مشروع قانون عاملات المنازل في المغرب


2015-11-26    |   

مشروع قانون عاملات المنازل في المغرب

عددهن مستعص عن أي احصاء رسمي، يشتغلن داخل أوقات العمل وخارجها، بأجر يقل في الغالب عن الحد الأدنى للأجر، وفي ظل فراغ تشريعي.
أخبارهن ملأت كل وسائل الاعلام، وتقارير المنظمات الوطنية والدولية الحكومية وغير الحكومية نقلت جزءا غير يسير من معاناة وآلام وضحايا يسقطن تباعا. ففي سنة 2009، تفجرت قضية الخادمة زينب ذات الأحد عشر ربيعا التي تعرضت للتعذيب بالضرب والكي وصب الزيت المغلي على أماكن حساسة من جسدها من طرف مشغلتها وهي زوجة قاض وقبل أيام لفظت الخادمة خديجة وهي ابنة 7 سنوات أنفاسها الأخيرة متأثرة بإصابات ناجمة من التعنيف والتعذيب بوحشية من طرف ابنة مشغلتها على مشارف مدينة الدار البيضاء.  

احصائيات تفضح جانبا من المعاناة

كشفت دراسة حديثة أنجزها الائتلاف الجمعويفي ماي 2012من أجل حظر تشغيل الخادمات القاصرات، أن عدد الخادمات القاصرات بالمغرب يتراوح بين 66 و88 ألفا، 38% منهن تتراوح أعمارهن بين 8 و12 عاماً، و62% بين 13 و15 عاماً.[1]
وتشير الدراسة إلى أن 49% من الخادمات القاصرات انقطعن عن الدراسة، و30% لم يسبق لهن أن عرفن المدرسة، و21% يواصلن دراستهن ويعملن في العطل.
تأمل الظاهرة يكشف عن مفارقات عديدة: المرأة تتحول فيها أحيانا من ضحية إلى جلاد تجاه امرأة أخرى من نفس النوع، وموروث ثقافي بمرجعية تكرس العبودية التي عادت في القرن الواحد والعشرين لتطل بوجهها البشع من جديد.
وتتبع المسار التاريخي للموضوع يؤكد غياب ارادة حقيقية في معالجة هذه الظاهرة لأسباب كثيرة قد يكون من بينها التطبيع معها.

قانون خدم المنازل مسار طويل لفراغ تشريعي

من أبرز مظاهر التعارض بين التشريع المغربي والمعايير الدولية لحقوق الانسان الفراغ التشريعي الحاصل في مجال تنظيم تشغيل خدم المنازل. فرغم أن ديباجة مدونة الشغل تنص على أنها تنطلق من احترام مبادئ حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، والاتفاقيات الصادرة عن منظمة العمل الدولية المصادق عليها من طرف المغرب[2]،  فإنها استثنت من حمايتها عمال المنازل بموجب المادة الرابعة منها والتي أحالت على قانون خاص سيصدر لاحقا.غير أن هذا القانون لم يكتب له أن يرى النور رغم الاعلان عن عدة مشاريع قوانين تتعلق بخدم المنازل في أكثر من مناسبة. وقد أدى هذا الأمر إلى تهميش فئة خدم المنازل وأغلبهم من النساء، الشيء الذي كرسه الاجتهاد القضائي[3] بشكل يكاد يكون راسخا[4].

وبعد المصادقة على دستور 2011 وتنامي صوت المجتمع المدني الذي شكل قوة ضاغطة وقاد حملات ترافعية من أجل الدفاع عن حق فئة خدم المنازل في تشريع يحميها من كل أشكال الاستغلال، صادقت الحكومة مؤخرا على نسخة جديدة ومحينة من مشروع قانون رقم 19.12 الذي يندرج ضمن خطة عمل تعدها الوزارة الوصية في مجال حماية الطفولة والمرأة والأسرة بوجه عام. كما يعد جزءاً لا يتجزأ من محاور وأهداف برنامج "إنقاذ" الذي أطلقته الحكومة لمحاربة ظاهرة تشغيل الطفلات كخادمات.

ايجابيات مشروع قانون خدم المنازل

من أهم ايجابيات مشروع قانون خدم المنازل:

1-      تحديد سن الاستخدام المنزلي:وهي ايجابية وسلبية في آن واحد. الايجابية تكمن أنه منع تشغيل من هم دون 16 سنة في هذا المجال. السلبية تكمن أنه شرع تشغيل القصر فيه.

2- الاهتمام بالطابع الشكلي لعقد الخدمة المنزلية:حددت المادة الثالثة من المشروع الإطار العام المنظم لعقد الخدمة المنزلية حيث نصت على أنه:

"يتم تشغيل العامل المنزلي بمقتضى عقد عمل محدد المدة أو غير محدد المدة، يعده المشغل وفق نموذج يحدد بنص تنظيمي ويوقع هذا العقد من قبل المشغل والعامل المنزلي، شريطة أن يراعي عند التوقيع الشروط المتعلقة بالاهلية المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود"،
وأضافت الفقرة الثانية من المادة الثالثة من نفس المشروع : "يحرر العقد في ثلاثة نظائر يصادق على صحة امضائها من قبل السلطة المختصة، يسلم المشغل نظيرا منها للعامل المنزلي، ويحتفظ بواحد منها، ويودع الثالث لدى مفتشية الشغل المختصة مقابل وصل". 
وقد نصت المادة التاسعة من المشروع على انه يمكن اثبات عقد شغل العامل المنزلي بجميع وسائل الاثبات .
ومن خلال هذه المقتضيات يتضح أن المشروع لا يعتبر الكتابة شرط صحة لاثبات عقد العمل المنزلي، رغم تنصيصه على قاعدة الكتابة. 

3- نظام الشغل وفق عقد الخدمة المنزلية: من مميزات مشروع هذا القانون تنظيمه لعدة مقتضيات تتعلق بعقد الخدمة المنزلية من قبيل التنصيص على كيفية أداء الأجر للعامل المنزلي. واذ سمح المشروع بتسديد أجر لا يتجاوز  "50%من الحد الأدنى للأجر القانوني"،فإنه منع حسم  "أي مبلغ نقدي بخصوص المبيت أو الأكل أو الهدايا أو مسائل عينية استلمها" العامل منه.

في الوقت ذاته أتاح مشروع القانون المتعلق بخدم البيوت امكانية استفادتهم من العطلة السنوية، وقد حددها المشروع ب21 يوما ولا تسري إلا بعد مرور سنة كاملة على الخدمة[5]. وبالنسبة للراحة في أيام الأعياد الدينية فإذا كان المشرع المغربي في مدونة الشغل قد منع كليا على المشغلين تشغيل أجرائهم خلال أيام الأعياد المعروفة والمؤدى عنها، فإنه في المقابل أبقى على هامش للمرونة في مجال الشغل المنزلي، حيث أخضع الأمر لمبدأ الاتفاق الإرادي الحر بين الخادم ومشغله. .

من جهة أخرى، أقر المشروع من خلال مادته الثالثة عشر التزاما على المشغل بتمتيع الخادم المنزلي براحة أسبوعية مدتها 24 ساعة، ترك اختيار يومها لإرادة الطرفين المتعاقدين.

4- اقرار التغطية الاجتماعية لخدم البيوتحسب المادة التاسعة من مشروع هذا القانون[6].
ويعد هذا النص أهم مقتضى حمائي ينتظر إقراره لفائدة خدم المنازل كفئة اجتماعية ظلت طيلة عقود مقصية من دائرة الحماية القانونية لظهير حوادث الشغل.

وفي السياق ذاته، أقرت المادة الثانية عشرة من المشروع ضمانة نوعية للوضع الصحي للخادم المنزلي، حيث نصت على أنه: "يتحمل المشغل نفقات استشفاء الخادم في حالة مرضه". وهذا يعني استقلال مصاريف العلاج والدواء –في حالة المرض العارض-عن العناصر المكونة لأجرة الخادم المتفق عليها.

5- تدعيم دور الآليات المؤسساتية في تفعيل الحماية القانونية لخدم المنازل: كرس مشروع القانون المنظم لعقد الشغل المنزلي دور مؤسسة المساعدة الاجتماعية في مجال التشغيل المنزلي، كإحدى آليات المراقبة والتتبع في هذا الشأن، وهو ما يظهر جليا من خلال المادة السادسة من المشروع[7].

في الوقت ذاته أحالت عدة مقتضيات من مشروع هذا القانون على ادوار تضطلع بها مؤسسة مفتشية الشغل من بينها منح مفتش الشغل صلاحية إجراء محاولة التصالح بين المشغل والعامل المنزلي؛ وعند تعذر ذلك تحرير محضر بذلك، كما له مراقبة مدى تطبيق القانون.

سلبيات مشروع قانون خدم المنازل

من أبرز السلبيات الواردة في المشروع، الآتية:

–                       تكريس ظاهرة تشغيل القصر كخدم لمنازل: بعد نقاش طويل بين الأغلبية والمعارضة حول الحد الأدنى لسن تشغيل خدم المنازل، صوتت لجنة "العدالة وحقوق الإنسان" في مجلس المستشارين لفائدة اقتراح الحكومة برفع سن ولوج العمل المنزلي الى 16 سنة بدلا من 15 الذي كان مقترحا في مشروع القانون. ويبدو أن حجة الحكومة التي أسست لهذا "التوافق السياسوى" انبنت على كون "اتفاقيات منظمة العمل الدولية لا تحظر بوضوح استخدام الأطفال بعد سن 15 سنة". وهذا ما يعارضه بشدة منظمات عدة من المجتمع المدني تلتقي تماماً مع الآراء الاستشارية لمجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والتي وتؤكد على الحد الأدنى المتمثل ب18 سنة بالنظر إلى الظروف التي يتم فيها تشغيل خدم المنازل وصعوبة تنزيل الحماية المكرسة لهم قانونا لا سيما أمام ضعف مردودية مفتشيات الشغل. ولربما، أمكن التخفيف من حدة تشغيل القاصرين في الخدمة المنزلية من خلال التوسع في تعريف الأشغال المنزلية الخطيرة والتي تحدد بنص تنظيمي،

–                عدم تحديد طبيعة ونوعية عقد الشغل الذي يربط العامل المنزلي بالمشغل. فرغم أن المشروع اشترط الكتابة لتوثيق العلاقة التعاقدية بين المشغل والعامل المنزلي كقاعدة، إلا أنه لم يحدد طبيعة ونوعية العقد وما إذا كان محررا عرفيا أم رسميا، أو مطبوعا يملأ من قبل المتعاقدين، كما لم يحدد طبيعة الشروط التي ينبغي أن يتضمنها هذا العقد وانما ترك ذلك لنص تنظيمي، كما انه لم يرتب أي جزاء عن عدم كتابة عقد العمل المنزلي، بل ونجده قد أجاز اثبات وجود علاقة العمل المنزلية بكافة وسائل الاثبات دون أن يقتصر على الكتابة.

–                اكتفاء المشروع بالتنصيص على وجوب ألا يقل أجر عمال المنازل عن خمسين في المائة من الحد الأدنى للأجور المطبق في قطاعات الصناعة والتجارة والمهن الحرة.

–                سكوت المشروع عن تحديد الواجبات أو الالتزامات التي تقع على المشغل، خصوصا تلك المتعلقة بالتصريح بالشغل لفائدة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والحقوق المخولة للأجراء، من قبيل التغطية الصحية والتعويضات عن المناسبات.

–                استعمال عبارات غير دقيقة وفضفاضة؛ من قبيل "أشغال مرتبطة بالبيت" و"أعمال خطيرة"، قد تحد من نطاق الحماية المرتقبة من هذا القانون، مما يفتح المجال أمام المشغل للتمسك ببنود هذه المواد الفضفاضة والتهرب من تطبيق المقتضيات الحمائية لهذا القانون المرتقب،

–                غياب عقوبات زجرية في المخالفات التي يرتكبها المشغل، في حق عامل المنزل، وذلك في حالة رفض منح رخصة التغيب والعطل القانونية، والاكتفاء بغرامات هزيلة في حال استخدام عمال المنازل في أعمال خطيرة أو تخل بالآداب العامة.
 
 
 



[1]  يتعلق الأمر بدراسة للائتلاف الجمعوي من أجل حظر تشغيل الخادمات القاصرات بالمغرب، قدمت خلال شهر ماي 2012.
[2]  انضم المغرب إلى هذه المنظمة منذ سنة 1956 و صادق على مجموعة من الاتفاقيات؛ منها الاتفاقية عدد 182 المتعلقة بحظر أسوأ أشكال عمل الأطفال، والاتفاقية عدد 138 المتعلقة بالحد الأدنى لسن الاستخدام والتي نصت على التزام الدولة على وضع حد أدنى للتشغيل؛ وهو ما نفذ بمقتضى المادة 143 مدونة الشغل الذي حددته في 15 سنة كاملة،
[3]-يلاحظ أن القضاء المغربي وسع من دائرة الإقصاء الاجتماعي لخادمات البيوت بدل أن يشملهن بحمايته حيث توالت اجتهادات المحاكم المغربية التي تؤكد على استبعاد هذه الطائفة من حماية القانون الاجتماعي. أنظر على سبيل المثال :قرار محكمة النقض عدد  355 ، المؤرخ في  26/01/2010، في الملف المدني عدد 1747/1/3/2008،غ.م
[4]– من بين الاجتهادات القضائية الفريدة قرار صادر عن محكمة النقض مؤخرا قضى بتمديد نطاق ظهير6 فبراير 1963 المتعلق بالتعويض عن حوادت الشغل ليشمل أيضا خدم المنازل حيث اعتبر أن الاشتغال في البيوت يعتبر عملا ويستحق عليه أجر، وعجز خادمة البيوت عن العمل يخولها المطالبة عن التعويض عن العجز الجزئي المؤقت عن العمل. ويتعلق الأمر بالقرار عدد 4380 بتاريخ 02/12/2009، في الملف المدني عدد 654/1/5/2008، منشور بمجلة الاجتهاد القضائي، العدد 3، 2013، ص 226.
[5] نصت المادة الثالثة عشرة من هذا المشروع على الآتي: "بعد قضاء سنة من العمل يتمتع الخادم بالعطلة السنوية تنحصر مدتها في 21 يوما، كما يتمتع بالراحة في أيام الأعياد الدينية. ويمكن العمل خلال هذه الأيام باتفاق مع المشغل. ويتمتع الخادم براحة أسبوعية مدتها 24 ساعة كاملة، ويمكن أن تعطى إما يوم الجمعة أو في يوم آخر يتم الاتفاق عليه".
[6] تنص المادة التاسعة من مشروع القانون على: "يخضع خدم البيوت للمقتضيات التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالتعويض عن حوادث الشغل والأمراض المهنية".
[7] تنص المادة السادسة من المشروع على: "إذا كان سن الخادم يتراوح بين 15 و18 سنة، يجب على المساعدة الاجتماعية تفقد أحوال الخادم مرة كل ثلاثة أشهر، ويجب تحرير محضر الزيارة ويتضمن جميع المعلومات المتعلقة بظروف العمل، بما فيها رغبة المعني بالأمر في الاستمرار في العمل أو مغادرته".
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، مقالات ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، حقوق العمال والنقابات ، المغرب



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية