مفتّش المحاكم الجعفرية يحفظ شكوى خشّاب ويؤكّد عدم جواز حبس الأم إن كان الأولاد في سنّ الوعي


2020-12-30    |   

مفتّش المحاكم الجعفرية يحفظ شكوى خشّاب ويؤكّد عدم جواز حبس الأم إن كان الأولاد في سنّ الوعي
إحدى المتظاهرات تحمل لافتة تسأل عن العدالة في أحكام القضاة

بعدما وعد المفتّش العام لدى المحاكم الشرعية الجعفرية، القاضي حسن الشامي، بقرار “عادل” في الشكوى المقدمة من السيدة عبير خشّاب ضدّ القاضي السيّد بشير مرتضى نسبت فيها إليه “إنتماءه الى الجهة الحزبية نفسها التي ينتمي إليها طليقها السفير حسن نجم، وتأخير إصدار الحكم في قضية حضانة طفليها واعتماده التقويم الهجريّ في تحديد عمرَيهما”، وبعد مطالبة الحملة الوطنية لرفع سن الحضانة لدى الطائفة الشيعية كفّ يد القاضي مرتضى عن قضايا الحضانة، أصدر القاضي الشامي قراراً معلّلاً، ضرب فيه عرض الحائط فعل “المحاسبة” الذي كانت تتوقّعه خشّاب، وخلص في القرار إلى أنّ “المشكو منه مرتضى لم يقدم على أي إخلال بالواجبات الوظيفية وبالتالي حفظ الملف”.

وبحسب القرار الصادر عن القاضي الشامي “لم يثبت أنّ الإنتماء الحزبي أو السياسي بين مرتضى ونجم كان الدافع لإصدار الحكم الذي تأخّر لأيام معدودة نتيجة ضغط العمل والظروف في البلاد، كما أنّ اعتماد التقويم الهجري واجب بحسب القانون خصوصاً عند تقارب الفترة المطلوب احتسابها وتوجد أسبقيات في هذا المجال بصدور حكمين بفترتين زمنيتين مختلفتين اعتمدا التقويم الهجري في قضية حضانة مشابهة تمامًا لقضية خشّاب”. وأكّد القاضي الشامي أنّ “كل ما أدلت به الشاكية قد يصلح لأن يكون سبباً للطعن استئنافاً أو لمباشرة طلبات قضائية منفصلة، لكنه بالتأكيد لا يشكّل مآخذ تستوجب الملاحقة التأديبية”. والمفتّش على المحكمة الجعفرية هو قاض منتدب من بين القضاة العدليين من مذهب المحكمة، وفقاً للمادة 461 من قانون تنظيم القضاء الشرعي.

القرار صدر عقب النشاط الذي نفّذته الحملة الوطنية لرفع سن الحضانة لدى الطائفة الشيعية من أمام المحكمة الشرعية الجعفرية في منطقة الأونيسكو الإثنين 28 كانون الأول 2020، وحمل عنوان “#من_طابق_لطابق”، رفعت فيه المحتجّات الصوت عالياً في وجه الأحكام المجحفة بحقّ النساء التي تصدر عن بعض القضاة الجعفريين، وخصوصاً القاضي بشير مرتضى الذي أصدر حكماً بمنح حضانة طفلَي الوالدة عبير خشّاب إلى الوالد الذي يشغل منصب سفير للبنان في ساحل العاج ودعّم حكمه لاحقاً بـ”شأنيّة الوالد الاجتماعيّة والمرموقة”، ما دفع بالمحتجّات إلى المطالبة بإقالته. 

وفي هذا الصدد، جاء في قرار القاضي الشامي إنّ “عبارة “الشأنية” التي وردت في حكم المشكو منه، جاءت لتعالج فعلاً مسألة القدرة على احتضان ولديه بعدما أثارت الشاكية عبر وكيلها القانوني هذا الموضوع، وبالتالي من المجحف القول إنّ المشكو منه قضى بالحضانة للأب بسبب أنّه “صاحب شأن” كما ورد في الشكوى”، وأكّد الشامي لـ “المفكرة القانونية” أنّ “ليس كلّ خطأ يستوجب قراراً تأديبياً”.

وكان القاضي الشامي خلال التحرّك، ومع نهاية الدوام الرسمي خرج لمقابلة المحتجّات وأكّد لهنّ أنه “سيحاسب كلّ قاضٍ يثبت أنّه أصدر قراراً بناءً على ضغط سياسيّ”، بعد أن كان قد مهر ملفّ شكوى خشّاب بعبارة “مخالفات خطيرة وانحياز”، بناءً على مضمون شكواها. موضحاً أنّ “التفتيش لا علاقة له بفسخ الحكم النهائي أو تصديقه، فوحدها المحكمة العليا هي التي تبتّ بأساس الدعوى بعد أن تمّ الطعن فيها، بينما ينحصر دور التفتيش بالمعاقبة التأديبية ومن الممكن أن يؤثر في قرار المحكمة في حال ثبت وجود انحياز لدى القاضي أو خطأ فادح”. 

عبير خشّاب

تحرّك يدقّ أبواب القضاة الجعفريين

التحرّك الذي كان من المفترض أن ينتقل “#من_طابق_لطابق” في مبنى المحكمة الجعفرية مروراً بمكاتب القضاة، لازم مكانه على الأرض أمام مقر المحكمة من الساعة العاشرة صباحاً ورغم أن “كلّ من يملك أو تملك قضية لديه الحقّ في الولوج إلى المبنى”، بحسب القوى الأمنية المكثفة التي تولّت مهمة حراسته كما حراسة سيارات القضاة، إلا أنّ الدخول كان ممنوعاً على عبير خشّاب وكلّ المحتجّات. وبعد أخذ وردّ تحت ذريعة أنّ أحداً من القضاة ليس موجوداً في الداخل، نقلت القوى الأمنية رسالة “مجهولة المصدر” تبيّن لاحقًا أنها عن لسان القاضي مرتضى، بحسب أحد الضباط، تقول بـ”ضرورة تشكيل وفد وطلب موعد من القاضي في يوم آخر”.

وتقول الناشطة رزان التي تمكّنت وحدها من خرق الحراسة والدخول من الجهة الخلفية للمبنى إنّها لمست غضباً عارماً لدى القوى الأمنية، لحظة مرورها بالطابق الأوّل ومحاولتها دخول إحدى الغرف المقفلة، وترجّح أنّ عدداً من القضاة كانوا موجودين فيها. وبحسب المحتجّات أمام المبنى، فقد لاحظن حركة على نوافذ الغرفة وخيالات بعض الأشخاص الذين حاولوا استراق النظر من خلف الستائر المنسدلة. ولكن لم يتمّ التأكد ممّا إذا كان القاضي مرتضى أو رئيس المحكمة الجعفرية العليا القاضي محمد كنعان متواجدَين في الداخل، نظراً لتمنّعهما عن الإجابة على هاتفيهما.

“ما حصل في هذا التحرّك التصعيدي الذي تقصّد دقّ أبواب القضاة الجعفريين هو أشبه بلعبة القطّ والفأر”، تقول إحدى المشاركات في التحرّك. ورغم محاولات المراهنة على “ملل” المشاركات وفضّ التحرّك، وتجاهل صرخات القهر في صوت عبير التي رددت على مسامع ممثّلي الشرع عبر مكبرات الصوت عبارة “خافوا الله” مؤكّدة أنها لن تتنازل عن ولديها، تمكّنت الأخيرة من الحصول على وعد يتيم من القاضي الشامي، بأن يكون بتّه في الشكوى “عادلًا”، الا أنّ الأمر انتهى بـ “تبرئة” القاضي مرتضى من المسؤولية.

تفاصيل قضية حضانة أطفال عبير خشّاب

وفي العودة إلى تفاصيل قضية خشّاب، وبعد طلاقها من زوجها غيابياً، أمر القاضي مرتضى بتسليم ولديها التوأم مع جواز سفرهما إلى الوالد ليسافرا معه إلى ساحل العاج بالرّغم من أنّهما لم يبلغا من العمر سبع سنوات، وهو ما تمّت تسويته من خلال مذكّرة قدمها وكيل الزوج تفيد بأنّ “احتساب سنّ الحضانة يكون وفقاً للتقويم الهجري وليس الميلادي”. كما وذكر القاضي في حكمه “شأنيّة الوالد الاجتماعيّة والمرموقة”. وقد اعتبرت الحملة أنّ “المحسوبيّات لعبت دورها” في هذه القضيّة، وأنّ القاضي “ينتمي إلى الجهة الحزبيّة عينها التي ينتمي إليها زوج عبير السابق حسن نجم”.

وعقب ذلك، تلقّت عبير خشّاب قراراً موقّعاً من رئيسة دائرة تنفيذ بيروت، القاضية كالين عبدالله، يقضي بتنفيذ الحكم الصادر عن محكمة بيروت الشرعية الجعفرية و”تسليم الأولاد وإلّا إصدار قرار حبس ووقف” بحقّها. وتقدّمت عبير بدورها بطلب “مشكلة تنفيذية” لدى القاضية عبدالله للمطالبة بوقف تنفيذ الحكم لأسباب منها “استحالة التنفيذ لعدم قابلية المطلوب تنفيذه بدنياً قانونياً وإنسانياً وواقعياً، ولتقديمها طلباً بحقّ رؤية الولدين”، الأمر الذي تمّ تجاهله من قبل القاضية في بادئ الأمر قبل أن تعود لتؤكّد أنّه ليس هناك مبرّر لعدم تنفيذ حكم المحكمة الجعفرية بعد تبلّغها إصراراً على التنفيذ، على حدّ قول عبير.

وفي هذا الإطار، أوضح الرئيس الشامي أنه “قانوناً يتمّ الحبس الإكراهي في حال رفض تسليم الأم للأولاد، أما عندما يكون الأولاد في سن وعي (وهي الحالة في قضية عبير برأيه) ويمتنعون عن الذهاب من الأم إلى الأب أو العكس فلا يتحمّل أيّ من الوالدين مسؤولية هذا القرار”. ويشرح القاضي الشامي لـ “المفكرة” مسألة تحديد سنّ الوعي مستشهداً بالمادة 242 من قانون القضاء الشرعي، قائلاً إنّه وفق ما جاء فيها “يصدر القاضي الجعفري حكمه طبقاً للمذهب الجعفري”، ويضيف “بالتالي فإنّ تحديد الوعي مسألة شرعية غير محسومة وتخضع للنقاش بحسب القاضي الشرعي”، فليس دائماً البلوغ على سبيل المثال شرطاً أساسياً لاكتمال الوعي، لافتاً إلى أنّه من وجهة نظره “المعيار الجامع والأساسي في تحديد سنّ الوعي ألّا يكون هناك ضغوطاً ممارسة على الولد أو وجود قلّة إدراك لديه”. وبذلك، يكون الشامي قد أكّد على أن الحبس الإكراهي لا يجوز في حالات يكون فيها الطفل مدركاً، مما يشكل موقفاً إيجابياً، ولا سيما أنّه يضع حداً لممارسة خطيرة المتمثلة بحبس الأمهات. والأهم، فإنّ هذا التصريح يشكّل مدخلاً لقضاة التنفيذ لوضع حدّ لحالات التوقيف الإكراهي، ولا سيما لكونها مخالفة صارخة لمصالح الطفل الفضلى. ومن جهتها، أشارت رئيسة الحملة الوطنيّة لرفع سنّ الحضانة لدى الطائفة الشيعيّة زينة إبراهيم، إلى أنّ “الحملة تتحضّر لتشكيل وفد وترتيب موعد عملًا برسالة القاضي مرتضى، على أمل أن يكون القرار النهائي عادلاً فيساهم في إلغاء قرار ظالم يعرّض الأم للحبس في حال عدم تسليم ولديها، كما يحرمها من حق رؤيتهما في حال السفر إلى أبيهم ذي الشأنية الاجتماعية المرموقة”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، أطراف معنية ، جندر ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، حقوق الطفل ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، محاكم دينية ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *