مسلسل الفلوجة وشبح الصنصرة الفنية


2023-04-13    |   

مسلسل الفلوجة وشبح الصنصرة الفنية
رسم عثمان سلمي

معهد ثانوي ضخم، إطار تربوي متسلط، تلاميذ يتعاطون المخدرات وعائلات مفككة. كل هذه العناصر اجتمعت في الحلقات الأولى لبثّ مسلسل فلوجة، وكانت كفيلة بإشعال جزء من الرأي العام على مواقع التواصل الاجتماعي، منذ أولى ليالي رمضان. ارتفعت مطالب إيقاف البثّ بل وحتى محاسبة من “يقف وراء هذا العمل”، حتى وصلت إلى أعلى هرم السلطة. فقد أكّد وزير التربية محمد علي البوغديري أنّ المسألة أصبحت تحت أنظار رئيس الجمهورية نفسه، الذي أمسى صاحب السلطة المطلقة في التقييم والإشراف على محتوى المادة الإعلاميّة المقدمة الذي يقرّر بثها من عدمه ولمَ لا حتى التحوير فيها مستقبلا، بناء على “نظرته الشمولية لمشاكل المجتمع”.

مسألة مدى قابلية التونسي- شعبا وسلطة- لتقبل الأعمال الدرامية الجريئة من عدمه، موضوع رحب للبحث السوسيولوجي والنفسي. غير أننا هنا، سنسعى لتتبّع مسار آخر سرعان ما حادتْ نحوه حيثيات هذه المسألة، أي تحوّله من فرصة لإثارة نقاش اجتماعي وتربوي وثقافي، إلى قضية ونزاع قضائي محمّل بأبعاد قطاعية وسياسية. صحيح أنّه سبق وأن شهدنا أمثلة عدة، وضعت فيها مسألة حرية التعبير وحرية الإبداع بإلحاح على محكّ مقصلة الرقابة منذ 2011[1]. غير أنّ الملفت هذه المرة، هو السياق العامّ وما يشوبه من تضييق متسارع ومُتصاعد في علاقة بالحقوق والحريات، خصوصا منذ إقرار المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلّق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال وما تزامن معه من ملاحقات في حقّ عدد مهمّ من الصحفيين والإعلاميين. وفي هذا السياق، قد تكون “نازلة الفلوجة” قضية أخرى محتملة من جملة قضايا الرأي والتعبير في المرحلة الأخيرة، غير أن المميز فيها هو أننا نشهد لأول مرة محاولة مباشرة لفرض الوصاية على عمل درامي أو فني في تونس ما بعد 25 جويلية، وبالتالي نكون أمام فصل جديد من نوعه من فصول صراع حريّة الإبداع والتعبير أمام نزعات الرقابة والوصاية المتنامية.

“الهايكا” والتهميش المقصود

مثّل إحداث الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري عبر المرسوم عدد 116 لسنة 2011، ثمّ إرساؤها في 2013، خطوة للدفع نحو مقاربة جديدة لتنظيم المشهد الإعلاميّ بعد الثورة، ولتحقيق التوازن بين مطلبين: إعلام حر وديمقراطي من جهة وضمان مقتضيات الأمن العام. ومع ضبابية هذا المفهوم الأخير وقابليته للتأويل في كلّ الاتجاهات، كان التحدّي المفروض على الهيئة هو تحقيق هذه الموازنة، الأمر الذي يستوجب منحها الآليات والصلاحيات القانونية اللازمة لذلك. وتتعدد بناء عليه المهام الموكلة لها، وعلى رأسها الدور التعديلي والرقابي الذي نص عليه بشكل صريح الفصل 15 من المرسوم 116، الذي عكست عباراته توجها لحصر الدور الرقابي في السعي نحو تحقيق مشهد إعلامي متوازن ومنسجم مع قيم الحرية وعدم التمييز[2].

