مصير البريد يحدد اليوم: استمرار للصفقات أم احترام دور الهيئات الرقابية؟


2023-11-14    |   

مصير البريد يحدد اليوم: استمرار للصفقات أم احترام دور الهيئات الرقابية؟

التقرير النهائي الذي يعرضه وزير الاتصالات جوني القرم على مجلس الوزراء اليوم عن مزايدة البريد لا يتضمن أي جديد عن المعطيات المتوفّرة أصلاً. فلم يعط أيّ مبررات جديدة تسمح بالأخذ بطلبه الموافقة على توقيع العقد مع ائتلاف شركتي Merit Invest اللبنانية وColis privé france (مملوكتان من شركة CMA CGM) خلافاً لرأي ديوان المحاسبة، ولا اقتنع بوجوب الأخذ برأي الديوان والبدء فوراً بالتحضير لمزايدة جديدة وتعويض الوقت الذي أضاعه في مواجهة الهيئات الرقابية ورفض تقاريرها ومحاولة الالتفاف عليها بالسياسة. 

ما فعله كان تكرار مضمون كل الكتب التي سبق أن قدمها للديوان في معرض سعيه إلى توقيع العقد، والتي لم تكن كافية لثني الأخير عن قراره. هكذا، أسهب في عرض المراسلات والكتب التي تبادلها مع الديوان، متغاضياً في الوقت نفسه عن الكتب التي وصلته من هيئة الشراء العام، بالرغم من ادعائه أن الهيئة وافقت على المزايدة ووافقت على دفتر شروطها. 

دراسة بلا مضمون

اللافت أن القرم، في تقريره، أضاف إلى المستندات التي قدّمها مستنداً (المستند رقم 9) يتضمن: 

  • جدولاً تحت عنوان دراسة “بيان الدخل الشامل لـ”ليبان بوست” من العام 2010 وحتى العام 2021″. ويتضمن أرقاماً عامة عن أرباح الشركة وخسائرها. فهل يمكن الأخذ بأرقام شركة لا خلاف على أن عقدها مع الدولة كان مجحفاً، كما كان سبباً في إصدار الديوان تقريراً في العام 2021، استعاد فيه كل الموبقات والمخالفات التي شابت العقد، وخلص إلى وجوب إعداد دفتر شروط يناقض البنود التي تضمّنها؟ 
  • دراسة سوق سريعة مؤرخة في تشرين الثاني 2023، عن خدمات التوصيل المتوفرة في لبنان وبين لبنان والعالم. الدراسة تركّز على التجارة الالكترونية وخدمات التوصيل، مع المرور سريعاً على الخدمات البريدية. ولا يمكن الخروج منها بأيّ خلاصة علمية، بما يشكّل استخفافاً بمجلس الوزراء. علماً أن هذه الدراسة التي أُعدّت على عجل، كان يمكن إعدادها بطريقة أكثر حرفية ومهنية قبل إطلاق المزايدة على ما كان طلبه كل من ديوان المحاسبة وهيئة الشراء العام. 

وقد اعتبر القرم أنه من خلال هذا المستند يكون قد أجاب على مطلب هيئة الشراء العامّ الذي دعا إلى “إجراء دراسة مالية معمقة لوضع هذا الاستثمار على مدى السنوات السابقة للانطلاق منها إلى توقّعات على مدى السنوات التسع القادمة”. كما اعتبره من عناصر تحقق شروط التعاقد مع مُقدّم العرض الوحيد، المُحدّدة في المادة 25 من قانون الشراء العام.

وختم القرم تقريره بالقول إنه لا يجوز إبقاء الوضع على ما هو عليه وخصوصاً لجهة حصة وزارة الاتصالات بالاستمرار مع المشغّل الحالي التي أصبحت شبه معدومة ولا قيمة لها، فإن مصلحة الدولة العليا تقتضي إيجاد حلّ جذري لهذا الموضوع، مقترحاً حلاً من ثلاثة: 

  • تفويض الوزير التوقيع على العقد الفائز والتمديد لشركة “ليبان بوست” لغاية إجراء عملية التسلّم والتسليم مع المستثمر الجديد.
  • تمديد عقد ليبان بوست لغاية توقيع العقد مع مشغّل جديد وتكليف الوزارة بتعديل جداول أسعار الخدمات البريدية إلى حين إطلاق المزايدة التالية وتسلّم الفائز على أن يصدر قرار عن مجلس الوزراء يتعلق بـ”إطلاق مزايدة البريد للطرود و/ أو الطرود البريدية و/ أو الرزم والتجارة الالكترونية و/ أو مواد المراسلات. وبالتالي الإجازة إلى الشركات الحاصلة على تراخيص بنقل الطرود والطرود البريدية والتجارة الإلكترونية والمراسلات المشاركة بالمزايدة. 
  • تأسيس شركة مساهمة لبنانية يكون موضوعها تأمين الخدمات البريدية، تنقل إليها أصول وموجودات والعقود المحولة من شركة ليبان بوست تتولى تشغيل القطاع البريدي لصالح الدولة – وزارة الاتصالات خلال المرحلة الانتقالية ولحين تمكّن المديرية العام للبريد من إدارة القطاع المذكور على أن يتمّ إطلاع مجلس الوزراء تباعاً بالإجراءات المتخذة والحصول على موافقته عند الاقتضاء.

استلام القطاع… قرار يحتاج إلى قرار؟ 

المستغرب أن وزير الاتصالات في اقتراحه الثالث يعيد تكرار الفقرة الثالثة من قرار مجلس الوزراء الصادر، في جلسة 18/4/1023، حرفياً، بوصفه اقتراحاً منه في حين المطلوب منه منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم هو تنفيذ القرار المتخذ أصلاً والذي لا يحتاج مجلس الوزراء لإعادة إصداره، بل ينبغي عليه مساءلة الوزير عن تقصيره في تنفيذه. 

كذلك تجاهل القرم المادة الثانية من القرار نفسه، يبدو جلياً أنّ هذه المادة تضع في الحسبان احتمال فشل المزايدة. وهي لذلك دعتْ إلى إتمام عملية تحويل الخدمات البريدية إلى وزارة الاتصالات “في حال فشل إجراءات التلزيم” واتخاذ جميع الإجراءات والتدابير اللازمة لذلك، بما في ذلك العودة إلى مجلس الوزراء من أجل تأمين التمويل اللازم لتغذية التكاليف والنفقات المترتبة عن ذلك. 

وعليه، يتضح أن عدم توقيع العقد حالياً لا يعني نهاية العالم ولا يعني أن البديل هو حصراً “إبقاء الوضع على ما هو عليه”، كما يشير الوزير في تقريره. بل على العكس، فقد أعدّ المجلس لهذا الاحتمال، راسماً خريطة طريق تتضمّن إنشاء شركة لإدارة القطاع وثم استلام القطاع من “ليبان بوست”، تمهيداً لتحويله إلى الشركة المنشأة. لكن القرم لسبب مجهول لم يقمْ بما طلبه منه مجلس الوزراء، وها هو يأتي إليه اليوم ليعلن خشيته من الفراغ ومن انهيار القطاع. 

لا فرق بين “ليبان بوست” و”ميريت” 

على المنوال نفسه، يصبح مفهوماً استعادة الوزير، في اقتراحه الثاني، لأسطوانة قديمة عن التجديد لـ”ليبان بوست”. علماً أن الوزير نفسه سبق أن نقل إلى مجلس الوزراء رفض الشركة أيّ تعديل للتعرفة إلا في حال توقيع عقد جديد معها، من دون أن يتكلّف عناء الضغط عليها للموافقة على التعديل. مع ذلك، فهو يعيد طرح الموضوع نفسه الذي أعلن أنها لم توافق عليه، فيقترح التمديد لها إلى حين إجراء مزايدة جديدة بعد تعديل شروط العقد. فهل ثمّة معطيات بأنّ الشّركة ستوافق على تعديل شروط العقد من دون توقيع عقد جديد؟ وهل يعني ذلك أنها ستضمَن عدم توقيع عقد مع شركة جديدة؟ أم أن طرح الاحتمال غير جدي من الأساس؟ 

في كل الأحوال، لا يمكن غضّ النّظر عن أن التهويل بالتمديد لـ “ليبان بوست” في حال عدم توقيع العقد مع “ميريت” هو أشبه بذرّ الرماد في العيون، في ظلّ الشبهات التي تعتبر أن “ميريت” ليست سوى استمرار لـ “ليبان بوست”، لاسيما أن مصرف سرادار يشكل تقاطعاً بينهما. فهو مالك النسبة الأكبر من أسهم “ليبان بوست”، فيما كان أغلب أعضاء الإدارة العليا في “ميريت” حالياً موظفين في “سرادار”. لذلك، فإن أي مفاضلة في مجلس الوزراء بين خياري التوقيع مع “ميريت” أو التمديد لـ”ليبان بوست” ستكون مفاضلة صورية، طالما أن النتيجة ستكون نفسها. 

ديوان المحاسبة يُذكّر بمخالفات القرم

بالنتيجة، وقطعاً للطريق أمام استرسال وزارة الاتصالات في التعمية على المخالفات التي شهدتها إجراءات المزايدة، وتبريرها، خلافاً لرأي الديوان، أن الصفقة تراعي المادة 25 من قانون الشراء العام، وجّه الأخير مذكرة إلى الوزير جوني القرم، يذكّر فيها بالثوابت والمفاهيم التي أشار إليها الديوان في قراريه الصادرين في 23/8/2023 و5/10/2023.

وقد أكدت المذكرة الموقعة من رئيس الغرفة الثانية في الديوان القاضي عبد الرضى ناصر ورئيس الديوان القاضي محمد بدران، على: 

  • ضرورة وضع دراسة تحليلية تحدد من خلالها إيرادات الدولة من قطاع البريد هو إجراء جوهري ضروري وأساسي يرتبط بالمبادئ العامة المالية. ولا يمكن للإدارة تجاوزه أو الاستغناء عنه لأي سبب من الأسباب، وهو ما أكده الديوان في رأيه الاستشاري المتعلق بصفقة ترميم مبنى المطار (“لا يصح الاستناد إلى دراسات أولية لا تتضمن دراسة جدوى…”. 
  • بما أن الدراسة التحليلية غير موجودة تكون شروط الفقرة 4 من المادة 25 من قانون الشراء العام غير متوفرة، ويصبح تلزيم العارض الوحيد مفتقراً إلى أي أساس قانوني. وهو ما أشار إليه رئيس الشراء العام في كتابه الصادر في 31/7/2023 وعاد وأكد عليه أثناء الاستماع إليه أمام الغرفة الثانية في ديوان. 
  • أن تطبيق مخطط تقاسم الأرباح الخاص بالمزايدة الثالثة قد تم تغييره من دون مبرر مالي وقانوني ومنطقي ومن دون وجود دراسة تثبت أن تغييره يحدث إيراداً للخزينة.

ما سبق يؤكد أن مجلس الوزراء سيكون أمام قرار حاسم. فهل يخضع للتهويل بانهيار القطاع، ليختار بين توقيع عقد مخالف للقانون وبين إحياء “ليبان بوست” التي أمعنت في حرمان الخزينة العامة من الأموال على مدى 25 عاماً؟ وإذا كان وزير الاتصالات قد أهمل قرار مجلس الوزراء بإنشاء شركة تتولى إدارة القطاع، فلماذا يسير مجلس الوزراء في الطريق نفسها، ضارباً عرض الحائط بقرار اتخذه بنفسه؟ علماً أن تجربة قطاع الخلوي الذي استلمته الدولة من دون أي إشكال تؤكد إمكانية تكرار التجربة، إن لم يكن بشكل دائم فعلى الأقل إلى حين إعداد مزايدة جديدة بدفتر شروط يؤمّن المنافسة والمساواة، والتي يمكن إنجازها خلال أشهر قليلة، على ما أكد رئيس ديوان المحاسبة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قرارات إدارية ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية