مشروع سلسلة الرتب والرواتب في لبنان: الحق عند التيسير


2014-05-02    |   

مشروع سلسلة الرتب والرواتب في لبنان: الحق عند التيسير

لم يعد خافياً على احد أن مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب، بات يشكّل إحدى الأزمات الكبرى التي تلقي بكاهلها على عاتق القوى السياسية المختلفة،والتي تبدو عاجزة عن مقاربة هذا المأزق والخروج بحل يجنّبها التبعات المترقبة بسببه.

ومن المعلوم أن عمر هذا المشروع يعود إلى العام 2012، حيث أعدته وزارة المالية بالتعاون مع مجلس الخدمة المدنية، بعد احجامها طوال 15 عاماً عن تصحيح الأجور. وقد لقي هذا المشروع درساً وتمحيصاً من قبل هيئات متعدّدة ولجان وزارية، مع ما رافقه من إضرابات واعتصامات كانت تعيد تحريكه بين الفينة والأخرى، وصولاً إلى الإنفجار الإجتماعي الكبير الذي حصل في العام 2013 والذي تمثّل بإضراب مفتوح شامل لجميع موظفي الدولة شلّ البلاد لعشرات الأيام. وقد أدى هذا التحرك الكبير الى إقرار المشروع وإحالته إلى مجلس النواب بتاريخ 21/3/2013، لتبدأ بعد ذلك معركة من نوع آخر على طاولة السلطة التشريعية بدءاً من اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجان النيابية المشتركة وصولاً إلى هذه اللجان بحد ذاتها وبعدها في الهيئة العامة لمجلس النواب. وقد فشلت هذه الأخيرة في إقرار هذا المشروع في جلستها المنعقدة بتاريخ 15/4/2014، تحت ستار تأمين الواردات وذلك رغم اعتراف جميع القوى السياسية بأحقية هذه السلسلة. فانتهى الأمر الى تشكيل لجنة نيابية – وزارية لإعادة البحث فيه خلال مدّة 15 يوماً، رغم معارضة رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي تمنى أن لا  يكون ذلك"يوماً ظالماً في تاريخ المجلس".

وفي هذا المضمار تطرح التساؤلات حول السبب الكامن وراء هذه الأزمة التي أوجدها المشروع رغم أحقيته، وهو ما سنحاول الإجابة عليه من خلال عدّة نقاط سنوردها أدناه:

1- من الواضح أن العقبة الأساسية التي تحول دون إقرار سلسلة الرتب والرواتب، على الرغم من الإقرار بأحقيتها، هي التمويل اللازم لهذه السلسلة. فدراسة المشروع بمجملها تتمحور حول المصادر المناسبة لذلك لا بل عن مردود كل من هذه المصادر، في ظل عدم الثقة بالتقديرات المطروحة لكل مورد. وإننا نردّ هذا الأمر إلى غياب الموازنات العامة في لبنان منذ العام 2005، إذ أن آخر موازنة أقرت في لبنان هي الموازنة العامة والموازنات الملحقة لعام 2005 الصادرة بالقانون رقم 715 تاريخ 3/2/2006، وآخر قطع حساب لموازنة الدولة هو قطع حساب العام 2003 الصادر بموجب القانون رقم 716 تاريخ 3/2/2006. ولا شك أن هذا الأمر بالغ التأثير في صحّة تقدير الإيرادات، فبحسب المادة 15 من قانون المحاسبة العمومية، تقدر واردات السنة الجديدة استناداً إلى عنصرين اثنين هما: تحصيلات السنة الأخيرة التي أنجز مشروع قطع حسابها، وتحصيلات الأشهر المنصرمة من السنة الجارية. ومع غياب الموازنات وقطع الحساب لمدة تقارب العقد من الزمن يكون من الصعب لا بل من المستحيل تقدير الإيرادات بشكل صحيح ودقيق.

أضف إلى ذلك، أن القوى السياسية تتعامل مع إقرار سلسلة الرتب والرواتب وكأنها بديل عن الموازنة  العامة أو كأنها فرصة سانحة لتمرير بعض التعديلات الضريبية التي لا يمكن تمريرها بالشكل الطبيعي في الموازنة العامة.

وتبدو هذه الحملة بِشأن واردات السلسلة مستهجنة خاصّة إذا ما نظرنا إلى القانون رقم 238 تاريخ 22/10/2012 الذي فتح اعتماداً إضافياً في الموازنة العامّة للدولة بقيمة تفوق التسعة آلاف مليار ليرة لبنانية أي ما يوازي أضعاف النفقات التي تحتاج اليها سلسلة الرتب والرواتب، وذلك دون أي بحث أو تمحيص في إيرادات هذا الإعتماد. فقد ورد في البند(ه) من المادة الأولى من القانون المذكور، بأن يغطى الإعتماد المفتوح من الواردات العادية، وفي حال العجز، يجاز للحكومة تغطيته عبر إصدار سندات خزينة بالعملة المحلية و/أو الأجنبية لآجال متوسطة وقصيرة، ضمن حدود العجز الفعلي، وذلك بقرارات تصدر عن وزير المالية.

2-إن ما شهدته النقاشات حول تأمين واردات سلسلة الرتب والرواتب،لا سيما لجهة الضرائب التي ستفرض لهذه الغاية، يظهر حجم الخلل الذي تعاني منه السياسة الضريبية في لبنان. فهذه السياسة تبدو عشوائية وغير مبنية على دراسات وتقديرات علمية، إنما اعتباطية وارتجالية في كثير من الأحيان، والأسوأ من ذلك أنها لم تخضع لمراجعة جدية منذ سنوات لا بل منذ عشرات السنوات. فالتعديلات التشريعية التي أدخلت على القوانين الضريبية في السنوات الماضية، وحتى في ظل وجود الموازنات،لا تعدو كونها تعديلات طفيفة، ولذلك شكّلت سلسلة الرتب والرواتب مدخلاً لإعادة النظر بهذه السياسة. إنما مقاربة هذه الإشكالية لم تكن بالمستوى المطلوب ما جعلها أزمة بحد ذاتها لم تخلُ من الإعتراضات والملاحظات.

3-  إن ما طرحته سلسلة الرتب والرواتب من إشكاليات، يعود في القسم الأساسي منه إلى غياب التصحيح الدوري للأجور، إذ أن آخر تصحيح فعلي لهذه الأجور كان من خلال سلسلة الرتب والرواتب في العام 1998، ثم تبعتها سلسلة لم تكن على قدر التوقعات ولم تغيّر شيئاً على أرض الواقع وهي السلسلة المقرّة في العام 2008 بموجب القانون رقم 63 تاريخ 31/12/2008. والمفارق أن مشروع القانون المحال من الحكومة بشأن هذه السلسلة الأخيرة بموجب المرسوم رقم 541 تاريخ 15/10/2008، كان يتضمّن إجراء بعض التعديلات الضريبية بغية تأمين التمويل اللازم لتغطية الكلفة الناتجة عن الزيادات المقترحة بمقتضاه ومنها زيادة الضريبة على الفوائد من 5% إلى 7% كما وفرض رسم معالجة مؤقتة للمخالفات على الأملاك البحرية، بيد ان اللجان النيابية المشتركة عند درسها للمشروع عمدت إلى فصل المواد الواردة في متنه والمتعلّقة بتعديل بعض القوانين الضريبية وبالمخالفات البحرية،بهدف إرسالها فيما بعد بمشروع مستقلّ([1])، ما يعني أن اللجان النيابية في حينه لم تعمد إلى تأمين التمويل اللازم للسلسلة كما هو الحال في المشروع الراهن إذ جلّ ما ورد في المادة الرابعة عشرة من القانون بأن يجاز للحكومة بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء لاقتراح وزير المالية فتح الإعتمادات اللازمة في موازنة العام 2008 لتغطية النفقات الناتجة عن الزيادات الواردة في هذا القانون.

4-من الملاحظ في النقاشات المتمحورة حول سلسلة الرتب والرواتب،الإستناد في أحقيتها على القانون رقم 173 تاريخ 29/8/2011 الذي حوّل سلاسل رواتب القضاة، والقانون رقم 206 تاريخ 5/3/2012 المتضمن تحويل سلاسل أفراد الهيئة التعليمية في الجامعة اللبنانية ومعاشات المتقاعدين لديها. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه وإن كان من الجائز المقارنة بين سلاسل رواتب الموظفين وأفراد الهيئة التعليمية في الجامعة اللبنانية، إلا أن ذلك لا يجوز مع رواتب القضاة إذ أن هؤلاء لا يعدّون موظفين لا بل أعضاءً في سلطة دستورية مستقلّة منصوص عنها في المادة 20 من الدستور([2])ما يفرض التعامل معهم بالمساواة مع رؤساء وأعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية، إذ أن مخصصاتهم تقاس نسبة إلى مخصصات السلطات العامة والتي لا زالت تفوق بأضعاف رواتب القضاة رغم التحويل الحاصل في سلاسل هذه الأخيرة. وإن هذه المقارنة، تبيّن وللأسف الثقافة السائدة بين أفراد المجتمع حول مفهوم السلطة القضائية ومدى استقلاليتها.

5-إن الحل الذي خرجت به الهيئة العامة لمجلس النواب، عبر إحالة المشروع إلى لجنة نيابية- وزارية، لدرسه في مدة 15 يوماً ومن ثم العودة لإقراره في الهيئة العامة، هو أمر مخالف للنظام الداخلي لمجلس النواب الذي ينص فقط على وجود لجان متخصّصة في المجلس يمكنها الإجتماع بشكل مشترك في بعض الأحيان، ويمكنها تشكيل لجان فرعية في أحيان أخرى. ومن الملاحظ انه رغم هذه المخالفة للنظام الداخلي فإن هذا الأسلوب أخذ يسود أصول التشريع في مجلس النواب، وقد اعتُمد لدى درس العديد من مشاريع واقتراحات القوانين في الجلسات التشريعية السابقة،كقانون تثبيت العمال المياومين في مؤسسة كهرباء لبنان وقانون تثبيت كتاب العدل، وإننا نتخوّف إزاء هذا الأمر من أن تصبح اللجان النيابية المتخصصة المنصوص عنها في النظام الداخلي دون أي دور أو صلاحية حقيقية في مهمة التشريع.

6-من الواضح أن مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب، يقترن بالعديد من الإجراءات التي أطلق عليها بعض النواب إسم "الإصلاحية" وهي تطال دوام الموظفين وسن تقاعدهم وما إلى ذلك. بيد أن الملاحظ من هذه التدابير انها تهدف فقط إلى تعديل واجبات الموظفين في اتحاه زيادتها، فيما لا تشمل أي تعديل يزيد من حقوقهم لا سيما لجهة حقّهم بالإضراب وبالإنضواء في نقابات حرّة مستقلّة وهما الأمرين اللذين لا يزالان محظورين في لبنان بمقتضى المادة 15 من نظام الموظفين.
 



([1]) – يراجع:محاضر مجلس النواب اللبناني،الدور التشريعي الواحد والعشرون،العقد العادي الثاني،محضر الجلسة الرابعة المنعقدة في الساعة العاشرة والنصف من قبل ظهر يوم الإثنين الواقع فيه 15/12/2008.
([2]) –وهذا ما عبّرت عنه أمانة سر مجلس القضاء الأعلى في بيانها الصادر في 16/4/2014.
انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية