مشروع قانون العدالة الانتقالية الليبي: أي واقعية في ظل ضعف القضاء؟ أي مساواة؟


2013-10-31    |   

مشروع قانون العدالة الانتقالية الليبي: أي واقعية في ظل ضعف القضاء؟ أي مساواة؟

حتى يصل قانون العدالة الانتقالية إلى الغاية المنشودة منه وهي المصالحة الوطنية يجب أولاً التركيز على آليات تنفيذه ومعرفة مقدرة هذه الآليات على تنفيذه. فسبب فشل أي تشريع هو فقدانه للواقعية من ناحية عدم وضع آليات قادرة على تنفيذه.

وبالاطلاع على مشروع العدالة الانتقالية نجد أنه أرتكز على آلية واحدة لتطبيقه وهو القضاء الوطني. فإذا صدر هذا القانون في ظل هذا الواقع من ضعف أمكانيات المؤسسة القضائية، والقيود الشديدة المحاط بها القضاء أصلا، وعدم استقلال القضاء والمشكل الأمني في البلاد لن تستطيع المؤسسة القضائية الوصول بهذا القانون الي مبتغاه بل سوف ينعكس سلباً على المؤسسة القضائية ويؤدي الى تآكل الثقة في القضاء الوطني واللجوء الى منظمات الانتصاف الدولية كبديل عن عجز القضاء الوطني في محاسبة منتهكي حقوق الإنسان، وإقرار العدالة وحكم القانون.

وفي تطبيقات للعدالة الانتقالية في الدول التي انتهجته، نرى أنه لها عدة أوجه وبالتالي لا يوجد منهج واحد يناسب كافة أوجه العدالة الانتقالية. ويكون الأنسب وجود عدة آليات ومنهجيات مختلفة. فعوضاً عن المحاكمات الشاملة، تسعى العدالة الانتقالية إلى تطبيق نطاق أوسع من الآليات يكمل بعضها، منها محاكمة من كان مسؤولاً عن الجرائم وتقّصي الحقائق وآليات المساءلة التي لا تقوم على القضاء (بل تعتمد آليات مدنية وأهلية) والتعويضات والمشاورات الوطنية وتخليد الذكرى وتعليم التاريخ والإجراءات التأهيلية التي من ضمنها الدعم النفسي والاجتماعي كما يجب أيضاً تهيئة العملية لتتناسب مع السياق الليبي.

كما أن مشروع العدالة الانتقالية المطروح على المؤتمر الوطني العام بصيغته النهائية بعد ان كثرت التعديلات والاضافات يخل بالكثير من المبادئ والحقوق الأساسية أهمها:

1- مبدأ المساواة ….حيث فرق القانون بين الانتهاكات من حيث الوقت والأشخاص سواء ضحايا أو فاعلين، ويتمثل ذلك في ما نصت عليه المادة الأولى من هذا القانون وقصرها على ما تعرض له الليبيون خلال النظام السابق من انتهاكات جسيمة فقط دون الانتهاكات التي حصلت بعد النظام السابق وما قام به بعض الافراد والجماعات خارج مظلة القانون بعد هذا التاريخ ولاشك أن ذلك ينتهك بشكل واضح روح الإعلان الدستوري ومبادئ الشرعية الدولية للحقوق،

2- أن هذا المشروع يعزز فكرة القضاء الاستثنائي ويحول بين الأفراد وقاضيهم الطبيعي … ويتمثل ذلك في ما نصت عليه المادة 28من المشروع وذلك بان نصت على أنشاء نيابة العدالة الانتقالية والتي تعني بتنفيذ هذا القانون وهذا يتنافى مع أهداف القانون والتي نصت عليها المادة الرابعة من هذا القانون .

3- يخل هذا المشروع بمبدأ استقلال القضاء ويأتي ذلك في باب فحص المؤسسات حيث ورد في المادة 12 منه على (…مع مراعاة قانون نظام القضاء يتم فحص المؤسسات والهيئات العامة وكافة أجهزة الدولة ..) ومعني المراعاة يفيد بتدخل هيئة فحص المؤسسات في عمل الهيئات القضائية وهذا يتعارض مع الضمانات المقررة لها بموجب الاعلان الدستوري، والتي تمنع أي تدخل في عملها، حتي تضمن للعاملين بها الحيدة والنزاهة في الأداء، وتغرس الثقة في نفس المواطن بحسبان أنها الجهة التي تحمي قوانين الدولة من أي انتهاك، وترعى حقوق المواطنين، ولذا أجمعت كافة القوانين الأساسية السائدة في عالم اليوم (مواثيق ودساتير وقوانين) على اعتبار السلطة القضائية (هيئات المحاكم والنيابات) هيئات قضائية لا تخضع في عملها سوى للقانون والضمير، وبالتالي يحظر على كافة الجهات الأخرى التشريعية منها والتنفيذية التدخل في عملها ضماناً لمبدأ حياد القاضي الذي يجسد استقلال القضاء.

4- اقتصر المشروع على انتهاكات حقوق الإنسان في المجتمع الليبي من قبل النظام السابق فقط. وهو الأمر الذي يعني أن إي انتهاك عام وقع من غير النظام السابق حتى ولو كان خلال حكمه لا يخضع للعدالة الانتقالية. وبهذا المعني لا يمكن أن تتحقق أي مصالحة وطنية حقيقية تؤسس للاستقرار والتنمية مع إظهار نصف الحقيقة وطمس النصف الأخر. وأخيراً نقول أنه للوصول الي المصالحة الوطنية عبر بوابة العدالة الانتقالية يجب على الدولة مواجهة تركتين. الأولى هي التاريخ الطويل من الانتهاكات الذي ترجع جذوره إلى سبتمبر1969، والثانية هي الانتهاكات التي ارتكبت أثناء فترة الثورة، وأي فصل أو تمييز بين هذه المواجهتين لا يؤدي إلى إشباع الشعور بالعدالة للكافة دون تفاضل.

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، ليبيا



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية