مشروع لتقنين المحاكمات عن بعد في المغرب: كيف يمثل المتهم في مكان احتجازه من دون قيد؟


2018-02-23    |   

مشروع لتقنين المحاكمات عن بعد في المغرب: كيف يمثل المتهم في مكان احتجازه من دون قيد؟

أعطيت مؤخرا بالمغرب انطلاقة مشروع جديد للمحاكمة عن بعد، على مستوى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، كمرحلة أولى لهذه التجربة الجديدة التي ينتظر أن يتم تعميمها لتشمل باقي المحاكم في الفترة المقبلة.

 

مفهوم المحاكمة عن بعد

تعتمد الفكرة على أساس تقني متطور للتقاضي عن بعد من خلال تجهيز قاعات المحاكمة بشاشات تلفزيون وكاميرات عالية الدقة، وهي التجهيزات ذاتها التي تزود بها قاعات خاصة داخل المؤسسات السجنية. وتجري المحاكمة عن بعد من خلال نقل حي ما بين القاعة المخصصة داخل المؤسسة السجنية وقاعة المحكمة، وذلك بهدف الاستغناء عن نقل المتهمين المعتقلين على ذمة القضية كل مرة من مكان الاعتقال إلى قاعة المحكمة، والاستعانة عن ذلك بالتواصل معهم عن بعد.

 

أسباب اللجوء إلى المحاكمة عن بعد

بحسب القائمين على هذه المبادرة، فإنها تستهدف أساسا تسريع وتيرة المحاكمات، خاصة وأن العديد منها يتم تأخيرها إلى حين إحضار المعتقلين من داخل السجون، والتي يبعد بعضها بمئات الكيلومترات عن مقر المحكمة. وتروم المبادرة أيضا إلى ترشيد استغلال الموارد البشرية واللوجستيك لإدارة السجون، حيث يتم تخصيص حافلات وسيارات لنقل المعتقلين من السجون إلى المحاكم عوض توجيهها رفقة الموظفين لأغراض أخرى من قبيل التطبيب الخارجي للسجناء.

 

كرونولوجيا المحاكمات عن بعد في المنطقة العربية

يعد مشروع تعميم المحاكمات عن بعد واحدا من المشاريع التي يتم التسويق لها في برامج إصلاح منظومة العدالة في المنطقة العربية، والتي تعاني من أعطاب عديدة أهمها التأخر في إصدار الأحكام وارتفاع نسبة المعتقلين الاحتياطيين على ذمة القضايا المعروضة على أنظار القضاء، والبطء في تدبير الزمن القضائي الذي يصبح له ثمن جد مكلف لاسيما إذا ارتبط بحرية انسان موجود وراء القضبان، يفترض أنه بريء حتى تثبت إدانته.

في هذا السياق أثيرت في لبنان مند أمد ليس ببعيد قضية عدم سوق الموقوفين إلى المحكمة لعدة أسباب من بينها عدم توافر الإمكانيات المادية والأمنية. وكحل للمعضلة، بادرت وزارة العدل اللبنانية إلى إنشاء محكمة في سجن رومية (وهو أكبر سجن لبناني) بهدف تسريع المحاكمات، وعوض أن تبادر الى توفير الإمكانيات المادية والأمنية لنقل المعتقلين من السجن الى المحكمة لمحاكمتهم، أصبحت الهيئة القضائية تنتقل إلى السجن لتحاكمهم بملحقة المحكمة التي أنشئت داخل السجن المذكور، وهي مبادرة أثارت نقاشا فقهيا وحقوقيا حول مدى احترامها لشروط المحاكمة العادلة. ورغم تكلفة بناء هذه المحكمة، فإنها توقفت تماما عن العمل.

في الجزائر، تم تدشين أول تجارب المحاكمات عن بعد سنة 2015، بهدف تسريع وتيرة المحاكمات الجزائية. فهذه التقنية الحديثة تتيح إمكانية الاستماع لبعض أطراف القضية المتواجدين رهن الاعتقال بالمؤسسات العقابية، من متهمين وشهود، خاصة بالمناطق البعيدة. وبمجرد تعميم التجربة خلال تشرين الأول (أكتوبر) 2016، سارع العديد من المحامين لإيداع  طلبات لدى النيابة العامة، قصد انتهاج هذا النوع من المحاكمات عندما يتعذر نقل موكليهم من سجون ولايات بعيدة عن مقر محكمة الاختصاص.

نفس المبادرة ظهرت في بلدان عربية أخرى مثل مصر والسعودية والإمارات بهدف تسريع وتيرة الفصل في الملفات العالقة بسبب تحويل السجناء، وتخفيف الضغط الذي يعيشه القضاة أثناء معالجتهم للقضايا والاستماع للمتهمين والشهود والضحايا، ومحاولة التقليص من معدلات تأجيل القضايا.

 

مشروع قانون المسطرة الجنائية بالمغرب أول تقنين رسمي للمحاكمات عن بعد

تضمن مشروع تعديل قانون المسطرة الجنائية بالمغرب -الذي سيعرض قريبا على أنظار البرلمان- أول تقنين لتقنية المحاكمات عن بعد. فبهدف استثمار التطور التكنولوجي والمعلوماتي في مجال تحديث آليات العدالة الجنائية، نص المشروع على استعمال تقنية الاتصال عن بعد للاستماع للأطراف والمتهمين من طرف قضاة التحقيق والهيئات القضائية في مختلف المحاكم، حيث نص المشروع على مقتضيات جديدة لهذا النوع من المحاكمات، تتمثل فيما يلي:

-إذا كانت هناك أسباب جدية تحول دون حضور المتهم أو الضحية أو الشاهد أو المطالب بالحق المدني لبعده عن المكان الذي تجري فيه المحاكمة، أمكن للمحكمة تلقائيا أو بناء على ملتمس النيابة العامة أو أحد الأطراف أو من ينوب عنهم تطبيق تقنية المحاكمة عن بعد؛

-تصدر هيئة المحكمة مقررا قضائيا معللا تبرر اللجوء لتقنية الاتصال عن بعد وهوية الشخص أو الأشخاص موضوع الإجراء وتحدد المهمة المطلوبة وتاريخ وساعة إنجازها. وتوجه انتدابا قضائيا إلى المحكمة التي يوجد بدائرتها الشخص أو الأشخاص المعنيون بالأمر للسهر على استدعائهم والإشراف على عملية الاستماع عن بعد.

-يعين رئيس المحكمة قاضيا للإشراف على تنفيذ المهمة واستدعاء الشخص أو الأشخاص المعنيين بالأمر. ويباشر الإجراء مع الأشخاص المعنيين بالأمر في مكتب أو قاعة يتم تهيئتها لهذه الغاية، مجهزة بالوسائل التقنية اللازمة.

-يتم الاستماع أو الاستنطاق أو تلقي التصريحات مباشرة من طرف الهيئة القضائية التي أصدرت الانتداب.

وقد تم تمديد امكانية الاستعانة بهذه التقنية لفائدة قضاة التحقيق أيضا وفق نفس الاجراءات.

 

المحاكمات عن بعد مميزات تقنية ومخاطر قانونية

للوهلة الأولى يبدو أن من شأن تعميم تقنية المحاكمات عن بعد تحقيق عدة نتائج إيجابية من قبيل السرعة في معالجة الملفات خاصة تلك التي تمس بحرية المشتبه فيهم، حيث يحول اعتماد هذا الأسلوب المستحدث دون تأخير الملفات، ودون منح بعض الآجال التي تستغل أحيانا بسوء نية لتطويل أمد المحاكمات، فضلا عن تحقيق نتائج على مستوى ترشيد الامكانيات المادية واللوجستيكية، ناهيك عن الأهداف الأمنية كلما تعلق الأمر بنوعية من القضايا تحظى بتتبع واسع من لدن الرأي العام.

ورغم هذه المميزات التقنية والمادية والأمنية فإن المبادرة الجديدة لا تخلو من طرح بعض المخاطر من بينها أنها قد تتحول من استثناء إلى قاعدة تشجع على التقاعس في تنفيذ الأوامر بإحضار المتهمين أو الشهود، كما أنها قد تثير إشكالات قانونية وحقوقية تتعلق أساسا بمدى مراعاتها لشروط المحاكمة العادلة، والتي تتطلب ضرورة توافر عدة ضمانات أهمها العلنية والتواجهية والشفهية والحضورية.

 

– نزار صاغية : مهزلة عدم سوق الموقوفين الى المحاكمة في حكم قضائي: الى متى يستمر ازدراء القضاء والحرية الشخصية؟، مقالة منشورة في العدد الخامس من مجلة المفكرة القانونية، ص 20.

– زياد عاشور: انشاء محكمة في سجن رومية: ونجحت الدولة في سوق القاضي الى السجن، مقالة منشورة في العدد السابع من مجلة المفكرة القانونية، ص 06.

– بحسب تقارير اعلامية يتم تسجيل ما يزيد عن 5 طلبات في اليوم تتعلق بمحاكمات عبر"سكايب" تسجلها المحاكم الابتدائية للعاصمة، و6 طلبات أمام مجلس قضاء الجزائر وبومرداس، غالبيتها تتعلق بالشهود الموقوفين على ذمة قضايا أخرى، أو لمتهمين موقوفين وصدرت ضدهم أحكام غيابية عن قضايا أخرى.

– المحاكمات الافتراضية ثورة قضائية في الجزائر، تقرير منشور بمجلة العرب، العدد: 10253، بتاريخ 2016/04/22،  ص 19  .

– أنظر المواد 133و 1-193، 2-193، 4-347، 5-347 و 6-347 من مسودة مشروع تعديل قانون المسطرة الجنائية.

مريم بنزهة: آثار استعمال المعلوميات على العمل القضائي، مقالة منشورة بمجلة الملف، العدد 23، نونبر/تشرين الثاني  2015، ص 138.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، المرصد القضائي ، المغرب ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *