مشروع المعاش التقاعدي يصل إلى الهيئة العامّة بعد 20 عامًا: بين 55% من الحد الأدنى للأجور و53% من متوسط الرواتب


2023-12-13    |   

مشروع المعاش التقاعدي يصل إلى الهيئة العامّة بعد 20 عامًا: بين 55% من الحد الأدنى للأجور و53% من متوسط الرواتب
رسم رائد شرف

20 عامًا احتاجها مشروع قانون التقاعد والحماية الاجتماعية للانتقال من الحكومة إلى الهيئة العامّة لمجلس النواب. فبعد أن أقرّت الحكومة مشروع قانون “تعديل بعض أحكام قانون الضمان الاجتماعي وإنشاء نظام التقاعد والحماية الاجتماعية” في جلستها التي انعقدت في 9/12/2004، ها هو يتحول اليوم إلى بند على جدول أعمال الجلسة التشريعية التي تعقد يوم غد الخميس في 14/12/2023. 

خلال رحلته الطويلة، نام المشروع لسنوات في الأدراج لكنه أشبع درسًا أيضًا في فترات عديدة، سواء في لجان فرعية أو لجان متخصّصة أو في اللجان المشتركة (صدّقته اللجان المشتركة في العامين 2008 و2017 قبل أن يعدّل مجددًا) من دون أن يصل إلى الهيئة العامة لأسباب سياسية وتقنية. المرة الأخيرة التي صدّق فيها كانت في 19/11/2023. وعلى ما يؤكد النائب بلال عبدالله، فإنّ النسخة الأخيرة هي أفضل نسخات القانون، وإن كانت لم تصل إلى ما يطمح إليه الموظفون، المضمونون وغير المضمونين، الذين يحق لهم الاستفادة من أحكامه (كل من لا يستفيد من نظام ضمان آخر يمكنه الانضمام إلى نظام التقاعد حتى لو كان خارج لبنان). 

تعديلات تنسف المشروع

الصيغة التي أقرّت كانت عملت عليها لجنة فرعية منبثقة من اللجان المشتركة، برئاسة النائب السابق نقولا نحّاس، لأكثر من سنة ونصف السنة، قبل أن تنهي عملها في 19/5/2022، أي قبل يوم واحد من نهاية ولاية المجلس النيابي السابق. تلك الصيغة ناقشتها اللجان المشتركة في المجلس الحالي، خلال جلسات عديدة، كان آخرها في نهاية تشرين الثاني، حين أقرّت بالأكثرية، بعد رفض نائب رئيس مجلس النواب الياس أبو صعب إعادة النقاش في التعديلات التي طرأت على المشروع.

وكان أبو صعب قد طلب في الجلسة ما قبل الأخيرة من كل الكتل إرسال ملاحظاتها، إن وجدت، خطيًا لدرسها. وبعد تلقّي الملاحظات، عقد أبو صعب اجتماعًا في مكتبه مع عدد من النوّاب الذين لديهم ملاحظات على المشروع، تمّ خلاله الاتفاق على تعديلات تبيّن لاحقًا أنّ وظيفتها الأولى هي تفخيخ المشروع وتحرير أصحاب العمل من التزاماتهم تجاه المضمونين. 

هذه التعديلات التي يصفها المدير العام للضمان الاجتماعي محمد كركي بالكارثيّة لأنّها “تنسف المشروع وتفرّغه من مضمونه”، تتعلّق بشكل أساسيّ بأمريْن:

  • إلغاء مبالغ التسوية (الفارق الذي يدفعه صاحب العمل بين مجموع الاشتراكات المسدّدة والتعويض المستحق للمضمون) عن الأجراء المنتقلين إلى النظام الجديد. فلقد ورد ما حرفيّته: “خلافًا لأيّ نصّ آخر، تلغى مبالغ التسوية عن الأجراء المُنتقلين إلى النظام الجديد. أما للأجراء الذين يبقون خاضعين إلى نظام تعويض نهاية الخدمة، فلأصحاب العمل أن يطلبوا تقسيط هذه المبالغ لمدة لا تتجاوز عشر سنوات، على أن تُعفى أقساط السنوات الخمس الأولى من الفوائد”.
  • بعدما كان النص يشير إلى تطبيق الانتساب الإلزامي إلى نظام التقاعد على كلّ الذين بلغوا سن الـ 44 وما دون، صار سنّ الانتساب الإلزامي إلى النظام 49 عامًا. أضف إلى تطبيق الإلزامية على سائر المضمونين الذين تتراوح أعمارهم بين 49 و58 عامًا، شرط أن تكون مدة انتسابهم إلى نظام نهاية الخدمة، إضافة إلى المدة المتبقية لبلوغ سنّ التقاعد، 15 سنة على الأقلّ، ما يخوّلهم الحصول على المعاش التقاعدي.

محاولة فاشلة لتحرير أصحاب العمل من مبالغ التسوية

في النقطة الأولى، كشف كركي لـ “المفكرة القانونية” أنّه تمّ التراجع عن محاولة تحرير أصحاب العمل من مبالغ التسوية التي اتفق عليها في جلسة اللجان المشتركة مع أبو صعب، والتي أقرّت بالتصويت قبل التراجع عنها مجددًا والعودة إلى الصيغة التي كانت أعدّتها اللجنة الفرعية، والتي تنصّ على أنه خلال الفترة الانتقالية يتمّ تصفية حقوق الأجراء بموجب نظام تعويض نهاية الخدمة وتحويلها إلى النظام الجديد. كما يجب أن تتضمّن التصفية مبالغ التسوية المترتبة على أصحاب العمل. وهو ما سبق أن أعلنه أبو صعب لكن بشكل مبهم، إذ قال، بعد نهاية جلسة اللجان، ما حرفيّته: “هناك بعض الملاحظات، خصوصًا وأنّ المدير العام للضمان تحدّث عن موضوع برأيه عليه اعتراض، لا سيّما أنّه تلقّى مبالغ التسوية عن الأجراء المنتقلين إلى النظام الجديد. هذه الفقرة بالملاحظات الجديدة ألغيناها وأخذنا بالاعتبار ملاحظات الضمان. من أجل ذلك ستبقى الملاحظات في الهيئة العامة، لكن برأيي أصبحت ثانوية والهيئة العامة تقرّر”. 

مع ذلك، يخشى كركي أن يتمّ التراجع مجدّداً عن تكليف أصحاب العمل بمبالغ التسوية، لذلك يدعو مجلس النواب إلى قطع الطريق على أيّ احتمال بأن تعفي  الحكومة أصحاب العمل من مبالغ التسوية بمرسوم، خاصّة أنّ تطبيق القانون يحتاج إلى إصدار عدد من المراسيم التطبيقية. من جهته، يجزم عبدالله أنّ النصّ لم يتغيّر عما أقرّته اللجنة الفرعية، ولن يكون هنالك أي إعفاء لأصحاب العمل عن دفع التسويات، لأنّها واحدة من مداخيل النظام.  

سنّ الانتساب الحكمي لنظام التقاعد 49 أم 58 سنة؟ 

في النقطة الثانية المتعلّقة بتعديل عمر الانتساب الحكمي إلى النظام، يرى كركي أنّ التعديل الأوّل (رفع سن الخضوع الإلزامي للنظام الجديد من 44 إلى 49) لا يشكّل خللًا كبيرًا على اعتبار أنّه ترافق مع تخفيض سنوات الخدمة المطلوبة للاستفادة من النظام من 20 إلى 15، بما يعني أنّه في الحالتين سيصل المضمون إلى سنّ التقاعد في الوقت نفسه. 

أما التعديل الثاني، فيعتبر أنه يشكّل ظلمًا كبيرًا للمضمونين الذين تتراوح أعمارهم بين 49 و58 سنة، وإنْ اشترط مشروع القانون أن تكون مدّة انتسابهم إلى نظام نهاية الخدمة إضافة إلى المدّة المتبقيّة لبلوغ سنّ التقاعد 15 سنة. إذ أنّ هذا الشرط يتحقّق عند الأغلبية الساحقة من هذه الفئة، ما يعني بالتالي أنّهم ملزمون بالانتساب إلى النظام الجديد، بالرغم من أنّهم على مشارف التقاعد، وقد يكونون قرروا بالفعل كيف سيستعملون تعويض نهاية الخدمة وتحديدًا لجهة قبض التعويض التقاعدي كاملًا ودفعةً واحدة. وهذا يحرمهم من حق الاختيار بين نظام التقاعد ونظام نهاية الخدمة وفق ما يراه الأكثر ملاءمة لوضعه، ويعتبر تعديًا على حرّيتهم الخاصّة ويعطّل مشاريعهم المستقبلية. فالتعديل يعني عمليًا أنّ من يملكون حقّ الاختيار هم فئة صغيرة من المضمونين الذين تتراوح أعمارهم بين 58 و64 سنة. وهو أمر يناقض مبدأ تحديد سنّ الـ 49 حدًا فاصلًا بين المنتسبين حكمًا والمنتسبين اختياريًا ويرفع الحدّ الواقعي إلى 58 سنة.

يبرّر عبد الله، وهو كان عضوًا في اللجنة الفرعية، هذا التعديل بالحاجة إلى تخفيف الأعباء المترتبة على النظام الجديد، وبالتالي ضمان استمراريته، لكنه مع ذلك يؤكد أنه منفتح على إلغاء هذا التعديل إذا كان مطلبًا عماليًّا.

حدّ أدنى مضمون للمعاش التقاعدي

عندما يُسأل مصدرٌ شارك في أغلب مراحل مناقشة المشروع عن سبب تأخيره، يُحال السائل إلى سببين مباشرين: الأوّل هو رفض الرئيس نبيه بري أن يكون النظام التقاعدي المقترح خارج مؤسسة الضمان الاجتماعي (كان المشروع يقضي بإنشاء مؤسسة مستقلّة لإدارته)، والثاني هي المعارك الشاقة التي خيضت لتعديله، بما يحوّله من نظام رسملة إلى نظام توزيعي تضمنه الدولة وتتحمّل المسؤولية الكبرى فيه. 

ففي النسخة الأولى من القانون كانت الخطة تقضي، بشكل مبسّط، بفتح حسابات شبيهة بالحسابات المصرفية، تجمع فيها اشتراكات الموظف والفوائد طوال فترة خدمته، على أن يحصل، عند بلوغه سن الـ64، على معاش تقاعدي تُقدّر قيمته بالنظر إلى ما ادّخره الموظف. مخاطر نظام الرسملة هذا، إن لم تكن واضحة في حينها، فمع الأزمة المالية التي عصفت بلبنان تبيّن بشكل جلّي أنّ أيّ استثمار من هذا النوع كان ليؤدّي إلى ضياع التعويض. 

لكن في الصيغة الأخيرة يتّضح أنّ النظام تغيّر بشكل جذري، ليتحوّل، أقله بنسبة 90% إلى نظام توزيعي يُحدّد بوضوح الحدّ الأدنى الذي يمكن أن يحصل عليه المضمون. فبالرغم من أنّ النظام لا يزال نظام رسملة من حيث الشكل، حيث يحتسب المعاش التقاعدي على أساس الأموال التي يجمعها المشترك في حسابه الافتراضي، بالإضافة إلى الفائدة السّنوية التي تُضاف إليها، إلّا أنّ التعديل فرض تضمين النظام حدًّا أدنى للمعاش التقاعدي الذي يحتسب وفق الآلية الفضلى للمضمون:

  • وفق الآلية الأولى، يكون للمضمون الذي اشترك لمدّة 15 سنة كاملة، نسبة 55% من الحدّ الأدنى الرسمي للأجور، المُعتمد بتاريخ التقاعد، على أن تزاد هذه النسبة 1.75% عن كلّ سنة اشتراك إضافية، لتبلُغ في حدِّها الأقصى 80% من الحدّ الأدنى الرسميّ للأجور، المعتمد في تاريخ التقاعد. أي مع افتراض أن موظّفًا يتقاعد اليوم بعد اشتراكه في الضمان لمدة 20 سنة فسيحصل على نحو 5.7 ملايين ليرة شهريًا (طالما أنّ الحدّ الأدنى الرسمي للأجور هو حاليًا 9 ملايين ليرة).
  • أما الآلية الثانية، فيحصل المضمون بنتيجتها على نسبة 1.33% من متوسط أجور المشترك المصرّح عنها طیلة فترة اشتراكه في هذا النظام والمُعاد تقييمها حتى تاريخ التقاعد، وذلك عن كل سنة اشتراك للمضمون ولغاية 30 سنة كحد أقصى. كما يجري إعادة تقييم وفهرسة (indexation) أجور المشترك وفقًا للزيادة في مؤشر متوسط أجور المشتركین. وبذلك من المفترض ألّا يقلّ المعاش التقاعدي لمن شارك في النظام لمدة 40 سنة مثلًا عن 53.21% من متوسط رواتبه المصرّح عنها للضمان ولمن قضى 30 سنة مثلًا لا يجب أن يقلّ معاشه التقاعدي عن نحو 40% من متوسط رواتبه المصرح عنها للضمان. فمن يتقاضى 100 مليون ليرة شهريًا، يصبح معاشه التقاعدي نحو 40 مليون ليرة شهريًا.

وفيما يُرجّح أن يستفيد أغلب المشتركين في النظام من إحدى الضمانتين السابقتين، يبقى احتمال ضئيل أن يكون المشترك قد جمع أموالًا في حسابه الافتراضي تزيد عن الحدّ الأدنى المحدد في الضمانتين السابقتين، وعندها فقط يستفيد المشترك من الرسملة بحيث يحصل على مبلغ شهري يفوق الضمانتين.

معاش تقاعدي لا يضرب استمرارية النظام 

لكن ألا تبقى الضمانة هزيلة بالمقارنة مع مستوى المعيشة؟ يعتبر كركي أنّ السعي إلى تحسين نسبة الضمانة ترافق مع محدودية الموارد. وبالتالي تمّ تغليب تأمين ضمان مقبول مستدام على الحصول على تأمين ضمان أكبر غير مستدام. كما ينبّه إلى أنّ المبلغ يمكن أن يرتفع، لأنه تمّ ربطه بعدد من المعايير منها متوسط الأجور المصرّح عنها للضمان، إذ أنّ أيّ زيادة على متوسط الأجور ستُضاف إلى الحساب الافتراضي. أما عبد الله، وعلى قاعدة “كلّه بثمنه”، فيقول إنّه بالنظر إلى الاشتراكات الحالية بيّنت الدراسة الأكتوارية التي أعدّت بالتنسيق مع منظمة العمل الدولية، أنّه لا يمكن زيادة نسبة الضمان عن النسبة المحددة، حماية لفاعلية النظام وديمومته، وأي زيادة في نسبة الضمان تتطلّب زيادة في نسبة الاشتراكات، وهو ما ليس مطروحًا. 

لجنة مستقلّة للاستثمار

بحسب المشروع، يفترض إنشاء جهاز إداري جديد في الضمان الاجتماعي هو لجنة الاستثمار التي تضاف إلى الأجهزة الموجودة حاليًا، أي المديرية العامّة واللجنة الفنية وأمانة السرّ، وتكون هذه اللجنة معنيّة باستثمار أموال التقاعد وتتمتّع بالاستقلالية عن الأجهزة الأخرى وتكون تابعة مباشرة لمجلس الإدارة. ويتوقّع أن يحتاج النظام الجديد لبدء العمل به نحو سنتين، فيما يُفترض أن يتزامن نظاما التقاعد ونهاية الخدمة 15 سنة (يكون قد أحيل كل من تجاوز سن الـ 49 سنة إلى التقاعد) قبل أن يصبح نظام التقاعد هو النظام الوحيد المتّبع في الضمان الاجتماعي. 

للاطلاع على مشروع قانون “تعديل بعض أحكام قانون الضمان الاجتماعي وإنشاء نظام التقاعد والحماية الاجتماعية”

انشر المقال



متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، الحق في الحياة ، الحق في الصحة ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية