مسيرة النساء الجامعة تظلل قضايا الفئات المهمشة في البلاد


2018-03-12    |   

مسيرة النساء الجامعة تظلل قضايا الفئات المهمشة في البلاد

حولت نساء لبنان، وللعام الثالث على التوالي، الثامن من أذار، اليوم العالمي للمرأة، إلى محطة نضالية جامعة، عبر المسيرة النسوية التي لا تقف عند حدود حقوق النساء اللبنانيات بل تتعداها إلى قضايا كل النساء المقيمات على الأراضي اللبنانية من لاجئات وعاملات وغيرهن.

ونجحت مسيرة الأحد النسوية، كما العام الماضي، في تشكيل مظلة متينة تجتمع تحت تنوعها وعديد المشاركين والمشاركات فيها والذين تجاوزت اعدادهم/ن الآلاف، الفئات المهمشة سواء التي تعاني من النظام الأبوي والطائفي والذكوري أو التمييز السلبي في سلة الحقوق والقوانين المرعية الإجراء. وعليه، كسر السائرون والسائرات حاجز الخوف الفردي لصالح تضامن الجماعة وتعاضدها في رفع المطالب والحقوق المتنوعة، جاعلين من الحيز العام مساحة صديقة ومناصرة لا نافرة.

وفي يوم مشمس كيوم أمس الأحد، فرضت النساء انفسهن كقوة تغيير أساسية في البلاد تكريسا لنضالات السنوات الأخيرة التي انتجت تشريعات وتعديلات في قوانين تخص المرأة (العنف الأسري والمادة 522) وتقديم مشاريع قوانين أخرى(تزويج القاصرات)، وتحويل قضايا النساء إلى قضايا رأي عام. 

ومن أمام قصر عدل بيروت بدأت المسيرة التي دعت إليها جمعيات نسائية رافعة شعار "قضايانا متعددة، غضبنا واحد" أحياء ليوم المرأة العالمي الذي يصادف في الثامن من آذار. عبر المشاركون/ات شوارع البربير، النويري وصولاً إلى حديقة كرم العريس في البسطة، وسط تنوع كبير لمختلف الفئات الاجتماعية من النساء والرجال والشبان والشابات واللاجئات والعاملات المهاجرات.  واتخذت المسيرة طابعاً حقوقيا بامتياز، لم ينحصر في حدود القضايا النسائية فحسب. بل تعداها إلى رفع شعارات مطالبة بالحريات السياسية وباحترام الميول الجنسية وإلغاء كافة اشكال التمييز، إلى جانب الشعارات المطالبة بإقرار القانون المدني للأحوال الشخصية وأخرى تطالب بالثورة على المجتمع الأبوي "الناشز"، وبكسر الصورة النمطية عن المرأة والتنديد بالعنف الممارس عليها. 

وعليه، ردت نساء لبنان أمس الأحد الصاع صاعين على أكثر من جبهة:

-الأولى للمسؤولين في الدولة وقواها السياسية الذين لا يحركون ساكناً لرفع التمييز السلبي تجاهن في مجالات عدة من الحق بالجنسية مرورا بالقوانين وصولاً إلى المشاركة السياسية في مجلسي النواب والوزراء. قلنّ  لكل من يهمه الأمر "لسنا يائسات، لن نستجدي منكم حقوقنا، سننتزعها بنضالنا الجامع" وب"الغضب" الذي كان إلى جانب التضامن شعار المسيرة، كما أوحت لافتات عدة. لا بل أكثر من ذلك، تحولت مسيرة الأحد النسوية إلى رافعة لمروحة واسعة من حقوق الإنسان والفئات المهمشة في المجتمع، من مثليات ومثلي الجنس إلى العاملات والعمال المهاجرات إلى مغايري الجنس إلى اللاجئات الفلسطينيات والسوريات وغيرهم. أكدت نساء لبنان ومناصرو حقوق الإنسان ما يتم تكريسه في السنوات الأخيرة على أن الحراك النسوي يكاد يكون الأنجح على صعيد البلاد. وأتاحت النساء أمس لمجموعات من الذين يعانون من التمييز السلبي والإنتهاكات سواء القانونية أو المجتمعية من عاملات مهاجرات إلى مثليي ومغايري الجنس الخروج إلى الحيز العام في جو من التكافل والتضامن وعدم التوجس من أي ردود فعل سلبية.

الثانية: تجاه بعض الخلافات بين بعض الجمعيات والمجموعات حيث لم يؤثر التوتر الذي سبق المسيرة على تنوع وأعداد المشاركين والمشاركات من مختلف الإنتماءات والأعمار والمناطق والجنسيات والطبقات الاجتماعية والخلفيات والفئات. بدا ان بعض النسويات دفنّ سوء الفهم في مكانه وأعلين مصلحة النساء فوق كل اعتبار، برغم عدم مشاركة البعض، وعلى رأسهن رئيسة المجلس النسائي اللبناني المحامية إقبال دوغان.

ثالثاً: نادرا ما يجمع حراك في الشارع أفرادا وجماعات   قد لا تتفق حول جميع الشعارات المرفوعة سواء في السياسة كشعار "الغاء الطائفية" و"تحية لنساء الغوطة" وللنساء المعتقلات أو على صعيد المفاهيم المجتمعية، من دون نسيان نساء فلسطين ومعاناتهن مع الاحتلال الإسرائيلي. وعليه غصت أحياء بيروت الشعبية كالبربير والنويري والبسطة بهتافات ضد الإغتصاب الزوجي، ومنها شعارات مثليّ ومغايري الجنس الذين سار بعضهم بألبسة تعكس هويتهم وميولهم رافعين أعلامهم، وهتافات تؤكد أن "متحولة الجنس ايضاً امرأة" وعلى الحق باحترام الأخر المختلف وميوله وحياته الخاصة.

ورغم أنه لم يتم إعلان أي بيان موحد حيث كان المجال مفتوحاً أمام الجميع  للتعبير بحرية. ومع التنوع بين المجموعات المشاركة لم يكن للمسيرة "رأس واحد" بالمعنى الرسمي حيث بدا أن كل فريق يطلق هتافاته من دون تشكيل "بلوكات" متنافرة، وإنما ضمن بوتقة جامعة مظلتها حقوق الإنسان وثوابتها.

 ومع العاملات المهاجرات رفعت شابات ونساء وشبان ورجال من جنسيات مختلفة لافتات تطالب بإسقاط نظام الكفالة ومساءلة الدولة عن سبب تزايد حالات انتحار العاملات في الخدمة المنزلية.

وفي الأحياء السكنية ارتفع صوت السائرات بدعوة النساء من شرفاتهن إلى المشاركة: "يلي واقفة على البلكون، إنزلي امشي معنا هون".

ومع تنوع المشاركين/ات تنوعت الرؤية للتغيير"فهي تبدأ من التربية في المنزل وعلى مبدأ المساواة للخروج من النظام الأبوي"، وفق الناشطة في "بيروت مدينتي" ناهدة خليل.  فيما تقف الناشطة في لجنة حقوق المرأة اللبنانية نزيهة سعيد عند "رمزية الشارع التاريخية في نضالات النساء حيث تحققت أهم الإنجازات وعلى رأسها الحق بالاقتراع".   

من جهتها، تعيد مديرة "كفى" زويا روحانا نجاح المسيرة رغم تعدد المطالب والاختلافات الموجودة، إلى فعالية التواصل مع الجمعيات والإجماع على الهدف المرجو منها الا وهو حقوق النساء". وعن انكفاء المجلس عن المشاركة تكتفي بالقول إن "المجلس ربما وقف عند إشكالات بسيطة كان من الممكن تخطيها".

وترى نائبة رئيسة التجمع النسائي الديمقراطي كارولين صليبي أن النساء هن المتضررات من النظام الطائفي، لذا فإن الثورة عليه ضرورية لتغيير موازين القوى في لبنان، ولإسقاط النظام الأبوي القائم على الزبائنية خصوصاً مع الوعي اللافت للفئات الشابة على أهمية دور المرأة". وتلفت الصحافية والكاتبة سحر مندور إلى أن "المسيرة جامعة لكل الفئات الاجتماعية وما يدل على أن النساء وحدهن قادرات على تفعيل تحرك شامل من هذا النوع".  

وينظر الأستاذ الجامعي محمود البطل من حوله ليعتبر أن "غياب المرأة عن التمثيل في الحياة السياسية أمر معيب بحق دولة تدعي الديمقراطية والتحضر".    

ومن بين العاملات المهاجرات، تتحدث بيزو، العاملة الأثيوبية، عن المشاكل المتعددة التي تبدا مع العاملة من لحظة دخولها إلى لبنان وتعاقدها مع مكتب الاستخدام، إلى تعرض بعض العاملات للتحرش والاغتصاب والعنف الجسدي والمعنوي والمادي من دون وجود أي رادع أمام المستغلين" وفقاً لتعبيرها.   

وعلى أمل أن لا يقتصر النضال الجامع والمتكافل الذي عبرت عنه مسيرة النساء في يومهن العالمي، بل  يمتد طوال العام بهذا التضامن والتعاضد في سبيل حقوق الإنسان بكل فئاتهم وعلى اختلاف قضاياهم وانتماءاتهم وجنسياتهم.

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، حراكات اجتماعية



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية