مسنّون وراء أبواب مغلقة..


2021-02-02    |   

مسنّون وراء أبواب مغلقة..

كأنّه كان ينقص المسنّين في دور الرّعاية في لبنان فيروس كورونا ليجعل حياتهم بلا أيّ طعم، هم الذين تركوا بيوتهم مكرهين هرباً من الوحدة أو طمعاً بالرّعاية أو لعدم وجود من يهتمّ بهم في منازلهم. ازدادت عزلة هؤلاء بعد أن أُغلقت الأبواب عليهم نهائياً وما عادوا يستقبلون زوّارهم وأصبح التواصل مع عائلاتهم مقتصراً على الهاتف. أما نشاطاتهم اليوميّة فصارت تقتصر على مجرّد السير بين أروقة الدار أو باتّجاه الحديقة إذا ما توفّرت، بعدما توقّفت جميع النشاطات الترفيهيّة. يضاف ذلك إلى ازدياد خوفهم على حياتهم بعد انتشار فيروس خبيث يتربّص بكبار السّن قبل غيرهم من البشر.

ازداد الإحباط والضغط النفسي عند المسنّين

أصيبت شقيقة ريتا البالغة من العمر 75 عاماً والمقيمة في دار رعاية للمسنّين في شمال لبنان بفيروس كورونا. تقول ريتا: “أحد العاملين في المركز بدت عليه عوارض الرشح ثم تبيّن بعد حين أنّه مُصاب، فأجريت الفحوصات لجميع المخالطين وكانت أختي من بينهم”. تأسف ريتا على وضع أختها التي منذ عزلها وهي محبطة وتشعر بالخوف ولا ترضى أن تأكل. فتقول: “اتّصلوا بي من المركز وطلبوا منّي الحديث معها، عند تواصلي معها قالت لي إنّها خائفة من أن تصيبني أنا العدوى وطلبت مني ألّا أزورها”. تُضيف، “شرحت لها أنني بخير وأنّني لن أتوجّه إلى المركز، هدّأت من روعها وشرحت لها أنّه عليها أن تهتم بصحّتها”.

خلال العام الماضي، أي منذ بدايّة انتشار فيروس كورونا في لبنان، لم ترَ ريتا أختها سوى عشر مرّات بسبب القيود الشديدة التي يفرضها مركز المسنّين، وكانت الزيارة من أمام جدار زجاجي يفصل بينها وبين أختها. تقول: “أعلم أنّها حزينة، وما يزيد من حزنها هو أنّ والدتي كانت شريكتها في الغرفة وتوفّيت منذ سنة أمامها”. وتضيف: “قبل سنتين كانت أمّي وأختي تسكنان معي في المنزل، وكان معي عاملة منزليّة تساعدني. لكن مع اشتداد الأزمة الاقتصاديّة تركت العاملة العمل فبقيت وحدي أهتم بهما، لكنّ أختي وقعت وكسرت وركها فأصبح حجم الاهتمام الذي تتطلبه مضاعفاً، فما كان لديّ حلّ سوى أن يسكنا معاً في المركز حيث تتلقيان الاهتمام والرعاية الصحيّة”.

الحالة النفسيّة التي تواجه شقيقة ريتا تلتقي مع ما تشرحه المتطوّعة في مستشفى “عين وزين ميديكال فيلدج” في الشوف أمل رسامني. تقول أمل لـ”المفكرة”: “المسنّون في دور الرعاية يحاولون قدرَ المُستطاع تخطّي هذه المرحلة”. أمل هي الوحيدة من فريق المتطوّعين التي لا تزال المستشفى تسمح لها بالدخول إلى المركز، علماً أنّها تتخذ أقصى درجات الوقاية وتلتزم التباعد الاجتماعي عند لقاء المسنّين. تنقل لـ”المفكرة” من خلال مراقبتها للتغيّرات التي طرأت على المسنّين أنّ “هناك شعوراً بالإحباط عندهم، فهم لا يرون أفراد عائلتهم ويفتقدون بشدّة للنشاطات الترفيهيّة التي كانت تحصل ثلاث مرّات في الأسبوع من قبل فريق من المتطوّعين مؤلف من 37 شخصاً”. تشرح أمل أنّ “الترفيه عند المسنّ يسهّل عليه تواجده في المركز، ويشعره بالسعادة ويخفف عنه أوجاعه”. لذا، تحاول أن تلبّي قدر المستطاع طلباتهم بشكل لا يتعارض مع إجراءات المستشفى: “اليوم جلبت لهم العصير، لأنّهم طلبوه منّي بالأمس”. تُضيف، “نضع حمايتهم قبل كل شيء، لكننا سنبقى نحاول التخفيف عنهم”.

هل تفادت دور الرعاية في لبنان المأساة الأوروبيّة؟

منذ بدايّة انتشار فيروس كورونا حول العالم، شهدنا على مأساة أصابت كبار السن، أعداد هائلة من الوفيّات بينهم، والنسبة الكبيرة أصابت أولئك المقيمين في دور الرعاية. في أيّار، صدرت أنباء من السويد تفيد بأنّ نحو نصف الوفيّات جرّاء فيروس كورونا مسنّون مقيمون في دور الرعاية[1]. أنباء مشابهة صدرت من كندا وإيطاليا وفرنسا وأسبانيا وإيطاليا حيث حصلت الكوارث بحقّ المسنين في دور الرعاية. أمّا في لبنان، فلا يوجد إحصاء رسميّ لعدد حالات الإصابات في دور الرعاية، إنما يُشير التقرير اليومي لترصّد العدوى الصّادر عن وزارة الصحّة إلى أنّ أعداد الوفيّات لمن تجاوزت أعمارهم ستين عاماً وصل إلى 1455 حالة وفاة في 15 كانون الثاني 2021 من أصل 1781 وفاة، فيما تحتلّ الإصابات لمن هم فوق الستين معدّلاً يفوق الـ5000 شخص في كل مئة ألف نسمة، ولكن من دون تفاصيل تتعلّق بما إذا كان بعضهم في دور رعاية أم لا.

ولكن يقول رئيس العناية الطبية في وزارة الصحّة الدكتور جوزيف الحلو بأنّ دور رعاية المسنّين إضافة إلى المصحّات العقليّة شهدت انتقال العدوى إلى نزلائها، وفي معظم الأحيان كانت حالات خفيفة وجرى تعافي المصابين. وإذ يلفت إلى عدم وجود إحصاء رسمي بأعداد المصابين داخل المؤسّسات الرعائية، يؤكد أنّ “العدد المحتمل لا يزيد عن 300 مصاب منذ شباط 2020” (حتى نهايّة 2020). ويضيف، “نحن سيطرنا على الوضع بالنسبة إلى دور الرعاية، ونتواصل مباشرة مع مدرائها والمسؤولين فيها”.

من جهتها، تؤكّد رئيسة مصلحة الرعاية الاجتماعية في الوزارة ندى فوّاز أنّه “منذ البداية التزمت مؤسّسات رعاية المسنّين بأقصى درجات الحيطة والحذر لحمايتهم”. وتشير إلى أنّ “متابعة هذا الأمر يجري لدى وزارة الصحّة”. وترجح أنّ “المأساة التي شهدتها أوروبا، سببها أنّ دور الرعاية سمحت بالزيارات خلال مرحلة انتشار الفيروس على عكس المؤسّسات في لبنان التي تداركت الأمر بسرعة وأغلقت أبوابها”.

وقليلة هي المؤسّسات التي أعلنت انتقال فيروس كورونا إليها، فيما رفضت بعض المؤسّسات التي انتشرت أخبار عن إصابات بين المقيمين فيها التعليق على أسئلة “المفكرة القانونية”، منها مستشفى دير الصليب المعنيّة بالاهتمام بالمرضى النفسيين وبينهم مسنّون. ونقلت وسائل إعلاميّة أنّ المستشفى واجه انتقال فيروس كورونا إلى 84 من النزلاء لديه. وبتواصلنا مع وزارة الصحّة، أكد الحلو أنّ “الوزارة تدخّلت منذ إعلامها بانتقال الفيروس وأرسلت خبراءها للإشراف على عمليّة حجر المصابين والعناية بهم”. ولفت إلى أنّ الإصابات لم تكن خطيرة على حاملي الفيروس.

وصرّحت مديرة المركز العائلي الطبّي جوزيان معوّض أنّه “جرى تفادي انتقال العدوى طيلة العام المنصرم إلى مركز المسنّين، إلّا أنّه لسوء الحظ أصيب أحد الممرّضين وانتقلت العدوى لممرّضتين و5 من المسنّين المقيمين فقط”.

من جهته، يؤكد مدير عام مستشفى دار العجزة الإسلاميّة شميطلي عن “وجود حالة إصابة وحيدة لمسنّة في المستشفى الذي يُقيم فيه نحو 300 مسن ومسنّة و300 مريض نفسي، مع العلم أنّ المستشفى اتخذ إجراءات صارمة بمنع الزيارات”. ويشير شميطلّي إلى أنّه “جرى إجراء فحوصات PCR لجميع مخالطي المسنّة ولم يتبيّن وجود أيّ حالة أخرى إيجابيّة غيرها”. ويرى شميطلّي أنّ “انتقال العدوى إلى المسنّة غير محدد المصدر، فيما نشك بأنّه انتقل إليها عبر الأوراق النقديّة التي أرسلها أولادها لها قبل وقت قصير”.

الكلفة الرسميّة لرعاية المسنّ فقدت قيمتها مع انهيار سعر الصرف

من خلال مقابلاتنا لعدد من القيّمين على دور الرعاية على تنوّعها[2]، ينقل بعضهم أنّ وزارة الصحّة عمّمت عليهم الإرشادات المبنيّة على تعليماتها حول الوقاية من الفيروس، في حين يشير البعض الآخر إلى أنّ “التواصل مع وزارة الصحّة خلال هذه المرحلة الاستثنائيّة كان محدوداً جداً”.

ودور رعاية المسنّين المتعاقدة نوعان: المستشفيات التي تتعاقد مع وزارة الصحّة العامّة حيث يحتاج نزلاؤها وهم من المسنّين إلى رعاية صحّية. والنوع الثاني، مراكز رعائيّة تتعاقد مع وزارة الشؤون الاجتماعيّة وتكون حاجات نزلائها اجتماعيّة، كتأمين مسكن. وعادة ما تتعاقد المؤسّسات مع كلا الوزارتين، حسب نوع الحالات المقيمة لدى المؤسّسة. ويظهر أنّ وزارة الصحّة تعاقدت مع 30 مؤسسة فيما يوجد 7 مؤسّسات في طور التعاقد، وهذه المؤسّسات هي مستشفيات وغالباً من الفئة الثانيّة. أمّا وزارة الشؤون الاجتماعيّة فمتعاقدة مع 35 مؤسّسة معنيّة برعاية المسنّين (لأسباب اجتماعيّة لا صحيّة).

وتدفع وزارة الصحّة العامّة كلفة يوميّة عن كلّ مسنّ في دار متعاقدة معها 27.500 ألف ليرة، و40 ألف ليرة للمستشفيات المعنيّة برعاية الأشخاص من ذوي الأمراض العقليّة. فيما تدفع وزارة الشؤون الاجتماعيّة كلفة تعاقد يوميّة لا تتجاوز 17 ألف ليرة. هذه الكلفة التي لطالما اعتبرت متدّنية بالنسبة للمؤسّسات الرعائيّة، أصبحت اليوم لا تكفي ثمن نصف وجبة غذاء لكلّ مقيم في مؤسّسة رعائيّة بسبب انهيار سعر الصرف الرسمي مقابل الدولار.

من جهته، يشرح مدير العناية الطبيّة في وزارة الصحّة د. جوزيف الحلو ماهيّة الدور الذي قامت به وزارة الصحّة بالنسبة لمراكز الرعاية إضافة إلى تطرّقه إلى مسألة الكلفة التي تدفعها الوزارة للمراكز ضمن العقود بينهما. يقول الحلو إنّ “دور وزارة الصحّة شمل الرقابة التي تمارسها على المستشفيات عبر الأطباء المراقبين فيها” لافتاً إلى أنّ “المستشفيات ومن ضمنها المستشفيات المعنيّة برعاية المسنين والمرضى العقليين والنفسيين تلتزم بإرشادات وزارة الصحّة العامّة”. وينظر الحلو إلى “دور الأطباء المراقبين بأهميّة عالية في هذا المجال، إذ يكمن هذا الدور في التشديد على ضرورة التزام الموظفين والمدراء بالإجراءات الوقائيّة”. ويشرح بأنّ “وزارة الصحّة تقوم بالتواصل المباشر مع مدراء المستشفيات بهدف الاطّلاع على الإجراءات التي تتّخذها، عدا عن أنّنا أوصينا ببعض الإجراءات كمنع الزيارات وإلزام الموظفين بالنّوم في مراكز الرعاية”.

ويعلّق الحلو على هذه الكلفة التي يصفها بالمتدنية جداً ويقول: “كنّا نحاول رفع المبلغ منذ سنوات، وذلك يحتاج إلى موافقة وزارة المال، لكنّنا اصطدمنا بسوء الأوضاع الاقتصاديّة”. ويؤكد، “هذه الكلفة لم تعد منطقيّة، فهي بسيطة جداً لا تؤمّن احتياجات المسنّ اليوميّة”. ويُضيف: “على الدولة أن تعيد النّظر في التسعيرة لتكون أكثر عدلاً”.

 

 

  1. فيروس كورونا: ماذا يحدث في دور رعاية المسنين في السويد؟، بي بي سي ستوكهولم، 20 أيار 2020.
  2. أجرت “المفكرة” مقابلات مع مسؤولين في: دار العجزة الإسلامية، وهو مستشفى متخصّص برعاية المسنّين والمرضى العقليين، ومستشفى عين وزين، مركز رعاية للمسنين وجمعية أنت أخي، رعاية المعوّقين.

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، جائحة كورونا ، سياسات عامة ، فئات مهمشة ، قطاع خاص ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مجلة ، مجلة لبنان ، مساواة ، مقالات



لتعليقاتكم