مشروع قانون الحكومة المصرية للأحوال الشخصية.. تَراجُع أم تَوافُق مع الأزهر؟


2021-06-09    |   

مشروع قانون الحكومة المصرية للأحوال الشخصية.. تَراجُع أم تَوافُق مع الأزهر؟
رسم رائد شرف

في 20 يناير 2021، وافق مجلس الوزراء المصري بشكل نهائي على مشروع قانون بإصدار قانون الأحوال الشخصية المقدم من الحكومة. وفي 15 فبراير 2021، أرسل الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري مشروع قانون الأحوال الشخصية إلى المستشار حنفي الجبالي رئيس البرلمان الذي أحاله إلى اللجان المختصّة لدراسته (لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، والتضامن ولجنة الشؤون الدينية والأوقاف). ويتكوّن القانون من 194 مادّة تُعنى بتنظيم أحكام الزواج وانتهائه، وينقسم إلى 7 أبواب تشمل الخطبة وعقد الزواج، وآثار الزواج وأحكامه، وانتهاء عقد الزواج والطلاق، والتطليق والفسخ والتفريق، والخلع، والمفقود، والنسب، والنفقة، والحضانة، وصندوق دعم ورعاية الأسرة المصرية الجديد.

مشروع قانون بلا نقاش مجتمعي

يحقّ للحكومة، وفقاً للمادّة 122 من الدستور المصري، تقديم مشاريع قوانين إلى البرلمان لمناقشتها وتعديلها والتصويت على صدورها أو رفضها. ولكن، هذا لا يعني أنّ تلك القوانين المقترَحة هي سرّ خاصّ بالحكومة لا يجوز الكشف عنه إلّا لمؤسّسات الدولة المختصّة. تقول “منة وحيد، رئيسة حملة تمرّد سيّدات مصر ضدّ قانون الأسرة المصرية، إنّه “عندما علمنا أنّ هناك قانوناً جديداً للأحوال الشخصية تقدّمت به وزارة العدل إلى مجلس الوزراء ذهبنا إلى المجلس وتمّ تقديم اعتراضات على القانون، وتمّ إبلاغنا بأنّه سيتمّ استدعاؤنا للنقاش، بعدها علمنا أنّ المجلس قام بعمل لجنة للبتّ في مشروع القانون، وبدأوا بطرح أجزاء من القانون لجسّ النبض وردود الفعل”. وأضافت “بدأنا نعلم بعض البنود من القانون والتي وجدنا أنها لم تحسن الوضع ولم تلبّ مطالب الآباء والأُسر، بل إنّ التعديل زاد الأمور سوءاً، وذهب القانون إلى المجلس الحالي ومن المُنتظَر طرحه للنقاش خلال الفترة القادمة، ولا نعرف عن القانون سوى الأجزاء المسموح بتداولها”.

وفي 4 مارس 2012، أصدرت أكثر من 300 منظّمة نسوية وشخصية عامّة وحقوقية بياناً أعربت فيه عن رفض مُقترَح قانون الأحوال الشخصية المُقدَّم من الحكومة. وقد أشار البيان إلى سياسة الحكومة في رفض إجراء حوار مجتمعي قبل إعداد مقترحات قوانينها حيث وصف البيان القانون بأنّه “قد تمّ إعداده في الظلام، من خلف ظهر المجتمع المدني وخاصّة المنظّمات النسوية والحقوقية. وهي سياسة مُتعمَّدة اتَّبعتها كلّ الحكومات والمجالس النيابية في السنوات السبع الأخيرة، إزاء كلّ مشاريع القوانين الحيوية ذات الصلة بتطوّر المجتمع المصري”.

أبرز تعديلات مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد:

إعادة ترتيب حضانة الأب وحقّ الاستضافة

اهتمّ القانون بإعادة ترتيب حقّ الأب في حضانة أبنائه القُصَّر. فقد نصّت المادّة 89 منه على أنّه يثبت حقّ الحضانة وفقاً للترتيب التالي: الأمّ، أمّ الأمّ، أمّ الأب، الأب، مُقدِّماً الأب في ترتيب الحضانة من المرتبة السادسة عشرة إلى المرتبة الرابعة مرّة واحدة. وعلّلت المذكّرة الإيضاحية، التي استطعنا الحصول عليها، هذا التقديم بأنّه محاولة لتلافي “المشكلات التي أصابت العديد من الصغار بالضرر النفسي والاجتماعي في الواقع من عدم معرفتهم بالأب وأهله”. ويمكن ملاحظة أن مقترح القانون تناول مسألة إعادة ترتيب حضانة الآباء لا من حيث تحقيق مصلحة الطفل الفضلى بل من حيث الاقتناع بالصورة النمطية التي يكرّرها الكثير من الرجال حول أنّ تأخّر الرجل في ترتيب الحضانة يعني عدم معرفة الأبناء لهم، متجاوزين بذلك العديد من النقاط المهمّة التي تؤثّر على علاقة الآباء بالحاضنات، مثل التزام الآباء بدفع نفقة أولادهم ومصاريف تعليمهم وعلاجهم، وتَعمُّد بعض الرجال تغيير مدارس الأبناء وإرسالهم إلى مدارس أقلّ الجودة نكاية في الحاضنات.

ويُلاحَظ أنّ هذا التعديل لم يُبنَ على ملخصّات اجتماعات مع مجموعات بؤرية من الآباء أو الحاضنات، أو ندوات تضمّنت منظّمات المجتمع المدني والروابط النسوية، أو بعض المتخصّصين في تربية وتعليم الأطفال ومراعاة صحّتهم النفسية. بل بُنيَ على أساس توافقه مع “ما انتهت إليه قرارات وتوصيات مجلس مجمع البحوث الإسلامية بموافقته على ما ورد بمذكّرة لجنة البحوث الفقهية، بجلسته الثانية في الدورة رقم “44” في السابع والعشرين من سبتمبر عام 2007″ وفقاً لما ورد بالمذكّرة الإيضاحية. ما يعني أنّ هذا التعديل كان ترديداً لاقتراح مجمع البحوث الإسلامية المُقدَّم منذ 14 عاماً لمراعاة الجانب الفقهي والديني، وليس وليد جهود بحثية وقانونية واجتماعية حالية تستهدف مصلحة الطفل.

وأقرّ مقترح القانون في المادّة 91 حقّ الاستضافة ونصّ على أنّه “يثبت الحقّ في الرؤية والاستضافة لغير الحاضن من الأبوين والأجداد والجدّات مجتمعين في وقت واحد”، وقرّر أنّ مدّة الاستضافة “لا تقلّ عن ثماني ساعات ولا تزيد على اثنتي عشرة ساعة في الأسبوع، ويجوز مبيت الطفل لمدّة يومين كلّ شهر ولمدّة أسبوع متّصل مرّة واحدة في العام”.

وقد أتاحت هذه المادّة حقّ الأجداد في الرؤية لأوّل مرّة في حالة وجود الأبوين مخالِفةً بذلك نصّ المادّة 20 من القانون الحالي[1] التي تنصّ على أنّه “لكلٍّ من الأبوين الحقّ فى رؤية الصغير أو الصغيرة والأجداد مثل ذلك عند عدم وجود الأبوين”. وقد برّرت المذكّرة الإيضاحية لمقترح القانون هذا التعديل بأنّه جاء متوافقاً “مع توصيات مجمع البحوث الإسلامية بجلسته الثانية بالدور رقم 44 عام 2007”. ولا شكّ في أنّ هذا المقترح الإنساني يتوافق مع مصلحة الأبناء ويلبّي احتياج الأجداد والجدّات في التواصل مع أحفادهم ويؤكّد أهمّيّة التواصل بينهم وبين جميع أفراد الأسرة، حتّى إنّ التجربة العملية أثبتت أنّ كثيراً من الأجداد والجدّات يتولَّون رعاية وتربية الأبناء بخاصّة في ظلّ عمل كلٍّ من الحاضنة أو الأب.

كما يتوافق هذا التعديل مع حكم المحكمة الدستورية العليا في عام 2013 الذي قرّر عدم دستورية نصّ المادّة 20 السابق ذكرها وقضت فيه “بأن يجوز لكلٍّ من الأجداد والجدّات رؤية أحفادهم حتّى في ظلّ وجود الأبوين[2].

جريمة خطف الأطفال

رغم عدم إمكانية الاعتراض على أهمّيّة حقّ الآباء في استضافة أبنائهم والضرورة العملية لذلك في التواصل بين الآباء والأبناء، لم يتطرّق مشروع القانون إلى أهمّ مشكلة تؤرّق مضاجع الحاضنات من فكرة الاستضافة التي اقترحها القانون وهي جريمة خطف الآباء للأطفال المحضونين وما يترتّب عليها من مآسٍ للأمّهات الحاضنات ولم يضع حلولاً لتلافيها، مثل تغليظ عقوبة خطف الأطفال المحضونين. فالمادّة رقم 289 من قانون العقوبات تنصّ على أنّه “كلّ من خطف من غير تَحَيُّل ولا إكراه طفلاً، يُعاقَب بالسجن المشدَّد مدّة لا تقلّ عن عشر سنوات‎…” ولكنّ القانون لا يتعامل بنفس القدر من الجدّية مع جريمة خطف الآباء للأطفال المحضونين، حيث لا يوجد في القانون المصري اعتراف بجريمة “خطف الأب لابنه المحضون”. وعوضاً عن ذلك تتحدّث المادّة رقم 292 من قانون العقوبات عن جريمة “عدم تسليم الصغير”[3]، الأمر الذي يعني عدم اعتراف المشرِّع بأنّ تلك الجرائم تدخل في إطار جرائم الخطف. وجاءت هذه العقوبة، التي لا تتجاوز الحبس سنة، كنوع من التساهل تجاه الآباء انسياقاً مع الثقافة المجتمعية التي ترفض وصف احتجاز الآباء لأطفالهم بالخطف. ناهيك بعدم اهتمام وزارة الداخلية بتلك البلاغات بالقدر والعناية نفسهما اللذين توليهما لبلاغات خطف الأطفال إذا كان المتّهمون فيها مجهولين أو خارج إطار الأسرة. وبالتالي اقتراح القانون لحق الاستضافة بدون معالجة إشكاليّات جريمة خطف الآباء للأطفال المحضونين يُعتبر معالجة قاصرة.

أمّا في خصوص النفقة، التي يمتنّع الآباء عن دفعها أحياناً، فقد جاءت الفقرة (هـ) من المادّة 91 لتربط بين سقوط الحقّ في الاستضافة وبين عدم الالتزام بدفع النفقة للصغار في محاولة منها لحلّ هذه المشكلة. إلّا أنّها ختمت المادّة بعبارة “بدون عذر مقبول” وهو ما يفتح المجال واسعاً للأعذار والحجج المفتعَلة بشكل قد يفرغ المادّة من مضمونها.

استمرار الطلاق الشفهي

في عام 2017، أثار الرئيس عبد الفتاح السيسي مشكلة الطلاق الشفهي أثناء إلقاء كلمته بمناسبة عيد الشرطة، حيث ربطه بارتفاع نسب الطلاق وفقاً لاحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامّة والإحصاء، مقترحاً عدم وقوع الطلاق الشفهي وإلزام الأزواج بالتطليق عند المأذون. وهو ما قوبل برفض قاطع في بيان هيئة كبار العلماء في 5 فبراير 2017 برئاسة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب. في المقابل، قوبل اقتراح الرئيس بتأييد المجلس القومي للمرأة الذي ناشد الحكومة والبرلمان تقديمَ “مقترح تشريع ينصّ على أنّه لا يُعتدّ في وقوع الطلاق للمتزوّجين بالوثائق الرسمية إلّا من تاريخ التوثيق بالإشهاد”، بينما تشبّث الأزهر ومن خلفه دار الإفتاء المصرية بموقفها الرافض لإلغاء الطلاق الشفهي. وبعد نحو خمس سنوات جاء مقترح مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد متوافقاً مع رأي المؤسّسات الدينية الرسمية ما يُعدّ تراجعاً من الحكومة عن اقتراحات مؤسّسة الرئاسة في هذا الشأن. إذ أقرّ مشروع القانون المُقدَّم من الحكومة استمرار الطلاق الشفهي، وفقاً للمادّة 46 منه التي نصّت على أنّه “يُشترط لوقوع الطلاق أن يكون الزوج عاقلاً، مختاراً، واعياً ما يقول، قاصداً النطق بلفظ الطلاق، عالماً بمعناه، وأن يكون الطلاق مُنجزاً، ولم يُقصَد به اليمين، أو الحمل على فعل شيء أو تركه”.

ويُعتبر الطلاق الشفهي من أهمّ المشاكل التي تعاني منها النساء المصريات، حيث يمكن للرجل بشكل منفرد أن يطلّق المرأة شفاهة، ثمّ يماطل وينكر ذلك أمام المأذون أو جهات التقاضي. وفي النتيجة، تكون المرأة في ورطة قانونية ودينية واجتماعية. فوفقاً لرأي المؤسّسات الدينية الرسمية لقد وقع الطلاق دينياً، بينما لا يعترف القانون في إثبات الطلاق إلا بشهادة الشهود أو بالكتابة أو باعتراف الزوج، وهو ما يصعب إثباته نظراً إلى وقوع لفظ الطلاق عادة بين الزوج وزوجته في مجال حياتهما الخاصّة أو عن طريق الهاتف على سبيل المثال. ووفقاً للمادّة 21 من القانون رقم 1 لسنة 2000، لا يجوز للمرأة عند إنكار زوجها واقعة الطلاق الشفهي أن تثبت الطلاق إلّا بالشهود والكتابة فقط، دون باقي طرق الإثبات المقرّرة قانوناً. إلّا أنّ المحكمة الدستورية العليا حكمت بعدم دستورية هذا النصّ في 2006[4]. وبناء عليه، أصبح من حقّ المرأة إثبات وقوع الطلاق الشفهي بكافّة طرق الإثبات المقرّرة قانوناً.

وعلى الرغم من تيسير حكم المحكمة الدستورية العليا طرق إثبات الطلاق الشفهي، يُعتبَر ذلك تحسيناً طفيفاً لمشكلة تحتاج إلى تشريع جديد يعالج الأزمة نهائياً. لذا كان من الأحرى بالحكومة مراعاة معاناة عشرات آلاف النساء وتقديم مقترح يقضي بإلغاء الطلاق الشفهي وعدم الاعتداد إلّا بالطلاق المُوثَّق كتابة. وهو الحلّ الذي أخذت به حديثاً المملكة العربية السعودية[5] التي قرّرت عدم الاعتداد بالطلاق الشفهي وألزمت الرجل بالحضور أمام القاضي لتوقيع الطلاق، وذهبت أبعد من ذلك حيث قرّرت عدم إنهاء إجراءات الطلاق إلّا بعد الاتّفاق على ترتيبات النفقة على الأولاد وتفاصيل الرؤية والزيارة إلى آخر تلك النقاط المهمّة التي تُعتبَر من آثار الطلاق الاجتماعية والقانونية.

حقّ وليّ المرأة بفسخ عقد الزواج

أكّد مشروع القانون[6] حقّ المرأة في إبرام عقد زواجها بنفسها بدون وليّ ابتداء من بلوغها 18 عاماً. لكنّه سرعان ما أفرغ هذا الحقّ من مضمونه حيث قرر في الفقرة “ب” من المادّة نفسها أنّ ” للوليّ الحقّ في المطالبة قضاء بفسخ عقد الزواج قبل الدخول في خلال مدّة لا تزيد على سنة من تاريخ العلم به أو من تاريخ عقد الزواج أيهما أقرب، إذا زوجت المرأة نفسها من غير كُفء أو من دون مهر المثل، شريطة عدم الحمل أو الإنجاب”.

وهو تَشدُّد غير مبرَّر على الإطلاق، حيث يقرّر هذا النصّ أنّ المرأة مهما بلغت من العمر أو الدرجة العلمية أو الكفاءة المهنية لا تملك الأهلية التي تجعلها تتزوّج بمن تريده دون حجر عليها من أحد أوليائها الذي قد يكون أصغر سنّاً أو أقلّ عقلاً أو أقلّ مرتبة في الدرجة الوظيفية، لا لشيء إلّا لأنّه ذكر. لا سيّما أنّ نصّ هذه المادّة يتعارض مع نصّ المادّة 11 من الدستور المصري التي تكفل المساواة بين الرجل والمرأة[7]. وتعكس هذه المادّة المرجعية الأيديولوجية التي بني عليها مشروع هذا القانون، وعن كيفية نظر المشرِّع إلى المرأة.

التعدّد ليس سبب طلاق للضرر

أقرّ المقترَح صراحةً بحقّ الرجل في الجمع بين 4 نساء في عصمته. واتّساقاً مع هذا الإقرار، كرّر المقترَح نصّ المادّة 11 مكرّر من القانون الحالي: “على الزوج أن يقرّ فى وثيقة الزواج بحالته الاجتماعية” ومضيفاً عقوبة “الحبس سنة وبغرامة لا تقلّ عن 20 ألف جنيه ولا تزيد على 50 ألف جنيه” لكلّ من خالف هذه المادّة.

ما يعني أنّ مقدّمي المقترَح لا يرون أنّ الزواج بأخرى ليس سبباً في ذاته موجباً للضرر الذي يخوّلها رفع دعوى طلاق للضرر وفقاً لنصّ المادّة 6 من القانون رقم 25 لسنة 1929. وتتوافق هذه الرؤية مع رؤية المؤسّسات الدينية الرسمية في التعدّد كسبب غير موجب للضرر للزوجة الأولى. حتّى إنّ المحكمة الدستورية قد أكّدت هذا المعنى في أحد أحكامها[8] حيث قرّرت “أنّ حقّ الزوجة التي تعارض الزواج الجديد في التفريق بينها وبين زوجها، لا يقوم على مجرّد كراهيّتها له أو نفورها منه لتزوُّجه عليها، وليس لها كذلك أن تطلب فصم علاقتها بزوجها بادّعاء أنّ اقترانه بغيرها يُعتبر في ذاته إضراراً بها، وإنّما يجب عليها أن تقيم الدليل على أنّ ضرراً منهياً عنه شرعاً قد أصابها بفعل أو امتناع من قِبل زوجها، على أن يكون هذا الضرر حقيقياً لا متوهَّماً، واقعاً لا متصوَّراً، ثابتاً وليس مفترضاً، مستقلّاً بعناصره عن واقعة الزواج اللاحق في ذاتها وليس مترتّباً عليها، ممّا لا يُغتفر لتجاوزه الحدود التي يمكن التسامح فيها شرعاً، منافياً لحسن العشرة بين أمثالهما بما يخلّ بمقوّماتها لينحلّ إساءة لها – دون حقّ – اتّصلت أسبابها بالزيجة التالية وكانت هي باعثها، فإن لم تكن هذه الزيجة هي المناسبة التي وقع الضرر مرتبطا بها، فإنّ حقّها في التفريق بينها وبين زوجها يرتدّ إلى القاعدة العامّة في التطليق للضرر المنصوص عليها في المادّة 6 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المعدَّل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 الخاصّ ببعض أحكام الأحوال الشخصية”. وهذا، على الرغم من اعتراف المحكمة الدستورية في فقرة أخرى من الحكم بـ “الأضرار التي تعود إلى المشاعر النفسية التي تعتمل في صدر المرأة تجاه ضرّتها باعتبار أنّ ما قد يقع بينهما من تباغض، وما تحملانه لبعضهما من ضغائن تمتدّ إلى أولادهما، مرجعها تلك الغيرة الطبيعية بين امرأتين تتزاحمان على رجل واحد، ولا يخلص هو لإحداهنّ، وهي بعد غيرة لا يمكن تنقية النفوس البشرية منها“.

الأمر الذي يسفر بطبيعة الحال عن غبن شديد لحق النساء في حقّهنّ في السلامة النفسية والعقلية الذي تنتقل آثاره بالضرورة على استقرار العلاقة الزوجية وأواصر المودّة والرحمة بين الرجل والمرأة وعلى أولادهما بالقطع.

اختصاص محكمة الأسرة بقائمة منقولات الزوجية

تُعتبر دعوى تبديد المنقولات الزوجية من أهمّ الدعاوى المتبادلة بين الأزواج سواء أثناء استمرار العلاقة الزوجية أو انتهائها بالطلاق. وفي محاولة حلّ تلك المشكلة بين الأزواج اقترح مشروع القانون أن تكون “منقولات منزل الزوجية ملكاً خاصّاً للزوجة لمّا لم يتمّ الاتّفاق على خلاف ذلك، وتختصّ محكمة الأسرة دون غيرها بكافّة المنازعات المتعلّقة بها”. وبناء عليه، تكون دعوى تبديد المنقولات الزوجية داخل نطاق المحاكم المدنية بدلاً من المحاكم الجنائية، كما هو الحال حالياً. وهي محاولة غير موفَّقة في حلّ المشكلة، إذ أنّ دعوى تبديد المنقولات الزوجية من أهمّ نقاط القوّة التي تساعد النساء في الحفاظ على توازن القوى بينها وبين الرجال في دعاوى الأسرة، ويرجع ذلك إلى خطورة الأحكام الجنائية السالبة للحرية على الأزواج وما تتركه من أثر اجتماعي وقانوني في صحيفتهم الجنائية. وبسببها، يضطر الكثير من الرجال إلى الوصول إلى اتّفاقات رضائية في خصوص كافّة مواضيع النزاع في المحاكم مثل نفقة الأولاد والنفقة الزوجية ومصاريف التعليم وغيرها وهو ما يؤدّي إلى خلل في ميزان القوى بين الرجال والنساء في النزاعات القضائية المتعلّقة بقضايا الأسرة. بخاصّة أنّه رغم دخول قائمة منقولات الزوجية تحت طائلة المادّة 341 من قانون العقوبات فإنّ تَسَلُّم المنقولات فعلياً شأنٌ آخر.

خاتمة

جاء مشروع الحكومة لقانون الأحوال الشخصية الجديد مخيِّباً لآمال النساء التي كانت تأمل في قانون موحَّد ومعاصر لحلّ العديد من مشاكلهنّ في قوانين الأحوال الشخصية، مثل تعدّد الزوجات، والطلاق الشفهي، وإثبات النسب. حتّى إنّه أضاف قيداً جديداً على أهليّة النساء بإعطاء الحقّ لكلّ وليّ طبيعي على المرأة بفسخ عقد زواجها قضائياً إذا تزوّجت بغير كُفء.

من الطبيعي أن تكون نصوص مشروع القانون الخاصّ بالأحوال الشخصية لملايين المواطنين والمواطنات تقتضي قدراً من المرونة والحلول التوفيقية في تحقيق بعض الإصلاحات المدنية التي يطالب بها العديد من الرجال والنساء وبين بعض الآراء الفقهية لدى المؤسّسات الدينية الرسمية. إلّا أنّ الحكومة المصرية قد قرّرت الانحياز بشكل واضح إلى آراء المؤسّسات الدينية، بشكل يقطع الطريق على أيّ طموح وآمال بصدور قانون مدني للأحوال الشخصية في مصر. إذ قرّرت في المذكّرة الإيضاحية أنّ مشروع القانون “قد عُني بتقنين الكثير من الأحكام الشرعية” بدون أن تفسح أيّ مجال لتقديم اجتهادات معاصِرة لمعالجة العديد من قضايا الأحوال الشخصية الملحّة.

  1. رقم 25 لسنة 1929.
  2. القضية رقم 37 لسنة 33 دستورية عليا، نُشر في الجريدة الرسمية في 26 مايو 2013، العدد 21 مكرّر.
  3. تنصّ المادّة 292 على أنّه “يُعاقَب بالحبس مدّة لا تتجاوز سنة أو بغرامة لا تزيد على خمسين جنيهاً مصرياً أي الوالدين أو الجدّين لم يسلّم ولده الصغير أو ولد ولده إلى من له الحقّ فى طلبه بناء على قرار من جهة القضاء صادر بشأن حضانته أو حفظه”.
  4. الدعوى رقم 113 لسنة 26 قضائية دستورية.
  5. نقلاً عن موقع ذات مصر في 22 سبتمبر 2021
  6. المادة 6 من مقترح القانون
  7. تنصّ المادّة 11 على أن: “تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل فى جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية “.
  8. القضيّة رقم 35 لسنة 9 قضائية المحكمة الدستورية العليا “دستورية”.
انشر المقال

متوفر من خلال:

إقتراح قانون ، البرلمان ، جندر ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، محاكم جزائية ، محاكم مدنية ، مصر