مشاريع قوانين السلطة القضائية في المغرب: محاولة لإجهاض حراك القضاة الشباب


2013-10-30    |   

مشاريع قوانين السلطة القضائية في المغرب: محاولة لإجهاض حراك القضاة الشباب

لا شك أن موضوع اصلاح القضاء بالمغرب يبقى من المواضيع المتجددة باستمرار، إذ شكل ومنذ عقود مطلبا ذات أهمية قصوى رفعته قوى اصلاحية وفعاليات حقوقية وطنية، بل وتناولته العديد من التقارير الدولية التي كشفت النقاب عن وجود مؤشرات مقلقة بخصوص هشاشة ضمانات استقلال القضاة والقضاء في المنظومة التشريعية الوطنية الراهنة.

وبالرغم من ذلك لم يؤخذ هذا المطلب بعين الاعتبار في حينه، لأن تكريس قضاء مستقل ظل موضوعا مؤجلا إلى حين حسم معركة تدعيم سلطة الدولة واستقرارها وتصفية الخصومات السياسية التي عرفها المغرب غداة الاستقلال، وتحقيق عدة أهداف أخرى اجتماعية واقتصادية وتنموية. وقد عاد النقاش حول هذا الموضوع مؤخرا ليأخذ منحى جديدا مع نسمات الربيع العربي وخصوصا بعد المصادقة على دستور فاتح يوليوز 2011 الذي كرس ولو من الناحية الشكلية عدة ضمانات لتجسيد الاستقلالية المنشودة. لكن الرهان يبقى اليوم معقودا بالأساس على تنزيل محتوى الوثيقة الدستورية على أرض الواقع في شكل قوانين تنظيمية، وهي المرحلة التي تبقى حاسمة في الكشف عن مدى وجود إرادة سياسية في تكريس استقلال السلطة القضائية من دون الاكتفاء بالشعارات الظرفية.

وفي هذا الإطار نشرت وزارة العدل والحريات مشروع النظام الأساسي للقضاة، ومشروع القانون المنظم للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، على الموقع الرسمي للوزارة مع إعطاء الجمعيات المهنية للقضاة مهلة لا تتعدى 15 نونبر 2013 لإبداء ملاحظاتها. فما هو السياق العام للإعلان عن مشاريع هذه القوانين؟ وإلى أي مدى استطاعت أن تترجم مضامين الوثيقة الدستورية وتؤسس للاستقلال الفعلي والحقيقي للسلطة القضائية؟
 
مشاريع القوانين في ظل الحراك القضائي
ان مشاريع القوانين الجديدة المعلن عنها قبيل أيام لا يمكن فصلها عن المستجدات التي شهدتها الساحة الحقوقية الوطنية عامة، والقضائية على وجه الخصوص، والتي عرفت تحولات كبيرة منذ المصادقة على دستور 2011 بظهور فاعل جديد، متمثل في الجمعيات المهنية للقضاة التي عززت المشهد القضائي، وخروج القضاة إلى العلن بعد تكسير القيود الوهمية التي حاولت بعض الجهات فرضها تحت مسمى واجب التحفظ. وقد ظهر مع نشوء نادي القضاة وجود جيل جديد من القضاة لديه هموم ومطالب تتجاوز هاجس تحسين الأوضاع المادية إلى مطالب أكثر الحاحا تتعلق بضرورة ايجاد ضمانات حقيقية تكفل لهم استقلال القضاء فرديا ومؤسساتيا. في هذا السياق يمكن فهم عدة مبادرات عرفتها الساحة القضائية الوطنية ومن بينها مقاطعة القضاة لأول مرة لدورات التكوين التي تنظمها الوزارة، ومقاطعة عدد كبير منهم لندوات الحوار الوطني الذي تديره الوزارة ، ورفضهم تسلم مبالغ التعويض عن الاشراف القضائي على الانتخابات في ظل غياب اطار قانوني واضح ينظم هذه المسألة، وهي خطوات توجت بوقفة وطنية للقضاة ببذلهم أمام محكمة النقض تم فيها ابراز جزء كبير من مطالب القضاة، وعلى رأسها مطالبة المجلس الاعلى للقضاء بالتدبير العادل لملفات القضاة بخصوص التعيينات والانتقالات، وفك الارتباط مع وزارة العدل بالاعتراف باستقلال النيابة العامة والإدارة القضائية عنها.
  
مشاريع قوانين لتطويق الحراك القضائي
إن المتتبع لمسار الحراك القضائي الذي عرفه المغرب في السنتين الأخيرتين يستخلص وجود مقومات أساسية أسهمت في بلورة معالم هذا الحراك تتمثل في 3 عوامل أساسية:
· العاملان الدستوري والجمعوي: تضمن دستور فاتح يوليوز 2013 التنصيص على مقتضيات جد متقدمة بخصوص السلطة القضائية. وفيما، بقي بعضها معلقا تنفيذه على صدور القوانين التنظيمية، فقد تولى القضاة بالمقابل بلورة بعضها الآخر على أرض الواقع من خلال ممارسة الحق المكرس فيه في التعبير وتأسيس الجمعيات المهنية للقضاة وعلى رأسها نادي قضاة المغرب. وقد كسرت هذه الجمعية عمليا الاحتكار الذي كانت تشكله "الودادية الحسنية" في تجميع القضاة تحت سياسة تابعة بشكل كبير لوزارة العدل.  

· العامل العمري والفئوي : بالرجوع إلى التحولات التي شهدها المشهد القضائي يتأكد أن جزءا كبيرا من أسباب هذا التغيير مرده الدور الذي لعبه جيل شباب القضاة المطالبين بالتغيير، خاصة القضاة المتخرجين حديثا من المعهد العالي للقضاء وقضاة الدرجتين الثانية والثالثة بالأخص، الذين كان حضورهم لافتا في كل محطات الحراك القضائي بدءا من تأسيس أول جمعية مهنية مستقلة للقضاة، مرورا بحمل القضاة لشارة الاحتجاج، ثم الوقفة الوطنية للقضاة أمام محكمة النقض، حيث تأكد بالملموس الحضور اللافت للأجيال الجديدة من القضاة في الحراك الراهن، وهو جيل استفاد من التطورات التي شهدتها وسائل الاتصال عن بعد والاطلاع عن التقنيات الحديثة (وفي مقدمها الفيسبوك) في هذا المجال فضلا عن أجواء حرية التعبير.
وباستحضار هذه المقومات الثلاث يمكن تحديد أهم المطالب المرفوعة من خلال الحراك القضائي الذي يعرفه المغرب في:

– فك الارتباط التام بين السلطة القضائية ووزارة العدل، ونقل صلاحيات وزير العدل إلى الهيئة الممثلة للسلطة القضائية (المجلس الأعلى للسلطة القضائية)، مع تدعيم دور هذه الهيئة ودمقرطة طريقة اختيار أعضائها الدائمين.
– تحسين الأوضاع المادية للقضاة خاصة القضاة الشباب من ذوي الدرجات الدنيا، وإعادة تصنيف القضاة تبعا لأقدميتهم في الدرجات والرتب الجديدة في إطار نظام ترقيات أكثر تحفيزا.
لكن القراءة الأولية لمضامين مشاريع القوانين التي أعلنت عنها وزارة العدل تؤكد أن هذه النصوص تأتي عكس تطلعات القضاة، بل تعكس إرادة حقيقية في تطويق الحراك القضائي. ومن أبرز الملاحظات الأولية على هذه القوانين والتي سنقوم فيما بعد بتفصيلها، الملاحظات الآتية:
 
مفهوم القاضي النائب أو استخدام أداة الهرمية لاستتباع القضاة الشباب:
فيما قاد الحراك القضائي بالمغرب جيل شباب قبلما ينضم إليهم قضاة آخرون من مختلف الأجيال والدرجات، استحدثت مشاريع القوانين آليات لتقييد القضاة الشباب. وأخطر الإجراءات المتخذة في هذا المجال، إيجاد فئة جديدة هي فئة "القاضي النائب"، والتي تضم القضاة خريجي المعهد العالي للقضاء. ويعد القاضي النائب قاضيا مؤقتا تحت التجريب لسنتين، مع اعطاء مسؤوله المباشر سلطة تقييمه للقول ما إذا كان يستطيع الاستمرار في القضاء. وبهذه التقنية، بدت الوزارة وكأنها تستخدم تقنية الهرمية القضائية لثني القضاة خريجي المعهد عن الانخراط في الحراك الذي غالبا ما شكلوا محركه الأساسي، مع السعي الى تحويلهم الى قضاة مطيعين، يشتغلون وفق ما تمليه عليهم ارادة مسؤولهم المباشر. وبالطبع، من شأن اقرار مقترح مماثل، إعادة انتاج نوع من السلطوية لكبار القضاة على القضاة الشباب. وتجدر الإشارة هنا الى أن نادي قضاة المغرب عمد في السنتين الأخيرتين الى نشر بيانات عدة لفضح محاولات التدخل والتأثير لكبار القضاة في أعمال الشباب منهم (تبليغ عن خرق جمعيات عمومية، محاولة تدخل في ملفات رائجة، محاولة ضغط على القضاة لتسلم مبالغ التعويضات عن الاشراف على الانتخابات، التمييز القائم على الانتماء الجمعوي…).
 
اسهاب في تقييد تأسيس الجمعيات وتوسيع حالات الحل
وتغليب الشؤون الاجتماعية والثقافية على مطالب الاستقلالية
من جهة ثانية، وفي الاتجاه نفسه، يلحظ أنمشاريع القوانين عمدت الى تقييد حق القضاة في تأسيس الجمعيات مباشرة وبشكل أعم تطويق النشاط الجمعوي للقضاة. ومن هذه القيود التي استحدثتها المشاريع الجديدة المادة 86 التي نصت على أنه: "يجب ألا يقل عدد أعضاء جمعية مهنية للقضاة عن 300 قاضي موزعين بحسب مقرات عملهم على خمس عشرة محكمة استئناف على الأقل شرط ألا يقل عددهم في كل دائرة محكمة استئناف عن 5 أعضاء من بينهم امرأة قاضية واحدة على الأقل". وهو نص يهدف بالأساس إلى تجريد عدد من الجمعيات المهنية الحالية من حقها في الوجود وتقييد حق القضاة في تأسيس جمعيات مهنية جديدة، فضلا عن منع القضاة من تأسيس جمعيات جهوية. وفي مقابل وضع هذه الشروط المقيدة لتأسيس الجمعيات المهنية مع الاسراف في وضع تفاصيل يفترض أن تدخل ضمن الاختصاص الأصيل لأنظمة الجمعيات المهنية كما هي حال التفصيل بشأن الأهداف المفترضة لهذه الجمعيات، من اللافت أن مشروع القانون خلا من أي أحكام لضمان التسيير الديمقراطي للجمعيات المنشأة. كما أن من بين الأحكام اللافتة، التوسع في حق كل من يعنيه الأمر بتقديم طلب حل هذه الجمعيات (المادة 89)، مع حصر الاختصاص في النظر في الطعون في الغرفة الإدارية بمحكمة النقض بالدرجة الأولى والأخيرة، في ضرب صارخ لمبدأ التقاضي على درجتين.
 
وبقدر ما حاول مشروع القانون الجديد أن ينظم طريقة تأسيس الجمعيات المهنية للقضاة وحلها، بقدر ما أغفل في المقابل التنصيص على أدوار هذه الجمعيات ووظائفها. وهذا الأمر يتبدى جليا في المادة 85 من مشروع النظام الأساسي للقضاة والذي يحدد أهداف هذه الجمعيات في تشجيع اللقاءات والنقاشات والندوات العلمية، وتحسين وضعية القضاة الاجتماعية والثقافية. بينما تغفل باقي مواد المشروع التنصيص على أدوار فعلية (مسطرة التأديب، الانتداب، انتخابات المجلس الأعلى للسلطة القضائية. فكأنما المشروع يهدف الى حصر مجال اشتغالها في الجانب الاجتماعي والثقافي، من دون أي إشارة الى دورها في الدفاع عن استقلال السلطة القضائية أو في صياغة قواعد سلوك لمكونات السلطة القضائية.
فضلا عن ذلك، حظر المشروع صراحة على القضاة تأسيس نقابات، كما آل الى تجريم الاضراب معتبرا اياه خطأ مهنيا موجبا للمسؤولية التأديبية.
 
ضرب معايير الاستقلالية: قيود على السكن، ونقل القضاة تحت غطاء ترقيتهم، وغياب المعايير الموضوعية لتعيين القضاة     
من جهة ثالثة، يلاحظ أن مشاريع القوانين التي قدمتها الحكومة بخصوص السلطة القضائية لا تزال دون مستوى المعايير الدولية لاستقلالية القضاء. ومن بين جوانب القصور المسجلة بهذا الخصوص، يلاحظ أن النظام الأساسي للقضاة ألزمهم بالإقامة داخل نفوذ المحاكم التي يزاولون عملهم بها، دون الزام الدولة بضمان توفير سكن وظيفي ملائم لهم أو تعويض عن السكن في حال تعذر ذلك كما هو الحال بالنسبة للنظام الأساسي للقضاة بالجزائر(المادة 20)، واليمن (المادة 70). بل ويلاحظ أن مشاريع القوانين الجديدة فشلت في ترسيخ الاستقرار الوظيفي للقضاة تحصينا لاستقلاليتهم حيث اعتبرت الترقية من بين الحالات المبررة لتنقيل القضاة وهو ما يعد استمرارا وشرعنة للحيف الذي يطال عددا من القضاة بمناسبة الاستفادة من حق من حقوقهم وهو حق الترقية الذي يتحول بسبب هذا المقتضى إلى نقمة.
كما جاءت هذه المشاريع جد محتشمة على مستوى اقرار قواعد موضوعية وشفافة على صعيد تدبير الوضعية الفردية للقضاة. فرغم التنصيص في المادة 60 من مشروع القانون المنظم للمجلس الأعلى للسلطة القضائية على أن المجلس يعتمد على مبادئ تكرس تكافؤ الفرص والاستحقاق والكفاءة والشفافية والحياد والسعي نحو المناصفة، إلا أن تطبيقات هذا النص بقيت عامة وخلت من الإشارة الى معايير موضوعية أساسية كدرجة الاستحقاق لتعيين القضاة المتخرجين من المعهد العالي.  
 
انتداب قاض ل"تصفية قضية"
ومن النقاط السوداء في مشاريع القوانين الجديدة التي أعدتها الوزارة تلك المتعلقة بالانتداب. فرغم نقل سلطة انتداب القضاة من يد وزير العدل إلى يد أحد الرؤساء المنتدبين (الرئيس الأول والوكيل العام للملك بمحكمة النقض، الرؤساء الأولون والوكلاء العامون بمحاكم الاستئناف)، إلا أن مسطرة الانتداب جاءت عامة وغير مقيدة بأي شروط من شأنها الحؤول دون استعمال هذه الآلية كعقاب مبطن أو وسيلة للمس باستقلال القضاة، على خلاف بعض التشريعات المقارنة التي وضعت بعض الضمانات للقضاة. وهذا ما نقرأه مثلا في القانون الأردني الذي نص على أنه يراعى في الانتداب أن لا تكون الوظيفة أو العمل الذي انتدب إليه القاضي أدنى درجة من درجته أو العمل المنوط به، والقانون المصري الذي اشترط موافقة الجمعية العمومية للقضاة بالمحكمة.

لكن الخطير في مسطرة الانتداب وفق مشروع القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ما ورد في المادة 37منهى التي تنص على أنه: "يمكن للرئيس الأول لمحكمة النقض أو الوكيل العام للملك لديها، كل فيما يخصه، انتداب قاض لملء فراغ بإحدى المحاكم؛ كما يمكن للرؤساء الأولين لمختلف محاكم الاستئناف والوكلاء العامين للملك لديها، كل فيما يخصه، انتداب قاض للمشاركة في تصفية قضية أو لملء فراغ بإحدى المحاكم التابعة لدوائر نفوذهم القضائية من بين القضاة العاملين بهذه الدوائر". وأسطر بخط أحمر على عبارة "انتداب قاض لتصفية قضية"، لأتساءل حول مفهوم وغاية انتداب قاض من أجل تصفية قضية ما. وما نوع هذه القضايا التي تستدعي انتداب قاض بعينه، وما إذا كان من شأن ذلك أن يؤثر في مسار القضية المذكورة لصالح الجهة التي انتدبت هذا القاضي؟ ويمكن في هذا الصدد أن نتذكر جانبا مما كان يحكى خلال سنوات الرصاص حينما كان يتم انتداب قضاة وأحيانا هيئات قضائية للبت في ملفات بعينها.
 
الهرمية بدل المساواة، والاقصاء بدل روح المشاركة
أخيرا، تجدر الإشارة الى أن مشاريع القوانين المرتقبة قد رشحت عن نظرة فئوية ضيقة تظهر بجلاء رغبة في اذكاء الهرمية داخل الجسم القضائي، وتركيز السلطات في يد المسؤولين القضائيين الذين يكون لهم دور كبير في الترقية واشتراط أقدمية خمس سنوات للترشح لعضوية المجلس الأعلى للسلطة القضائية، مع تغييب المقاربة التشاركية بتهميش أي دور مرتقب للجمعيات العمومية للقضاة بالمحاكم ولشباب القضاة الذين يبدو أنهم أصبحوا تيارا مقلقا، آن الأوان لاجتثاثه. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، مقالات ، المغرب



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية