون المخدرات سنة 1998، أدى تقاعس الدولة عن تفعيل آلياته لما يزيد عن 15 عاماً الى تعطيل مبدأ "العلاج كبديل من الملاحقة" وتالياً الى إبقاء المنطق العقابي مهيمناً في العمل القضائي في قضايا الإدمان على المخدرات. لا بل نجح المنطق العقابي هذا، لأسباب عدة، في تجاوز النصوص القانونية حتى بعد تفعيل لجنة مكافحة الإدمان في أوائل سنة 2013[2]. غير أن مبادرة جمعية "سكون" المذكورة انتهت الى استيلاد انعطافة هامة في هذا المجال، إصدار محكمة التمييز قرارها المؤرخ في 03/10/2013[3] والذي قضىبوقف الملاحقة ضد شخص مدمن وإحالته الى لجنة مكافحة الإدمان، تبعاً لتعهده بالعلاج. وللوصول الى ذلك، استندت المحكمة الى قاعدة أن "النص القانوني وجد لإعماله وليس لإهماله"، معتبرة أنطلب الشخص المدمن إخضاعه للعلاج من الإدمان يشكل دفعاً شكلياً وهو يلزم القاضي الواضع يده على الدعوى بوقف السير بالإجراءات بحقه وإحالته أمام اللجنة المذكورة دون أن يكون له أي سلطة استنسابية في هذا الإطار.
وقد أسفر قرار محكمة التمييز هذا، عن استيلاد مفعول دومينو في محاكم لبنانية مختلفة لناحية إقرار مبدأ "العلاج كبديل من الملاحقة"، تمثّل في صدور القرارات القضائية الثلاثة المذكورة أعلاه مؤخراً، وذلك ضمن فترة زمنية لم تتجاوز الأسبوع:
 
–        فالقرار الأول صدر عن محكمة استئناف الجنح في بيروت بتاريخ 29/05/2014[4]، في قضية شابة مدعى عليها على أساس تعاطيها مادة مخدرة. وكانت الشابة المذكورة قد تقدمت بدفع شكلي أمام القاضي المنفرد الجزائي في بيروت (الرئيس غسان الخوري) طالبة منه وقف الملاحقة ضدها وإحالتها الى لجنة مكافحة الإدمان على أساس المادة 194 من قانون المخدرات. إلا أن القاضي المذكور رد الطلب لعدم تشكيله دفعاً شكلياً ولعدم توافر الإجراءات المنصوص عنها في القانون (علماً أن قراره هذا صدر بعد تفعيل لجنة مكافحة الإدمان). وقد انتهت محكمة الاستئناف الى فسخ القرار المذكور على أساس أن طلب الإحالة الى لجنة مكافحة الإدمان يشكل دفعاً شكلياً لوجود مانع قانوني يحول دون السير في إجراءات الدعوى، مستشهدة لهذه الغاية بقرار محكمة التمييز المذكور أعلاه ومستمدة منه حيثياتها مباشرة وحرفياً.
 
–        القرار الثاني، صدر عن محكمة الجنايات في جبل لبنان (غرفة الرئيس عبد الرحيم حمود) بتاريخ 02/06/2014[5]، وآل الى وقف السير بإجراءات المحاكمة في حق شاب مدعى عليه على أساس تعاطيه مادة مخدرة وإحالته أمام لجنة مكافحة الإدمان لمتابعة علاجه تحت إشرافها، معتبرة هي الأخرى، أن طلب إحالة الشخص المدمن الى اللجنة المذكورة يشكل دفعاً شكلياً. واللافت في هذا القرار، هو أنه الأول الذي يصدر في هذا الاتجاه في قضية تضم الى جانب الشخص المدمن كبار تجار المخدرات ومروّجيها. فمن المعلوم في قضايا المخدرات، أنه غالباً ما تتم ملاحقة المروجين والتجار مع الأشخاص الملاحقين على أساس استعمال المخدرات التي حصلوا عليها منهم[6]. وفيما يفرض القانون إفساح المجال أمام الشخص المدمن للعلاج قبل انتهاء المحاكمة (وقف الملاحقة ضده)، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للمروجين الذين تبقى الملاحقة قائمة ضدهم. وعلى ضوء ذلك، طلب الشخص المدمن في هذه القضية من محكمة الجنايات أن تفصل دعواه عن الأظناء والمتهمين الآخرين في الملف تمكيناً له من متابعة علاجه، فاستجابت المحكمة لطلبه هذا.
 
–        أما القرار الثالث، فقد صدر عن محكمة الجنايات في جبل لبنان (غرفة الرئيس الخوري) بتاريخ 05/06/2014[7] في قضية شاب مدعى عليه لتعاطيه مادة مخدرة، كان قد طلب من المحكمة، من خلال مذكرة دفوع شكلية تقدم بها موكله، أن يتم وقف الملاحقة ضده وأن تتم إحالته الى لجنة مكافحة الإدمان على أن يتم فصل ملفه في الدعوى عن باقي الأظناء والمتهمين (ومنهم من هو من كبار تجار المخدرات). وفيما رفضت المحكمة فصل ملفه عن الدعوى الأساسية وقررت ضم مذكرة دفوعه الشكلية الى أساس النزاع (أي أنها اعتبرت أن طلب الإحالة الى اللجنة لا يشكل دفعاً شكلياً)، إلا أنها انتهت عند  إصدار حكمها النهائي بحق المتهمين وسائر المدعى عليهم في القضية نفسها الى وقف السير في إجراءات المحاكمة بما يخصه وإحالته الى لجنة مكافحة الإدمان في الحكم النهائي.
 
بالطبع، تؤشرهذه القرارات الى بدء تغليب مبدأ "العلاج كبديل من الملاحقة" على المنطق العقابي الذي كان سائداً خلال العقود الماضية، ويؤمل من ذلك أن تنتهي المحاكم الى فرض تنفيذه تلقائياً وتالياً الى تحرير الأشخاص المدمنين من دوامة الملاحقة والمعاقبة من دون علاج. إلا أنه على أهميته، فإنه لا يزال يحتاج الى مزيد من الجهد من المحامين والقضاة لتعميمه. كما أن نجاح ذلك يبقى مرتبطاً بمدى نجاح اللجنة المشرفة على علاج المدمنين (والتي لا يتقاضى أعضاؤها ومنهم رئيستها القاضية ريما أبو خليل أي بدل إضافي) في متابعة ملفاتهم، وخصوصاً في إيجاد إمكانات علاج مجاني لهم، وفق ما نص عليه قانون المخدرات. وتالياً، مع تواتر القرارات الآيلة الى تكريس المبدأ المذكور، لا بدّ أن تتجه اليوم الأنظار في اتجاه اللجنة ومن خلالها في اتجاه وزارة الصحة العامة تحصيناً للإنجاز.


نشر في العدد الثامن عشر من مجلة المفكرة القانونية
 
[1]تراجع "المرافعة النموذجية دفاعاً عن شخص مدمن مدعى عليه أمام محكمة لبنانية لاستهلاك المادة المخدرة"، اعداد نزار صاغية وكريم نمور بالتعاون مع جمعية "سكون" ومنظمة IDLO، المنشورة في هذا العدد من "المفكرة القانونية".
[2]يراجع نزار صاغية، "الشرطي والقاضي والأشخاص الذين يتعاطون المخدرات"، دراسة بالتعاون مع جمعية "سكون"، 2011(منشورة على موقع "المفكرة القانونية" الالكتروني: legal-agenda.com)؛ كما يراجع كريم نمور، "خمس مراحل للعمل القضائي في قضايا الإدمان: حالة نموذجية لتجاوز الآراء المسبقة"، العدد الثاني عشر من "المفكرة القانونية".
[3]محكمة التمييز، الغرفة الثالثة الجزائية (مؤلفة من القضاة سهير الحركة والمستشارين غسان فواز وناهدة خداج)، قرار صادر بتاريخ 03/10/2013.
[4]محكمة إستئناف الجنح في بيروت، الغرفة العاشرة (برئاسة القاضي طنوس مشلب وعضوية القاضيين ألبر قيومجي وفاتن عيسى) قرار صادر بتاريخ 29/05/2014، منشور على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية.
[5]محكمة الجنايات في جبل لبنان (المؤلفة من الرئيس عبر الرحيم حمود والمستشارين راجي هاشم ورانيا بشارة) قرار صادر بتاريخ 02/06/2014، منشور على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية.
[6]يراجع نزار صاغية،مذكور أعلاه.
[7]محكمة الجنايات في جبل لبنان (المؤلفة من الرئيس هنري الخوري والمستشارين ابراهيم علام ومنصور القاعي، منتدباً) قرار صادر بتاريخ 05/06/2014.
انشر المقال

متوفر خلال:

المرصد القضائي ، لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *