مشروع قانون تصفية المجتمع المدني في مصر


2016-12-22    |   

مشروع قانون تصفية المجتمع المدني في مصر

في الوقت الذي تمر فيه مصر بظروف إقتصادية بالغة الدقة، تحتاج إلى تضافر كافة الجهود الحكومية والأهلية، للتقليل من حدّتها وتأثيرها السيء في الطبقتين الفقيرة والمتوسطة، إذا بالبرلمان المصري يوافق بين عشية وضحاها، وتحديدا في 30 نوفمبر 2016، ودون نقاش مجتمعي، على مشروع القانون السري، الذي تقدّم به ائتلاف دعم مصر، صاحب الأكثرية المؤيدة للحكومة في البرلمان، لتنظيم عمل الجمعيات الأهلية، ليحل محل القانون الحالي رقم 84 لسنة 2002. هذا القانون الجديد وافق عليه البرلمان المصري دون انتظار لمشروع القانون الذي أعدته الحكومة بعد التشاور مع الجهات المعنية بالقانون. وأرسل البرلمان مشروع القانون بعد الموافقة المبدئية عليه إلى قسم الفتوى والتشريع بمجلس الدولة، الذي أعاده إلى البرلمان بعد أسبوع واحد خلافاً لما جرى عليه العمل من بقاء المشروعات غير المرغوب فيها لدى المجلس مددا أطول. وقد أبدى مجلس الدولة بعض الملاحظات على مشروع القانون، وهى ملاحظات لم تتناول أخطر النصوص فيه، أي تلك التي تصل إلى درجة مصادرة الحق في تكوين الجمعيات الأهلية بالمخالفة لنصوص الدستور. وجرى التصويت على مشروع القانون بليل في البرلمان وحاز على الأغلبية المطلوبة، ولا يبقى لصيرورته قانوناً نافذاً ملزماً سوى إرساله إلى رئيس الدولة لإصداره، وبعد الإصدار، ينشر في الجريدة الرسمية، ليتم بعد ذلك تأميم أو تصفية المجتمع المدني المستقل.

ونتناول فيما يلي ظروف الموافقة على مشروع القانون ومضمونه، قبل تقييمه وبيان المصير الذي يمكن أن يؤول إليه.

أولاً: ملابسات الموافقة البرلمانية على مشروع القانون:
بعد مناقشات حقيقية مع الخبراء المتخصصين وعديد من الجمعيات الأهلية، تمت صياغة مشروع قانون حكومي لتنظيم عمل الجمعيات الأهلية، قدمته وزارة التضامن الاجتماعي إلى مجلس الوزراء الذي وافق عليه في الأول من نوفمبر 2016، تمهيداً لإرساله إلى البرلمان لمناقشته والتصويت عليه. وقبل أن يرسل مجلس الوزراء مشروعه إلى البرلمان بأيام قليلة، نشرت الصحف خبراً عن شروع البرلمان في مناقشة مشروع قانون لتنظيم عمل الجمعيات الأهلية تقدم به 204 نائب من أعضاء ائتلاف دعم مصر، وجرت مناقشته والتصويت عليه بسرعة تماثل السرعة التي اعتمدها مجلس النواب عند الموافقة على القرارات بقوانين التي أصدرها رئيس الجمهورية في غيبته وعرضت على البرلمان لإقرارها في الأيام الأولى لانعقاده.

وكان البعض يعول على مجلس النواب لرفض ذلك القانون المشبوه، انتظاراً لمشروع القانون الذي وافق عليه مجلس الوزراء، بعد مشاورات ودراسات جادة مع الخبراء والمعنيين بهذا القانون. إلا أن إقرار البرلمان لمشروع القانون لا يعني إصداره، لأن حق إصدار القوانين أو الاعتراض عليها ثابت لرئيس الجمهورية طبقاً لنصّ المادة 123 من الدستور. وطبقاً لهذا النصّ، لرئيس الجمهورية أن يردّ إلى مجلس النواب مشاريع القوانين التي يقرها خلال ثلاثين يوماً من إبلاغه إياها. وفي هذه الحالة، بإمكان مجلس النواب التمسك بمشروع القانون، على أن يحصل ذلك بأغلبية ثلثي أعضائه، فيصبح إذ ذاك قانوناً نافذاً.

ثانياً: مضمون التنظيم الذي جاء به مشروع القانون:
على الرغم من الانتقادات التي وجهها نشطاء حقوق الإنسان إلى مشروع القانون الحكومي الذي أعدته في سنة 2013 لجنة من الخبراء شكلها وزير التضامن السابق الدكتور أحمد البرعي، إلا أن هؤلاء النشطاء يعتبرون مشروع قانون الجمعيات الأهلية الذي أعدته الحكومة مشروعاً "تقدمياً" بالنسبة للمشروع الذي وافق عليه البرلمان نهاية شهر نوفمبر 2016، لأن المشروع الذي أقره البرلمان لم ينظم عمل الجمعيات الأهلية، لكنه تحت ستار التنظيم حاول ابتداع نصوص غايتها تصفية عمل هذه الجمعيات، لاسيما تلك العاملة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ومراقبة الانتخابات . ويبدو ذلك جلياً من الشواهد التالية:

1- كان مشروع القانون الذي أقره البرلمان وأحاله إلى مجلس الدولة لمراجعته يتضمن نصاً يقضي بخضوع مجالس إدارة الجمعيات الأهلية لقانون الكسب غير المشروع. ولم يوافق مجلس الدولة على النص، الذي يؤسس للتدخل الأمني في خصوصيات المواطنين. وقد استبدل خضوع الجمعيات للجهاز المركزي للمحاسبات بخضوعها لقانون الكسب غير المشروع.

2- يجرم مشروع القانون إجراء بحوث ميدانية واستطلاعات رأي أو نشرها أو نشر نتائجها، دون الحصول على موافقات الجهات المعنية قبل إجرائها( م.87). ويعني هذا أن من صاغوا نصوص هذا المشروع لا علم لهم بأوليات العمل التنموي الذي يتطلب إجراء الدراسات والبحوث الميدانية واستطلاع رأي المواطنين لتحديد احتياجاتهم وجودة الخدمات المقدمة لهم في المنطقة الجغرافية التي تمارس الجمعية نشاطها فيها، ولذلك تمثل هذه الآليات أدوات المنهج العلمي الذي ينبغي أن تعمل وفقاً له الجمعيات الأهلية للتعرف على أولويات العمل التنموي تخطيطاً وتنفيذاً.

3- تنص المادة 21 من مشروع القانون على أنه لا يجوز للجمعية فتح مقرات أو مكاتب تابعة لها في أي من محافظات الجمهورية إلا بعد موافقة كتابية مسبقة من الوزير المختص أو من يفوضه. ويخشى نشطاء المجتمع المدني من تحكم الأجهزة الأمنية في منح أو منع هذه الموافقات.

4- تتطلب المادة 23 إخطار الجهة الإدارية قبل تلقي الجمعية أو جمعها تبرعات من داخل مصر، ويكون الإخطار قبل القيام بذلك بثلاثين يوم عمل على الأقل، ويلزم انتظار صدور الموافقة على ذلك النشاط من الجهة المختصة. وتلتزم الجهة الإدارية بإخطار "الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية" بذلك، ولا يجوز الصرف من تلك الأموال قبل صدور الموافقة اللازمة.

5- طبقاً للمادة الثالثة عشرة من القانون يجب على الجمعيات التي ترغب في العمل داخل المناطق الحدودية الحصول على موافقة المحافظ قبل ممارسة نشاطها، إضافة إلى الموافقات والتصريحات الأخرى. ويصدر بتحديد هذه المناطق قرار رئيس مجلس الوزراء بعد أخذ رأي المحافظ المختص. وهذا النص لم يحدد المناطق الحدودية، وترك تحديدها لقرار رئيس مجلس الوزراء، الذي قد يتوسع فيها لتشمل محافظات بأكملها، مثل محافظة مطروح أو محافظات سيناء شمالاً وجنوباً وبورسعيد والسويس وأسوان وغيرها.

6- حظر المشروع على الجمعيات ممارسة أي نشاط يدخل في نطاق عمل الأحزاب السياسية أو النقابات المهنية أو العمالية أو يكون ذا طابع سياسي. ويشمل ذلك أغلب الجمعيات العاملة في مجالات حقوق الإنسان ومراقبة الانتخابات والاستفتاءات الشعبية وغيرها من المجالات التنموية والتوعوية (م 13 فقرة أخيرة).

7- ألزمت المادة 14 من المشروع الجمعيات بأن تعمل "وفقاً لخطة الدولة واحتياجاتها التنموية". ويحظر عليها إجراء استطلاعات رأي أو نشر أو إتاحة نتائجها أو إجراء الأبحاث الميدانية أو عرض نتائجها قبل عرضها على الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية "للتأكد من سلامتها وحيادها".

8- لا يجوز للجمعية قبول أموال نقدية تزيد قيمتها على عشرة ألاف جنيه مصري إلا بموجب شيك بنكي. وتلتزم الجمعية بإخطار الجهة الإدارية والجهاز القومي حتى تتمكن من إنفاق هذا المبلغ. ويعني ذلك أن أي شخص يرغب في التبرع للجمعية عليه أولاً أن يفتح حساباً وينتظر إصدار دفتر الشيكات الخاص به حتى يستطيع التبرع من زكاته أو صدقاته. ولا تستطيع الجمعية الإنفاق من هذا المبلغ قبل موافقة الجهة الإدارية والجهاز القومي.

9- لايجوز للجمعية الإنتساب أو الإنضمام أو المشاركة في ممارسة نشاط أهلي مع شبكة من الجمعيات أو المنظمات غير الحكومية الدولية أو الإقليمية أو المحلية إلا بعد الحصول على ترخيص من الجهة الإدارية وموافقة الجهاز القومي. وهذا القيد يمثل عقبة حقيقية أمام نشاط التشبيك بين الجمعيات والمنظمات التي تمارس أنشطة متماثلة أو متقاربة، ويحد من قدرتها على الاستفادة من خبرات وإمكانات المنظمات الدولية والإقليمية. فترخيص الجهة الإدارية لن يصدر إلا بعد موافقة الجهاز القومي الذي يغلب على تكوينه الطابع الأمني، غير المحبذ عادة للتعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية، المتهمة دوماً بعدم الموضوعية والتآمر ضد مصر. كما يحظر على الجمعيات إبرام أي اتفاق بأي صيغة كانت مع جهة أجنبية داخل أو خارج البلاد أو تعديله قبل موافقة الجهاز القومي عليه (م 14 ج).

10- استحدث مشروع القانون الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية، الذي يصدر بتشكيله قرار من رئيس الجمهورية، برئاسة رئيس متفرغ وعضوية ممثلين عن وزارات الخارجية والدفاع والعدل والداخلية والتعاون الدولي والوزارة المختصة والمخابرات العامة والبنك المركزي ووحدة غسيل الأموال وهيئة الرقابة الإدارية. ويختص هذا الجهاز، الذي لا يقل فى تشكيله أهمية عن تشكيل مجلس الأمن القومي، بالموافقة على عمل المنظمات الأجنبية والتصريح لها بالحصول على أموال أو تمويلات من الخارج، والتأكد من إنفاق أموال الجمعيات للأغراض المخصصة لها، وتلقي إخطارات التمويل الأجنبي. ويعول مقدمو هذا المشروع على هذا الجهاز لشل كل نشاط للجمعيات الأهلية الأجنبية والعربية العاملة في مصر وعددها 77 منظمة. ففي ظل البيروقراطية التي تسود في الجهاز الإداري للدولة، يتعين على هذه المنظمات إخطار الجهاز بكل بياناتها وأنشطتها ومصادر تمويلها وبرامجها وبروتوكولات ومذكرات التعاون بينها وبين أي جهة في مصر وعلى النموذج المعد لذلك.

11- حظرت المادة 66 من مشروع القانون على الجمعيات أو الكيانات الخاضعة لأحكامه الإستعانة بالخبراء أو العاملين الأجانب المؤقتين أو الدائمين أو المتطوعين إلا بعد الحصول على ترخيص مسبق من الجهاز. ويشمل هذا القيد الجمعيات والمنظمات المصرية والأجنبية، متى كانت خاضعة لأحكام القانون، وأيا كان إسمها أو شكلها أو طبيعة نشاطها.

12- اشترطت المادة 24 موافقة الجهاز القومي على التمويلات، سواء كانت فى شكل أموال أو منح أو هبات من أشخاص طبيعية أو اعتبارية مصريين أو أجانب من داخل أو خارج البلاد. ويكون أمام الجهاز مهلة ستين يوم عمل للرد على طلب التمويل وتلتزم الجمعية بعدم صرف الأموال الممنوحة خلال هذه المهلة. فإذا لم يرد الجهاز خلالها، كان عدم رده بمثابة عدم موافقة على التمويل. وكان المشروع المعد من الحكومة يعتبر أن عدم الرد خلال مهلة الستين يوماً بمثابة موافقة على طلب التمويل، وهو ما يعني أن ممثلي الشعب كانوا أكثر حكومية من الحكومة ذاتها.

13- فرض مشروع القانون على كل منظمة أجنبية أو عربية ترغب في فتح مكتب أو فرع لها في مصر أن تسدد، عند طلب التصريح وطلب تجديده أو تعديله، رسما لايجاوز 300 ألف جنيه مصري أو مايعادله بالدولار الأمريكي يتم سداده بالعملة التى تحددها الجهة الإدارية، تودع في صندوق دعم الجمعيات الأهلية الذي نص عليه القانون.

14- لم يفلت حتى العمل التطوعي من القيود التي فرضها مشروع القانون. فقد ألزم المنظمات التطوعية بسداد مبلغ عشرة آلاف جنيه مصري للحصول على ترخيص ممارسة نشاطها، بما في ذلك جمعيات دفن الموتى التي تعتمد في نشاطها على تبرعات أهل الخير ولا تتلقى أي دعم من الدولة.

15- أخطر ما جاء به مشروع القانون الذي أقره البرلمان هو الآثار المترتبة على عدم التقيد بما ورد فيه من قيود ومحظورات. هذه الآثار تتمثل في الجزاءات الإدارية والجنائية:

أ- الجزاءات الإدارية، توقع من المحكمة المختصة بناء على طلب الجهة الإدارية، وتتمثل في حل الجمعية في حالات عديدة (11 حالة) منها: ممارسة أنشطة لم ترد في النظام الأساسي للجمعية أو المنظمة، الإنتقال إلى مقر جديد دون إخطار الجهة الإدارية، عدم القيام ببرامج "جدية" لمدة عام، ومعيار الجدية تحدده الجهة الإدارية المختصة تحت رقابة المحكمة.

ب- الجزاءات الجنائية، جاء مشروع القانون بدرجة من القمع لم يتضمنها مشروع الحكومة، على الرغم من التصريحات الصادرة من رئيس لجنة التضامن الإجتماعي بمجلس النواب بأن القانون لا يتضمن عقوبات سالبة للحرية، إلا أن الحقيقة غير ذلك. فقد كان مشروع الحكومة ينصّ على الغرامات لمخالفة أحكام القانون المعدّ بمعرفتها، لكن مشروع قانون مجلس نواب الشعب توسع فى الحبس بالإضافة إلى الغرامة.

فتنص المادة 87 من المشروع الذي أقره البرلمان على عقوبة الحبس من سنة إلى خمس سنوات والغرامة من خمسين ألف إلى مليون جنيه لجرائم معاونة أو مشاركة منظمة أجنبية في ممارسة نشاط أهلي في مصر دون الحصول على تصريح أو إجراء أو المشاركة في إجراء بحوث ميدانية أو استطلاعات رأي في مجال العمل الأهلي دون الحصول على موافقة مسبقة. كما يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وغرامة من 20 ألف جنيه إلى 500 ألف جنيه من ارتكب جرائم أخرى مثل نقل مقر الجمعية إلى مقر جديد دون إخطار الجهة الإدارية المختصة (م 88 من المشروع). ويخشى أن تطال هذه العقوبات من يقوم بإلقاء محاضرة أو كتابة مقال أو إجراء دراسة علمية لإحدى المنظمات الأجنبية التي تمارس نشاطها في مصر أو فى الخارج ، إذا لم يتأكد بنفسه من حصولها على الترخيص والموافقات اللازمة لممارسة النشاط الأهلي الذي تقوم به داخل مصر، أو إذا لم يحصل هو على ترخيص مسبق أو موافقة من الجهات المختصة قبل إلقاء المحاضرة أو كتابة المقال أو الاشتراك في الدراسة أو البحث العلمي. ويعني هذا عزوف الباحثين والأكاديميين عن التعاون مع الجمعيات أو المنظمات الأهلية الأجنبية أو فروعها في داخل مصر أو خارجها خشية الوقوع تحت طائلة التجريم، وهو بالقطع أحد الأهداف التي يسعى إليها واضعو هذا القانون.

ثالثاً: الآفاق المستقبلية في ظل مشروع القانون:
بعد موافقة مجلس النواب المصري على مشروع قانون الجمعيات الأهلية، أعلن رئيسه "أن هذه رسالة لكل العالم بأن مصر دولة مستقلة ذات سيادة وهذا المجلس متّحد على قلب واحد". وأعلن بيان إئتلاف دعم مصر أن مشروع قانون الجمعيات الأهلية الذي قدمه الإئتلاف هدفه في المقام الأول تنظيم وتسهيل عمل الجمعيات، وليس كما فهم خطأ التضييق أو وضع العراقيل على مثل هذه الجمعيات والمؤسسات!

والحقيقة أن هذه التصريحات لا قيمة لها أمام ما تنبىء عنه نصوص مشروع القانون، الذي يهدف أولاً وأخيراً إلى التضييق على مؤسسات المجتمع المدني، وصولاً إلى تصفيتها وغلق باب العمل الأهلي الحقوقي في مصر.

لا يجادل أحد في أهمية وجود رقابة على أنشطة المنظمات الأهلية المصرية والأجنبية التي تعمل داخل مصر، لتحقيق التوازن المطلوب بين اعتبارات الأمن القومي، التي نقدر جميعاً ضرورة احترامها ومراعاة مقتضياتها في كافة الأنشطة، وإتاحة مساحة كافية من الحريات للمنظمات والجمعيات الأهلية التي تكمل عمل الدولة وتحمل عنها أعباء كثيرة في مجالات الصحة والرعاية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية والثقافية، بما تملكه من إمكانات بشرية مؤهلة وقدرات على جلب التمويل اللازم لأداء رسالتها.

لقد كفل الدستور المصري في مادته 75 للمواطنين حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية على أساس ديمقراطي، ومنحها الشخصية الاعتبارية بمجرد الإخطار. ونص على حقها في أن تمارس نشاطها بحرية، وحظر على الجهات الإدارية التدخل في شؤونها أو حلها أو حل مجالس إدارتها أو مجالس أمنائها إلا بحكم قضائي.

ولا يعني تنظيم القانون لعمل هذه الجمعيات تكبيلها بالقيود والاشتراطات والالتزامات التي تعوق مسيرتها وتجعل وجودها مجرد شكل من دون مضمون. فالمادة 92 من الدستور تنص صراحة على أنه "لا يجوز لأي قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها أو جوهرها". وقد استقرت المحكمة الدستورية العليا قبل هذا النص على أنه لا يجوز للقانون تحت ستار تنظيم الحق أن يفرغه من مضمونه أو يقيده بقيود تمس أصل الحق وجوهره، فالتنظيم التشريعي للحق لا ينبغي أن يصادر أصل الحق أو يضيق مجاله أو يجور على مضمونه.

 وفي خصوص حق تكوين الجمعيات الأهلية قررت المحكمة الدستورية العليا أن "حق المواطنين في تأليف الجمعيات الأهلية، وما يستصحبه لزوماً مما سلف بيانه من حقوقهم وحرياتهم العامة الأخرى، هي جميعاً أصول دستورية ثابتة يباشرها الفرد متآلفة فيما بينها، ومتداخلة مع بعضها البعض، تتساند معاً، ويعضد كل منها الآخر في نسيج متكامل يحتل من الوثائق الدستورية مكاناً سامياً". وبصفة عامة قضت المحكمة "بأن السلطة التي يملكها المشرع في موضوع تنظيم الحقوق، حدها قواعد الدستور باعتبارها قيد عليها، فلا يجوز تخطيها (القضية رقم 24 لسنة 15 ق – جلسة 7 مارس 1998).

وبالإضافة إلى أن حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية حق دستوري، لا يجوز للمشرع إفراغه من مضمونه تحت ستار تنظيمه، فإن هذا الحق تقرره في وضوح كافة المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها مصر، وصار لها، طبقاً لنص المادة 93 من الدستور، بعد نشرها، قوة القانون، الذي لا يجوز لسلطة من سلطات الدولة أن تخالفه أو تصدر قوانين داخلية لاحقة عليه تتعارض معه.

إن مشروع قانون الجمعيات الأهلية الذي أقره البرلمان نهائياً في نهاية شهر نوفمبر الماضي جعل حق الأفراد في تكوين الجمعيات رهناً بمشيئة السلطات الإدارية والأمنية التي لا ترغب في وجود الجمعيات، خصوصاً تلك التي تنخرط في العمل الحقوقي، وهدفه هو تصفية هذه الجمعيات الواحدة تلو الأخرى. يشير إلى هذا التوجه ما دأبت عليه السلطات الأمنية من القبض على نشطاء حقوق الإنسان، والتحفظ على أموالهم ومنعهم من التصرف فيها، ومنع من بقي منهم في مصر من مغادرة البلاد، وإغلاق مقرات بعض الجمعيات والمنظمات الأهلية المصرية والأجنبية العاملة في مختلف مجالات حقوق الإنسان والمناهضة لانتهاكات هذه الحقوق، واتهام المتعاونين معها بالفساد والتربح والإثراء على حساب المصلحة الوطنية ومحاولة هدم الوطن … الخ.

بعد إقرار مجلس نواب الشعب لمشروع قانون الجمعيات الأهلية، لم تجد الجمعيات الحقوقية من سبيل لمواجهة هذا القانون سوى مناشدة رئيس الجمهورية لعدم إصدار القانون عند إرساله إليه من البرلمان، استعمالاً لسلطته الدستورية في الإعتراض على القوانين وردها إلى البرلمان، وهي السلطة المقررة للرئيس بمقتضى المادة 123 من الدستور السابق ذكرها.

وفي أثناء انعقاد المؤتمر الدوري الشهري الأول للشباب في الأسبوع الثاني من شهر ديسمبر، أثارت إحدى المشاركات موضوع قانون الجمعيات الأهلية الذي يخنق العمل الأهلي ويضعه في محنة شديدة ويخالف الدستور المصري والتزامات مصر الدولية. وبعد انتهاء جلسة المؤتمر، دارت مناقشة سريعة بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب، ربما تضمنت توجيهاً من الرئيس لرئيس مجلس النواب لإعادة النظر في القانون قبل إرساله إليه. لكن تصريحات رئيس لجنة التضامن بمجلس النواب الذي تقدم بمشروع القانون بأن "المجلس لن يتراجع عن قانون الجمعيات الأهلية تحت أي ضغوط" لا تبشر بانفراجة وشيكة أو أمل قريب في مراجعة البرلمان لموقفه من هذا القانون.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية