مصلحة الطفل الفضلى: مرافعة نموذجية لتحديد معايير تطبيق مبدأ أساسي في النظام العام.


2021-01-15    |   

مصلحة الطفل الفضلى: مرافعة نموذجية لتحديد معايير تطبيق مبدأ أساسي في النظام العام.

يدخل موجب حماية الأطفال ضمن أولويّات كافّة المجتمعات والأنظمة. لكن تبقى هذه الفئة من الأكثر تهميشاً والأكثر تعرّضاً للاستغلال في العالم، وفي لبنان خاصّة، على الرغم من التطوّر القانوني الآيل إلى الاعتراف الصريح بحقوق الطفل وإيلائها أهمّيّة خاصّة. يتعرّض الأطفال إلى التعنيف والاستغلال داخل أُسرهم ومن قِبل أقرب المقرّبين إليهم، كما يستمرّ تهميش الأحداث في السياق العامّ، لناحية عدم الأخذ بآرائهم أو حتّى إيلائهم الموارد الكافية لتلبية حاجاتهم. إضافة إلى ذلك، يتعرّض الأحداث المنتمين إلى فئات مهمّشة أصلاً إلى ظلم وتهميش متداخلَيْن بسبب ظروفهم الاقتصادية أو جنسهم، أو دينهم، أو جنسيّتهم، أو مجمل ظروف حياتهم.

 

تُعتبَر اتّفاقية حقوق الطفل لعام 1989 نقطة تحوّل في ما يتعلّق بحقوق الطفل، حيث اعتُبرت السند القانوني الأوّل الآيل إلى الاعتراف الصريح بالأطفال كأصحاب حقوق. وقد وقّع لبنان على الاتّفاقية دون تحفّظات في تاريخ 26/01/1990، وانضمّ في تاريخ 30/10/1990[1]، وأصبح دولة طرف فيها في تاريخ 14/5/1991. وقد كرّست الاتّفاقية سلّة من الحقوق، أبرزها مبدأ مصلحة الطفل الفضلى الذي أقرّته الاتّفاقية مبدأً محورياً، حيث جاء في المادّة 3 منها ما يلي:

  1. في جميع الإجراءات التي تتعلّق بالأطفال، سواء قامت بها مؤسّسات الرعاية الاجتماعية العامّة أو الخاصّة، أو المحاكم أو السلطات الإدارية أو الهيئات التشريعية، يولى الاعتبار الأوّل لمصالح الطفل الفضلى.
  2. تتعهّد الدول الأطراف بأن تضمن للطفل الحماية والرعاية اللازمتين لرفاهه، مراعية حقوق وواجبات والديه أو أوصيائه أو غيرهم من الأفراد المسؤولين قانوناً عنه، وتتّخذ، تحقيقاً لهذا الغرض، جميع التدابير التشريعية والإدارية الملائمة.
  3. تكفل الدول الأطراف أن تتقيّد المؤسّسات والإدارات والمرافق المسؤولة عن رعاية أو حماية الأطفال بالمعايير التي وضعتها السلطات المختصّة، ولا سيَّما في مجالَي السلامة والصحّة وفي عدد موظّفيها وصلاحيّتهم للعمل، وكذلك من ناحية كفاءة الإشراف”.

وقد ورد مفهوم “المصالح الفضلى للطفل” في مواد عدّة أخرى من الاتّفاقية، لا سيَّما المادّة 9 المتعلّقة بعدم فصل الطفل عن والدَيه، المادّة 18 المتعلّقة بمسؤوليّة الوالدين، المادّة 20 المتعلّقة بالحرمان من البيئة العائلية والرعاية البديلة، المادّة 21 المتعلّقة بالتبنّي، المادّة 37 المتعلّقة بفصل الطفل عن البالغين في السجن، المادّة 40/2 المتعلّقة بالضمانات الإجرائية والجنائية التي تشمل الأطفال المخالِفين للقانون.

كما ورد مفهوم مصلحة الطفل الفضلى في اتّفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة، التي اعتمدتها الجمعية العامّة للأمم المتّحدة في تاريخ 18/12/1979 وانضمّ إليها لبنان بموجب القانون رقم 572 تاريخ 24/07/1996، حيث جاء في المادّة 5 منها:

“(…) الاعتراف بالمسؤوليّة المشترَكة لكلٍّ من الرجال والنساء في تنشئة أطفالهم وتطوّرهم، على أن يكون مفهوماً أنّ مصلحة الأطفال هي الاعتبار الأساسي في جميع الحالات”.

كذلك جاء في المادّة 16:

“تكون لمصلحة الطفل الاعتبار الأوّل في كافة الأمور المتعلّقة بالزواج والعلاقات العائلية”.

 

وكان مبدأ “مصلحة الطفل الفضلى” قد أُثير للمرّة الأولى في إعلان حقوق الطفل لعام 1959 الذي نصّ على أنّه:

“يجب أن يتمتّع الطفل بحماية خاصّة وأن يُمنح، بالتشريع وغيره من الوسائل، الفرص والتسهيلات اللازمة لإتاحة نموّه الجسمي والعقلي والخلقي والروحي والاجتماعي نموّاً طبيعياً سليماً في جوّ من الحرّيّة والكرامة. وتكون مصلحته العليا محلّ الاعتبار الأوّل في سَنّ القوانين لهذه الغاية”.

لكن على الرغم من مصادقة كافّة الدول الأعضاء في الأمم المتّحدة على اتّفاقية حقوق الطفل لعام 1989 (باستثناء الولايات المتحدة)[2]، لا يزال يُلاحَظ غياب الإجماع حول ماهيّة حقوق الطفل وكيفيّة تفسير بنود الاتّفاقية في الواقع. وبذلك، تُعتبَر المادّة 3 من أكثر الموادّ إثارة للجدل. فعلى الرغم من الإجماع على المبدأ لا تزال كيفيّة تفسير مصلحة الطفل وماهيّتها ومضمونها موقعَ جدال. وبذلك، وفي ظلّ غياب المعايير الواضحة لتحديد هذه المصلحة، برزت الخطورة في تفسير هذا المبدأ واستخدامه تماشياً مع مصلحة صانعي القرار (الأهل أو السلطة) أو حتّى مصلحة المجتمع بشكل عامّ وليس الأطفال، حيث يتأثّر تحديد مصلحة الطفل الفضلى بمواقع السلطة والقوّة في المجتمع.

يستند هذا الدليل بشكل أساسي إلى مفهوم النظام العامّ، أي مجموع المبادئ التي لا يمكن مخالفتها لتأكيد إلزاميّة تقييم وتحديد المصلحة الفضلى للأطفال في كافّة القضايا المتعلّقة بهم وأمام كافّة المحاكم. ومن الثابت أنّ مبدأ النظام العامّ يحوز على أهمّيّة كبيرة في البلدان التي تتميّز بتعدّديّة قانونية وثقافية مثل لبنان، إذ يُعتبر ضمانة لتوحيد المبادئ والقيم المشتركة في المجتمع ووضع قواعد ملزِمة بالحدّ الأدنى. وبذلك، ينقسم هذا الدليل إلى قسمين: الأوّل، يقدّم مرافعة نموذجية مقتضَبة لتأكيد إلزاميّة تطبيق هذا المبدأ أمام كافّة المحاكم، لا سيَّما دائرة التنفيذ؛ الثاني، يعرض مجموعة المبادئ الأساسية التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار في تحديد مصلحة الطفل الفضلى. وعليه، يأمل هذا الدليل وضع المعايير الدنيا لتحديد مفهوم مصلحة الطفل الفضلى وهي معايير يمكن الاستناد إليها في دعاوى وقضايا مختلفة تتعلّق بالأطفال. يبرز هذا المعيار بشكل أساسي في الدعاوى المتعلّقة بحضانة وحراسة الأطفال إلّا أنّ أهمّيّته تنسحب على سائر القضايا المتّصلة بالأطفال، ومنها قضايا حماية الأحداث وتحديد الرعاية البديلة، إلخ.

يتوجّه هذا الدليل إذاً، إلى كافّة العاملين في مجال أخذ القرارات المتعلّقة بالأطفال، من قضاة ومحامين، لا سيَّما في مجالَي قضاء الأسرة (أي محاكم الأحوال الشخصية)، وقضاء الأحداث، ودوائر التنفيذ في ما يتعلّق بتنفيذ أحكام متعلّقة بالأطفال. ولعلّ الحاجة إلى هكذا دليل تكمن بشكل أساسي في غياب “محامي الطفل” حيث أنّ الأحداث، غالباً، لا يتمتّعون بالإمكانيّات المادّية والمعرفية للدفاع عن أنفسهم، ولا سيَّما أنّ القوانين الراهنة لا تضمن تمثيل مصالح الطفل في كافّة الإجراءات المتعلّقة به، خصوصاً تلك المتعلّقة بالنزاعات العائلية. وحتّى في الحالات التي يكون فيها توكيل المحامي إلزاميّاً (أي أمام محكمة الأحداث)، قد يتبيّن من واقع الممارسة أنّ هذا التمثيل يتأثّر برغبات الأهل في ظلّ انعدام الضمانات الإجرائيّة للحدث. وعليه، تأمل هذه المرافعة أن تشكّل مستنداً أوّلياً للأحداث يُستخدَم أمام المحاكم، وللراشدين الراغبين باعتماد منهج ينطلق ويتمحور حول حقوق الطفل. كما يمكن الاستئناس بهذه المبادئ خارج إطار النزاعات القضائية، وذلك من قِبل المشرّعين وواضعي السياسات العامّة، الإدارات الرسمية والمؤسّسات الخيرية وغير الحكومية المعنية بحماية الأطفال، وكافّة الأشخاص والهيئات التي هي على تماسّ مع الأطفال وقضاياهم. أخيراً، نأمل أن يشكّل هذا المستند أداةً للأطفال أنفسهم كي يعرفوا حقوقهم ويدافعوا عنها.

تظهر أهمّيّة هذا الدليل وضرورته على أصعدة متعدّدة. أوّلاً، إنّه يكرّس مفهوم مصلحة الطفل الفضلى مبدأً أساسياً في النظام العامّ، ممّا يتيح الحدّ من الممارسات المخالِفة لمصالح الطفل والمضرّة به، وهو مبدأ ملزِم لكافّة المحاكم، دينية ومدنية؛ ثانياً، يدحض الحجج التي تستخدم مبدأ مصلحة الطفل الفضلى في تفسير وتبرير الممارسات الضارّة بالأطفال. فأهمّيّة مفهوم مصلحة الطفل الفضلى تأتي من مرونته، لكن من الثابت، خطر استغلال مرونة هذا المفهوم لتحقيق مصلحة الفريق الأكثر سلطة، أي الراشدين. ثالثاً، يسعى هذا الدليل إلى الاستجابة إلى رغبة كافّة المحاكم بتوضيح مبدأ مصالح الطفل الفضلى ووضع معايير دُنيا قد تشكّل قاعدة مشترَكة لكافّة المحاكم على الأراضي اللبنانية ولا سيَّما أنّ هذا المبدأ مكرَّس في أغلب قوانين الأحوال الشخصية.

 

لتحميل المرافعة النموذجية

[1] القانون رقم 20، نُشر في الجريدة الرسمية عدد 45، تاريخ 8/11/1990.

[2] CONVENTION ON THE RIGHTS OF THE CHILD New York, 20 November 1989, https://treaties.un.org/pages/ViewDetails.aspx?src=IND&mtdsg_no=IV-11&chapter=4&lang=en

انشر المقال

متوفر من خلال:

جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، دراسات ، لبنان



لتعليقاتكم