وبالرجوع للتطبيقات العملية لهذا الدور في السنوات الثلاث الأخيرة، نجد تواتر الأمثلة على هذه العملية الرقابية خاصة في علاقة بالمواد الفنية المبثوثة في شهر رمضان. إلاّ أن الملاحظ هنا هو الطابع المتدرج لقرارات الهيئة وغياب الركون للقرارات الجذرية القصوى كمنع البث النهائي، على الأقل في المرحلة الأولى. لذلك جاءت القرارات متراوحة بين لفت النظر الذي يقتصر على توجيه تنبيه للمؤسسة الإعلامية المعنية، أو تغيير توقيت البث وتأخيره لأوقات معينة، إضافة لإلزام المؤسسة بالتنصيص قبل عرض العمل لمدة عشر ثواني على أنّه يتضمن مشاهد عنف شديد غير ملائمة للأطفال.

أما عن الأسباب وراء فرض هذه الإجراءات فنجدها عادة منصوصا عليها ضمن حيثيات القرارات بشكل صريح، من قبيل الاحتواء على مشاهد عنف شديد من شأنها التأثير على الفئات الحساسة وخاصة الأطفال أو استعمال بعض العبارات غير اللائقة أو وجود إيحاءات وإشارات مبتذلة من شأنها التأثير على الفئات الحسّاسة من المشاهدين.

وما يهمّ هنا، بقطع النظر عن الاتفاق مع فحوى هذه القرارات من عدمه، هو أنّ “الهايكا” كسلطة رقابية لم تتوقف عن ممارسة دورها وضمن الإطار القانوني المخول لها ذلك. ولكن مع تصاعد الجدل حول بثّ مسلسل الفلّوجة، لم تبرز الهيئة كطرف محدد ضمن النزاع، باستثناء تصريح يتيم، أجّلت فيه اتخاذ أي قرار لحين توضح معالم العمل من جهة. كما ذكّرت بتعطيل الإدارة والحكومة المتعمد لتنفيذ جملة من القرارات التي سبق وأن اتخذتها الهيئة من جهة أخرى[3]. وبالتالي فلئن لم تدخل سلطة المراسيم أي تغيير مباشر على المرسوم 116 المنظم لعمل الهيئة، ولم يعلن بعد أيّ قرار سياسي فعلي في حلّها أو تجميد عملها أو إغلاق مقراتها المركزيّة على غرار هيئات أخرى، إلا أن تهميش الهيئة وإفراغ قراراتها من جدواها في مسائل مثل هذه، لا يمثل في النهاية سوى وسيلة أخرى من وسائل إضعاف وتحجيم الهيئات المرتبطة بمنظومة الانتقال الديمقراطي ودستور 2014. ولعلّ تغييب الهيئات الدستوريّة المستقلّة من دستور الرئيس، باستثناء هيئة الانتخابات المفتقرة لضمانات الاستقلاليّة، بالإضافة إلى الطابع الرئاسوي للنظام السياسي، دليل كاف على أنّ هذه الهيئات هي أيضا “من عداد الماضي”، مع تأجيل التنفيذ.

القضاء الاستعجالي على الخط

في اليوم الموالي لبث الحلقة الثانية من مسلسل “الفلوجة”، راجت في مواقع التواصل الاجتماعية صورة لدعوى قضائية استعجالية رفعها محاميان بهدف إيقاف بث المسلسل قضائيا. وقد رفع المحاميان هذه الدعوى أصالة عن نفسيهما باعتبارهما من “الأولياء الذين تفاجؤوا بما تم بثه وبحضور أبنائهم الذين انصدموا من هذا المحتوى” على حد عبارات نص عريضة الاستدعاء. وهذه الدعوى ملفتة للنظر بخصوص الجهة الموجهة لها وكذلك الشكل الذي اختاره القائمان لها.

أما بخصوص الجهة الموجهة لها، فهي رئاسة المحكمة الابتدائية بتونس وهي جهة قضائية بحتة، وهو ما يثير الاستغراب حول تخيير التوجه نحو القضاء العدلي عوضا عن “الهايكا” التي تتمتع بصلاحيات مباشرة في الغرض ناهيك عن التخصص والدراية بشؤون القطاع وخاصة لسهولة إجراءات رفع الشكاية، والذي يتم عن طريق الموقع الإلكتروني للهيئة وهو أمر متاح لجميع الأشخاص المعنويين والطبيعيين. بل إنّ هذا الصنف من الشكايات هو أساس عمل الهيئة في علاقة بدورها الرقابي، ففي سنة 2020 مثلا، تلقت الهيئة 290 شكاية، 90% قدّمها أشخاص طبيعيون[4]. وعليه فإن المبرر القانوني الوحيد لهذا الخيار، الذي اختاره القائمان بالدعوى، هو إلحاح المسألة وضرورة الفصل فيها بسرعة وفي آجال مختصرة، مما قد يبرّر اللجوء للقضاء الاستعجالي.

غير أن هذا الاحتمال بدوره محل تشكيك قوي. إذ أن اللجوء للقضاء الاستعجالي، وهي مؤسسة قضائية غير عادية تختزل الآجال والإجراءات المعمول بها، يفترض وجود خطر جدي ملم بحق أو مصلحة قانونية يراد من القضاء التدخل لحمايتها وقتيا[5]. لذلك استوجب اللجوء لهذه الآلية، توفر شرطين جوهريين هما التأكد وعدم المساس بالأصل[6]. وعليه فإن القاضي المتعهد يكون مطالبا بالتثبت من مدى وجودهما، ضمن حيثيات النزاع وذلك حتى يأذن بإيقاف البث. أما عن شرط التأكد، فيقصد به الخطر العاجل والملم والمهدد للمصلحة المراد حمايتها، ويخضع في تحديده للسلطة التقديرية للقاضي[7]. وتحديد عنصر التأكد قد يكون يسيرا في أصناف أخرى من النزاعات مثل النزاعات التجارية أو المتعلقة بتنفيذ عقود ما حيث يمكن للقاضي الاستعانة بعناصر موضوعية من قبيل وجود آجال صلاحية قد يؤدي تجاوزها لتلف بضاعة ما، ولكن في مثل هذه الدعوى، لا يمكننا الوقوف على معطى موضوعي واحد للاستدلال عليه. إذ أنّ الحديث عن “الاعتداء الصارخ على كل مشترك إيجابي يجمع هذا الشعب” يقارب الإنشاء البلاغي الذي يحتمل أكثر من تأويل قد يتغيّر من شخص إلى آخر. وما يزيد في تعقيد مهمة القاضي هنا، هي خطورة المصالح المتضاربة. إذ أن طلب المدّعي والذي يستند للنظام العام وتحديدا “النظام العام العائلي” عبر العودة لمجلة حماية الطفل، يتضارب مع جملة من الحقوق والحريات الدستورية وأبرزها حريات النشر والصحافة والتعبير والإبداع، التي يخضع المساس بها لمبدأيْ الضرورة والتناسب وفق الفصل 49 من دستور 2014، والتلاؤم مع دواعي” التضييق حسب الفصل 55 من دستور الرئيس.. وعليه فإن شرط التأكد هنا يبدو في أفضل الحالات محتملا لا موجودا وذلك لضبابية المصلحة المراد حمايتها وتعارضها مع الحريات الدستوريّة.

وما يزيد الأمر تعقيدا، هو الشرط الثاني المتعلق بعدم المساس بالأصل، والذي يقصد به الحدّ من دور القاضي الاستعجالي في النزاع وحصره في اتخاذ الإجراء الوقتي اللازم لحفظ المصلحة دون التعرض لجوهر وأصل النزاع[8]. ومرة أخرى نجد أن تحقيق مثل هذا الشرط صعب للغاية، ذلك أن طلب المدعييْن الرامي لإيقاف بث المسلسل ليس من قبيل الإجراءات الاحتياطية كضرب عقلة أو تعيين حارس قضائي، بل هو من صميم النزاع، والقبول به يعني الإقرار القضائي بتعارض مضمون المادة المبثوثة مع النظام العام ومجلة الطفولة، وهو موقف في صميم الأصل. بل إن أيّ قرار من هذا القبيل من الممكن أن يرتّب نتائج مالية وخيمة لمنتجي العمل، قد يصعب تداركها فيما بعد، ذلك أن شهر رمضان هو الفترة الوحيدة المتاحة واقعيّا لبثّ الأعمال الدرامية في تونس وتحقيق المداخيل المتأتية أساسا من عمليات الإشهار خلاله. وبالتالي فإن اتخاذ أي قرار بإيقاف البث قد يؤدي إلى الإتيان الكلي على محل الدعوى. ونستنتج مما سبق، أن هذه الدعوى لم تغفل فقط الجهة الرقابية الأصلية، بل إنها لا تستجيب حتى للشروط الإجرائية للاتجاه الذي اختاره القائمون عليها. ولذلك لم يكن رفضها من طرف القاضي الاستعجالي شكلا مستغربا، دون الخوض حتى في فحواها وعلاقتها بالحقوق والحريات.

“المجتمع المدني” بين ثقافة الديمقراطية والرقابة الموازية

ليست المرّة الأولى التي تُرفع فيها قضيّة استعجالية ضدّ بثّ عمل درامي تلفزي، حيث سبق وأن وقع رفع قضية استعجالية بهدف وقف بثّ مسلسل قلب الذيب في رمضان 2020، لأسباب تعاقديّة وماليّة. ناهيك عن تكرار اللجوء لها بخصوص الأعمال السينمائية مثل الدعوى الاستعجالية التي رفعها أحد الأحزاب السياسية، وأدت لمنع عرض أحد الأفلام، مؤقتا بسبب التطبيع سنة 2017[9]. غير أن المثير للانتباه هذه المرة، هو ما أحاط بالمسلسل من زخم، أمست معه الدعوى والمسار القضائي مجرد عنوان فرعي. فالأصوات الرافضة والمندّدة تعدّدت وتنوّعت وجاءتْ من كل الخلفيات، خاصة “المدنية” منها كالنقابات والجمعيات، مثل الجامعة العامة للتعليم الثانوي التابعة للاتحاد العامّ التونسي للشغل، والتي تمثل أحد أكبر الهياكل النقابية في البلاد، والجمعية التونسية لجودة التعليم. بل إن القائمة امتدّت لتشمل حتى جمعية الأئمة وبعضا من النقابيين الأمنيين. كل هذه الأصوات، وإن اجتمعت على التنديد بالمسلسل، إلاّ أنها أسست دفاعها على خلفية المصالح الضيقة لمن تمثلهم أو تزعم تمثيلهم، إذ باستثناء جمعية الأئمة التي تصدت للدفاع عن ” الأخلاق والآداب العامة” لكل التونسيين[10]، فإن نقابيي التعليم نددوا بالعمل لتشويهه صورة الإطار والمؤسسة التربوية في حين ندّد الأمنيون بالمساس من صورة المؤسسة الأمنية أو تهديد الطفولة.

وما يجمع بين كل هؤلاء، هو ارتفاع حدّة الخطاب الاحتجاجي الضيق، في مقابل خفوت خطاب الحريات وقبول النقد. وحدّة ردود الفعل تؤكد ذلك، إذ لم تقتصر على مجرد التنديد كتسجيل موقف -وهو الأمر المقبول في السياقات الديمقراطية- بل تعدّته نحو طلب الإلغاء وإيقاف البث بالنسبة لكثير من هذه الطلبات. وهذا التوجّه في النهاية، ليس سوى انعكاس للمناخ العام المشوب بالانحسار التدريجي للحقوق والحريات، وتراجع التعاطي مع القضايا بنهج ديمقراطي منذ 25 جويلية 2021. وفي السياق ذاته، تمّ تحويل المسألة من مسألة حقوق وحريات مقابل نظام عام، إلى مسألة سياسية. وهو موقف تبنته الجامعة العامة للتعليم الثانوي على لسان كاتبها العام، التي اتهمت سلطة الإشراف، أي وزارة التربية بالموافقة على عقد مشبوه بهدف استغلال أحد المعاهد لتصوير المسلسل، وهو ما سبق أن حذرت منه النقابة الوزير مباشرة وفقا لتصريح كاتبها العام[11]، وهو ذات المعطى الذي تبنّته فيما بعد جمعية جودة التعليم التي اعتبرت المسلسل ككل عملية تحيل على الوزارة[12].

وهكذا تم شحن القضية بمختلف الأبعاد الممكنة: التربوية والأخلاقية والمسّ بالنظام العام العائلي والنيل من موظفين وقطاعات عمومية إضافة إلى الفساد الإداري والتقصير السياسي. وبناء على ذلك تمت المطالبة بجميع أصناف الجزاءات الممكنة: من فتح التحقيق، وتدخل الهايكا وتدخل النيابة العمومية بهدف “التصدي لهذه المؤامرة على أمن الدولة[13] ، وإيقاف البث. لتتماهى بذلك، مواقف هذه الهياكل والمنظمات التي يفترض بها في الأصل أن تكون مظهرا من مظاهر الحياة الديمقراطية السليمة، مع المواقف والدعوات العاطفية والمتطرفة للجماهير في مواقع التواصل الإجتماعي، عوض أن تساهم في ترشيد هذه الخطابات واحتوائها.

على أعتاب قصر قرطاج

“يركز الشعبويون على العامل الثقافي … فأدلجة المجتمع، وصياغته من جديد تتطلب مجهودا يتم على المستويات كافة، في السياسة والأدب والفن” بهذه العبارات، تصف منى خويص في كتابها “رجال الشرفات”، موقف الشعبويين والحركات الشعبوية من الإنتاج الثقافي والفني[14]. وخاصة سعيها لتوظيفه وقولبته، عبر عمليتين أساسيتين: الأولى، تأخذ فيها الحركة أو السلطة الشعبوية زمام المبادرة من خلال النشر والترويج لثقافة محددة المعالم. أما الثانية فتتمثل في تماهي الشعبوي مع المطالب الجماهيرية العاطفية وتبنيه لها بقطع النظر عن تضاربها مع منظومة الحقوق والحريات من عدمها.

وفيما يتعلق بمسلسل “الفلوجة”، يبدو أن الأصوات “الجماهيرية” المنددة بالعمل لم تتردد في محاولة إقحام السلطة السياسية في الغرض. وهو ما حصل في النهاية مع تصريح وزير التربية الذي وجه نقدا حادّا للعمل، ولكن الأخطر هو تأكيده أن المسألة تحت أنظار رئيس الجمهورية الذي يتمتع بنظرة شموليّة لمشاكل المجتمع[15]. مثل هذا التصريح، والذي من الممكن أن يفهم بكونه ردا على ما وجه له شخصيا ولوزارته من انتقادات في هذا الصدد من طرف النقابيين، إلا أنه حمل في طياته أبعادا خطيرة، لعل أهمها تحويل الانتاج الإعلامي والثقافي، إلى موضوع للتقييم السياسي لرئيس الجمهورية، الذي يحوز سلطة تقديرية واسعة بل وشاملة، تتجاوز كلّ ما تحوزه الهياكل المختصة من سلطة سواء القضائية أو المهنية منها. ويكرس واقعا أمست فيه السلطة القضائية مجرد هيكل منفذ لرغبة السياسي، الذي يبدو أنه بدوره بصدد احتكار الحقّ في تأويل الثقافة الجادة “التي ترتقي بالمجتمعات” على حد عبارة رئيس الجمهورية، في آخر تنديد علني له في هذا الصدد وذلك بمناسبة أيام قرطاج السينمائية وما شابها “من ممارسات حادت بها عن الأهداف التي أنشئت من أجلها”[16]. ولئن تأخر ذلك بعض الشيء في سلم الأولويات الرئاسيّة الأخرى، إلا أنّ العودة له ولم لا توظيفه قد يكون مجرد مسألة وقت، خصوصا مع تكثّف النشاط الرئاسي المخصّص للملف التعليمي والتربوي تحت خانة “الإصلاح”، على هامش الجدل الموجود حول المسلسل.

بتاريخ 27 مارس، رفضت الدائرة الاستعجالية بالمحكمة الابتدائية بتونس الدعوى الاستعجالية التي رفعها المحاميان بهدف إيقاف بث المسلسل. أما رئاسة الجمهورية، التي أكد وزير التربية، أن ملف المسلسل مطروح على طاولتها فقد خيرت بدورها الصمت على الأقل في هذه الفترة. في حين اكتفت “الهايكا” بتعليق مفاده أنها لن تتخذ أي قرار في المسلسل بناء فقط على ما ورد في حلقاته الأولى، وهو أمر يستشفّ منه ظاهريا، أن صراع الحريات مع الرقابة، قد حسم لصالحها بخصوص هذا المسلسل. ولكن مقصلة الرقابة لا زالت في وضع استعداد ولو بعد حين. بينما أن المعطى الوحيد الثابت، هو أن الديمقراطية، كأداة للتحليل والتعاطي مع الشأن العام، ما زالت عرضة لتأثيرات وجاذبية الرأي واللون الواحد، وضمن سياق عام من التضييق المتصاعد على جميع الحريات الجماعية والفردية على حدّ سواء وبوادر لنزعة تسلطية تسعى لفرض الرقابة والصنصرة على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. ولمَ لا على الفن والثقافة؟


[1] في 7 أكتوبر 2011، تم بث شريط برسيبوليس على قناة خاصة تونسية مما تسبب في تعرض صاحبها لمتابعات قضائية واحتجاجات جماهيرية حادة.

[2] مصطفى بن لطيف، حرية التعبير والإعلام في تونس: النصوص والسياق، إصلاحات قوانين الإعلام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، جانفي 2018، ص.9.

[3] تصريح هشام السنوسي عضو الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري بتاريخ 24 مارس 2023

[4] تقرير نشاط الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري لسنة 2020، ص. 54.

[5]حسين السالمي، القانون العدلي: التنظيم القضائي العدلي، مجمع الأطرش للكتاب المختص، تونس 2018، ص. 389.

[6] الفصل 201 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية

[7] أحمد الجندوبي وحسين بن سليمة، أصول المرافعات المدنية والتجارية، تونس 2011، ص. 152.

[8] المرجع السابق، نفس الصفحة.

[9] بيان حركة الشعب بتاريخ 24 ماي 2017

[10] بيان الجمعية التونسية لأئمة المساجد بتاريخ 30 مارس 2023

[11] تدوينة الكاتب العام لجامعة التعليم الثانوي لسعد اليعقوبي، عبر صفحته على الفيسبوك بتاريخ 23 مارس 2023

[12] تصريح سليم قاسم رئيس جمعية جودة التعليم سليم قاسم، لجريدة الشروق بتاريخ 25 مارس 2023

[13] تصريح معز الدبابي رئيس رابطة الأمن والمواطنة، لإذاعة شمس أف أم بتاريخ 27 مارس 2023

[14] منى خويص، رجال الشرفات. دراسة تحليلية للظاهرة الشعبوية، دار الفارابي، بيروت 2012، ص. 157.

[15] تصريح وزير التربية لإذاعة موزاييك بتاريخ السبت 25 مارس 2023

[16] بلاغ رئاسة الجمهورية بتاريخ 7 نوفمبر 2022

انشر المقال

متوفر من خلال:

حريات ، حرية التعبير ، مقالات ، تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية