مشروعية استخدام الأسلحة والذخائر في فض التظاهر في مصر؟


2013-05-10    |   

مشروعية استخدام الأسلحة والذخائر في فض التظاهر في مصر؟

لا شك أن الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، ومقرر له بوصفه كذلك. كما أنه يعتبر أساس كل الحقوق والحريات التي يتمتع بها الإنسان. حيث أنها جميعها منبثقة منه باعتباره الحق الأصل. فهو ليس منحة من الدولة، بل على الدولة التزام بحمايته وصيانته من أي انتهاك، وعليها تقرير عقوبة على كل من يحرم أي إنسان من هذا الحق خارج إطار القانون وبعد صدور حكم قضائي نهائي. فقد جاءت الدساتير المصرية المتعاقبة متضمنة هذين الحقين، معتبرة أن كل اعتداء على أي من الحقوق الحريات المقررة به –بما فيهما الحق في الحياة، والحق في سلامة الجسد- جريمة لا تسقط عنها الدعوى الجنائية ولا المدنية بالتقادم، وتكفل الدولة تعويضًا عادلًا لمن وقع عليه الاعتداء. فضلا عن تقريره عدم جواز تعطيل أو الانتقاص من الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن. كما عنيت التشريعات العقابية بتجريم أي اعتداء على أي حق من حقوق الإنسان وتقرير عقوبة له.
لكن على النقيض من ذلك، منح قانون هيئة الشرطة (المادة 102)، وقرار وزير الداخلية رقم 156 لسنة 1964، قوات الأمن الحق في استخدام الأسلحة والذخائر في مواجهة المتظاهرين. فقد ازداد في الآونة الأخيرة – تحديدًا بعد اندلاع الشرارة الأولى لثورة الخامس والعشرين من يناير- استخدام الأسلحة ليس فقط من جانب قوات الشرطة، بل ومن الجيش أيضًا عند فض التظاهرات مما أسفر عنه مقتل وإصابة ألاف المواطنين.
أن هذه السطور ليست مقالًا بالمعنى المفهوم، لكنها استعراض لأهم المبادئ التي استندت عليها محكمة القضاء الإداري لإحالة الطعن المقام أمامها من عدد من المنظمات الحقوقية المصرية إلى المحكمة الدستورية العليا، والتي ارتأت من خلالها شبهة عدم دستورية استخدام الأسلحة في مواجهة المتظاهرين. حيث أن هذا الفعل يناقض العديد من النصوص الدستورية.
تطرق الحكم إلى التنظيم الدستوري لهيئة الشرطة، والذي حدد طبيعتها بأنها هيئة مدنية نظامية تؤدي واجبها في خدمة الشعب وتنفيذ ما تعرضه القوانين واللوائح، وأسند إليها واجب كفالة الطمأنينة للمواطنين وحماية كرامتهم وحقوقهم وحرياتهم، وقد نظم قانون هيئة الشرطة كيفية أداء رجال الشرطة لواجباتهم، وجعل الأصل فيها أن تؤدى دون استعمال القوة، وأجاز لهم استعمال القوة إذا كانت هي الوسيلة الوحيدة لأداء هذا الواجب، ومن بين هذه الوسائل، مقاومة أو هروب المحكوم عليهم بعقوبات معينة أو المتهمين في جنايات أو جنح محددة وعند حراسة المسجونين وفقاً للشروط وفي الأحوال المنصوص عليها في قانون السجون، عند فض التجمهر أو التظاهر الذي يحدث من خمسة أشخاص على الأقل إذا عرض الأمن العام للخطر بعد إنذار المتجمهرين التفرق وبشرط أن يصدر أمر استعمال السلاح من رئيس تجب طاعته، ووضع القانون عدة ضوابط لاستعمال السلاح ومنها، أن يكون إطلاق النار هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الغرض وأن يُسبق بإنذار ثم يتم إطلاق النار، وأسند القانون إلى وزير الداخلية تحديد الإجراءات التي تتبع وكيفية توجيه الإنذار وإطلاق النار، وتضمن قرار وزير الداخلية رقم 156لسنة 1964ضوابط وإجراءات إطلاق النار بعد استنفاذ جميع الوسائل الأخرى كالنصح واستخدام العصي أو الغازات المسيلة للدموع بحسب الأحوال، فإذا لم تجد في فض التظاهر أو التجمهر أجاز استخدام البنادق ذات الرش صغير الحجم "الخرطوش" ثم الأسلحة النارية ذات الرصاص فالأسلحة سريعة الطلقات.
أن الضوابط التي وضعها القانون في نص المادة (102) من قانون الشرطة، وقرار وزير الداخلية رقم 156 لسنة 1964 والذي صدر بناء على تلك المادة لبيان إجراءات إطلاق النار علي المتظاهرين، المرجع في تقديرها لهيئة الشرطة ذاتها، ولم يلزمها القانون بعرض الوسائل على أية محكمة أو جهة قضائية قبل إطلاق النار على المتظاهرين لفض المظاهرة لبيان مدى استنفاذ الوسائل والإجراءات المقررة قبل إطلاق النار ومدى توافر مبررات إطلاق النار، كما أن ما تضمنه قرار وزير الداخلية المشار إليه من اشتراط ألا يُلجأ إلى استعمال الأسلحة إلا بعد استنفاذ الوسائل الأخرى كالنصح واستخدام العصي أو الغازات المسلية للدموع قيده القرار بعبارة "كلما كان ذلك ممكناً". الأمر الذي يجرد تلك الوسائل والإجراءات من فاعليتها، لأن تقدير إمكان إتباع تلك الوسائل والإجراءات يخضع لتقدير جهاز الشرطة، والقرار الذي يصدر بإطلاق النار على المتظاهرين هو قرار وقتي يصدر وينفذ في الحال ولا وقت أمام المتظاهرين المشاركين في المظاهرة في الطعن عليه أمام محكمة القضاء، كما أنه لا جدوى من الطعن عليه بعد تمام تنفيذه.
إن الضبط الإداري – منع الجرائم قبل وقوعها- هو وسيلة من الوسائل التي يتمتع بها جهاز الشرطة في سبيل حفظ النظام العام، ولوزارة الداخلية في إطار ما أسنده إليها الدستور والقانون من اختصاص في حماية النظام العام أن تتبع وسائل الضبط الإداري المناسبة إذا لم يحدد لها القانون تلك الوسائل صراحة وتتقيد دائماً باحترام أحكام الدستور والقانون ومراعاة ألا تتضمن تلك الوسائل ما يخل بواجبها في حماية كرامة المواطنين وحقوقهم وحرياتهم، وإذا تدخلت السلطة التشريعية وحددت وسائل وأساليب الضبط الإداري فإن تلك الوسائل والأساليب يتعين ألا تكون مخالفة لأحكام الدستور وإلا انحدر نشاط الضبط الإداري الذي يمارس في هذه الحالة إلي هاوية مخالفة أحكام الدستور.
أن إجازة القانون لقوات الأمن استعمال الأسلحة وإطلاق النار على المتظاهرين لفض المظاهرات هو تصريح لها باستخدام وسيلة قد تؤدي للقتل على اعتبار أن تلك الأسلحة من أدوات القتل وإزهاق الروح وإطلاقها على جموع المتظاهرين إما أن يؤدي إلى قتل بعضهم أو إلحاق عاهات جسدية أو إصابات بالبعض الآخر، فهذه الرخصة تشوبها شبهة مخالفة أحكام الدستور لأنه يشكل عدواناً علي الحق في الحياة وفي سلامة الجسد الإنساني الذي نص عليها الدستور عندما أوجب على الدولة حماية الأنفس وحظر اهانة أي إنسان أو ازدراءه. ذلك أن قتل الإنسان بغير حق يشمل أكبر اهانة لإنسانيته ولحقه في الحياة.
كما أنه ينطوي على مخالفة النصوص الدستورية التي تحظر التعذيب أو الترهيب أو الإيذاء البدني أو المعنوي أو تعريض الصحة للخطر بالنسبة للمقبوض عليهم والسجناء وهي حقوق يتعين أن يمتنع بها من باب أولي المواطن البرئ والمسالم الذي لم يقبض عليه ولم يحكم عليه بالسجن.
هذا بالإضافة إلى مخالفة مبدأ دستوري هام يتلخص في حظر توقيع عقوبة إلا بحكم قضائي، إذ أن منح قوات الأمن سلطة إطلاق النار على المتظاهرين لفض المظاهرة وما قد يرتبه ذلك من قتل أو إصابة بعض المتظاهرين يشكل تفويضاً من السلطة التشريعية لها عند ممارستها أعمال الضبط الإداري -وهي أعمال وقائية بطبيعتها – في القيام بعمل إداري يتجاوز في شدته وفي آثاره العقوبة الجنائية التي يجوز للقضاء أن يوقعها علي المتظاهرين حال مخالفتهم نصوص القانون المنظم لحق التظاهر، الأمر الذي ينطوي علي توقيع عقوبة من جانب هيئة الشرطة على المواطنين المتظاهرين بغير حكم قضائي، كما يشكل عدواناً من جانبها على اختصاص السلطة القضائية.
كما ينطوي أيضًا على مخالفة النصوص الدستورية المتعلقة بكفالة الحرية الشخصية وحرية التعبير والحق في التظاهر السلمي، وينتقص من تلك الحقوق والحريات. لأن السماح بفض المظاهرات بالأسلحة بإطلاق النار علي المتظاهرين يشكل عدواناً علي حق التظاهر السلمي وعلى حرية التعبير، لا سيما أن السلطة التشريعية لم تحدد سببًا خاصًا أو خطرًا جسيمًا تلجأ هيئة الشرطة معه إلى إطلاق النار على المتظاهرين، واكتفت بالنص على حالة "تعريض الأمن العام للخطر"، وهو غرض فضفاض ويجوز تحققه بوسائل أخرى أقل ضرراً بالمواطنين، وقتل النفس حين يحكم به القضاء هو أشد العقوبات كافة، ولا يقضى به إلا على من يرتكب أبشع الجرائم بعد التمكين من حقوق الدفاع، ولا ينفذ إلا بعد استنفاذ طرق الطعن، ولم تتضمن المادة 102 من قانون هيئة الشرطة وجود خطر استثنائي يهدد النظام العام حتى يبرر لها استعمال الأسلحة النارية.
محام وباحث قانوني
بمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، حراكات اجتماعية ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية