مستشفيات الجنوب في ظلّ العدوان: تجهيز باللّحم الحيّ ومساعدات لا تسدّ خابية


2023-11-22    |   

مستشفيات الجنوب في ظلّ العدوان: تجهيز باللّحم الحيّ ومساعدات لا تسدّ خابية
من حملة التبرّع بالدم في مستشفى جبل عامل نهاية تشرين الأوّل (من صفحة المستشفى على فيسبوك)

مع أنّ معاناة لبنان مع العدوان الإسرائيلي مستمرّة منذ عقود، لم تكلّف الحكومات اللبنانية المتعاقبة نفسها عناء اتخاذ إجراءات لتعزيز القطاع الطبي على الأقلّ في الجنوب الذي يواجه أهله اعتداءات متكرّرة منذ نكبة فلسطين عام 1948. وحتى المستشفيين الوحيدين اللذين تم تمويلها بمنح عربية إثر عدوان 2006، وهما مستشفى “الشيخ خليفة بن زايد في شبعا” الحكومي، ومستشفى “الطوارئ للحروق والإصابات، التركي” في صيدا، حال الفساد الإداري والزبائنية السياسية دون تشغيلهما، وتركت المعدّات فيهما ليأكلها الصدأ.

اليوم وعلى ضوء خطة الطوارئ الوطنية التي أقرّتها الحكومة، شرعت وزارة الصحة بدورها بوضع خطتها الخاصة فيما يخصّ القطاع الطبي وجهوزية المستشفيات، إلّا أنّ معظم مندرجات الخطط ما زالت غير مطبّقة على أرض الواقع. فاقتصرت “خطة الوزارة” لغاية اللحظة على توزيع بعض المساعدات والمستلزمات الطبية، وتنظيم دورات تدريبية للأطباء. وحتى هذه الخطوات وصفها عدد من مدراء المستشفيات في الجنوب بأنّها “جيّدة” وغير منتظرة من وزارة “مفلسة”. كذلك أقرّ مجلس الوزراء نهار الخميس الفائت صرف مبلغ 150 مليار ليرة كسلف خزينة لدعم المستشفيات الحكومية من أجل رفع جهوزيتها. هذا ولا تزال المباحثات في وزارة الصحة قائمة بهدف تمويل الخطة التي تحتاج لأكثر من 120 مليون دولار، وكان وزير الصحة، فراس الأبيض، قد أعلن في تاريخ 2-11-2023 خلال لقاء “بيروتي – حكومي” عقد في فندق الريفيرا بهدف إنشاء لجنة طوارئ في بيروت لمواجهة تحديات العدوان، أنّ “الحكومة رصدت مبلغ 11 مليون دولار لتغطية جرحى الحرب، إضافة إلى 9 ملايين متبقية من قرض من البنك الدولي كان مخصّصًا لجائحة كورونا”.

وتواجه مستشفيات لبنان بشكل عام والجنوب بشكل خاص تحدّياتٍ عدّة، في حال توسّع دائرة العدوان، منها النقص في الميزانية، وتحدّي توفير الوقود والأوكسيجين وبنك الدم، إضافة إلى النقص في الكادر الطبي والتمريضي. وبحسب نقيب الأطباء يوسف بخاش، فقد هاجر أكثر من  3500 طبيب منذ العام 2019، كذلك نزح حوالي 40% من الكادر الطبي والتمريضي من مناطق ومستشفيات الخطوط الأمامية للمواجهة منذ بدء العدوان، فيما يرجئ البعض الآخر نزوحه تبعًا لتطوّر حدّة الاشتباك، وذلك بحسب معطيات جمعتها “المفكرة” من مدراء المستشفيات والأطباء أنفسهم.

هذا ويعتبر جميع مدراء المستشفيات الذين تمكّنت “المفكرة” من التواصل معهم، أنّ القدرة على الصمود التي يحددها استمرار توفّر الوقود والأدوية والأمصال والأوكسجين، تتوقّف أيضًا على مستوى العدوان وهمجيته، وبالتالي أعداد الجرحى ونوعية الإصابات.

 وفي اتصالٍ مع “المفكرة” قدّر نقيب المستشفيات الخاصة سليمان هارون، نسبة جاهزية المستشفيات الخاصة في الجنوب بـ 90% إذا كان العدوان مشابهًا لعدوان تموز، أما إذا كان العدوان شبيهًا بعدوان غزة “فالاتّكال على الله”. أما جهوزية المستشفيات الحكومية فتحدّدها مساعدات الوزارة، والسلف المالية التي لم تصل إلى خزائنها بعد. 

ولأخذ الفكرة وليس على سبيل المقارنة، تفيد تقارير صحافية أنّ العدو الإسرائيلي بدأ، منذ طوفان الأقصى، بتأمين مستشفياته في شمال لبنان استعدادًا لساعة الصفر، آخذًا الكثير من العبر من حرب تموز حيث سقط أكثر من 400 صاروخ لحزب الله في محيط مستشفى “رمبام” الواقعة في حيفا، من هنا تم افتتاح “أكبر مستشفى تحت الأرض في العالم” في المنطقة وتحتوي على 2000 سرير في الطابقين السفليين الثاني والثالث، وفي مركز “الجليل الطبي” تمّ تحصين الطابق الأول ضد الصواريخ المحتملة، كذلك تم وضع أبواب فولاذية محصّنة تحمي قسم الطوارئ ومركز الصدمات، وفي مستشفيات أخرى بوشر بالتدريبات تحت الأرض على مرضى وهميين، وتم تخزين الطعام الوقود والأوكسيجين وغيرها.

توزّع المستشفيات في الجنوب

يبلغ عدد المستشفيات في الجنوب ككلّ 33 مستشفى، منها 11 مستشفى  حكوميًا تتوزّع على الأقضية وهي: مستشفيان حكوميّان في كل من أقضية مرجعيون وبنت جبيل وصور، ومستشفى حكومي واحد في كل من أقضية حاصبيا والنبطية وصيدا وراشيا وجزين.

أما عدد المستشفيات الخاصة فيبلغ 22 مستشفى موزّعًا حسب الأقضية على الشكل الآتي: مستشفى صلاح غندور في قضاء بنت جبيل، 6 مستشفيات تابعة لقضاء النبطية وأهمّها مستشفيات النجدة الشعبية وراغب حرب، أربع مستشفيات في قضاء صور أبرزها مستشفى جبل عامل واللبناني الإيطالي، مستشفى واحد في راشيا، وعشرة مستشفيات في قضاء صيدا.

يشار إلى أنّ 6 مستشفيات من أصل 33 مستشفى تقع في المناطق الحدودية المصنّفة “خطرة” بحسب خريطة “قواعد الاشتباك” وهي: 5 مستشفيات حكومية هي ميس الجبل، بنت جبيل، تبنين، حاصبيا ومرجعيون، إضافة إلى مستشفى الشهيد صلاح غندور في مدينة بنت جبيل التابع للهيئة الصحية الإسلامية.

هذا ويبلغ عدد مراكز شبكة الرعاية الصحية الأوّلية في الجنوب حوالي 55 مركزًا، منها أربعة في قضاء مرجعيون، وسبعة في قضاء حاصبيا و9 في قضاء بنت جبيل. وعلمت “المفكرة” أنّ معظم المراكز في خطوط المواجهة الأولى قد أقفلت أبوابها، بخاصّة في ظل استمرار القصف وخلوّ المنطقة من السكان.

 جهوزية المستشفيات وخطة الطوارئ

شرعت وزارة الصحة، مع إقرار خطة الطوارئ الوطنية، بوضع خطتها الخاصة مستندةً إلى واقع ومجريات حرب تموز مضروبةً بأضعافٍ ثلاث، وقد تمخض عنها قرارات عدّة منها: رفع جهوزية المستشفيات، تحديد مخزون الاحتياجات الطبية والصحية، توزيع مستلزمات الطبية، زيادة جهوزية بنك الدم، تجهيز المستشفيات الميدانية وغرف العناية الفائقة في المستشفيات، وضع برنامج تدريب لرفع جهوزية العاملين الصحيين، بالإضافة إلى إقرار دفع سلف مالية للمستشفيات الحكومية. لكن بحسب المقابلات التي أجريناها مع معنيين، لم ينفّذ من بنود الخطة لغاية اليوم سوى اثنين هما: توزيع بعض المستلزمات الطبية وتدريب العاملين الصحيين، كذلك أعلن وزير الصحة فراس ابيض، أنّ مجلس الوزراء أقر في تاريخ 16-11-2023 دفع مبلغ 150 مليار ليرة كسلف للمستشفيات الحكومية، تراوح سقفها بين 5 مليارات ليرة أي ما يعادل 50 ألف دولار و14 مليار ليرة أي ما يعادل 150 ألف دولار. وقد أكّد جميع مدراء المستشفيات الحكومية الذين تواصلت معهم “المفكرة” أنّهم لم يتلقوا أي مساعدة مالية لغاية اللحظة، علمًا أنّ القرار يحتاج بعض الوقت لتنفيذه.

 وأكد عدد من مدراء المستشفيات الخاصة والحكومية أنّهم بدأوا برفع جهوزية المستشفى، من خلال طلب كميات من المستلزمات الطبية والأمصال والأدوية كل حسب ميزانيته، كذلك تلقوا كميات لا بأس بها من المستلزمات الطبية (شاش، مقصات، أنابيب) والأمصال من قبل وزارة الصحة، أيضًا  تلقت الكوادر الطبية في معظم المستشفيات تدريبات عن كيفية التعامل مع جرحى الحرب.

صورة تظهر القصف الاسرائيلي الذي يطال المناطق الجنوبية

فكيف تجهزت المستشفيات وما هي النواقص؟

أ. المستشفيات الحكومية: “دعم الوزارة أساس والعين على الوقود”

في حديث مع “المفكرة” يقول مدير مستشفى ميس الجبل الدكتور حسين ياسين، إنّ المستشفى جهزت من ميزانيتها الخاصة العديد من المستلزمات الطبية وتلقت كميات من الأمصال والمستلزمات للعمليات الجراحية من وزارة الصحة، وهي اليوم بجهوزية تكفي مدة شهر. ويضيف ياسين أنّ المشكلة تكمن في الموقع الجغرافي وفي عدم قدرة الإدارة على تعبئة خزاناتها بالوقود. ويفسّر أن الكمية التي تمكن من تعبئتها لا تكفي لأكثر من أسبوع، والسبب يعود أولًا إلى عجز في ميزانية المستشفى، إضافة إلى تردد الموزعين وخوفهم من الوصول إلى المنطقة في ظل الأوضاع الراهنة. ويضيف ياسين أنّ وزير الصحة وعده بمحاولة الحصول على دعم من الحكومة القطرية لملء الخزانات. أما بالنسبة إلى السلف المالية من قبل الخزينة، فيعتبر ياسين أنّ أيّ دعم في الوقت الحالي هو جيّد ومفيد، علمًا أنّ السلفة تحتاج وقتًا لتحريرها بحسب ياسين، وأنّ مبلغ الـ 50 ألف دولار الذي وُعد به سيتم فيه تعبئة وقود يكفي فترة شهرين.

أما الدكتور مؤنس كلاكش مدير مستشفى مرجعيون الحكومي، فيعتبر أنّ الاستعدادات على قدر الإمكانيات المتواضعة للمستشفى ودعم الوزارة. ويضيف أنّ المستشفى يعاني من قلّة في السيولة المادية، حيث باتت المنطقة خالية من السكان، وبالتالي قلّت أعداد  المرضى الذين يقصدون المستشفى. ويشير إلى مشكلة ثانية تكمن في مخزون المازوت الذي لا يكفي لأكثر من ثلاثة أسابيع وكان نتيجة دعم تلقته المستشفى من الصليب الأحمر الدولي الذي زوّد المستشفى بحوالي 10 آلاف لتر من الفيول.

ب. جهوزية المستشفيات الخاصة كافية لمدة شهر  

كما المستشفيات الحكومية كذلك الخاصة، فقد تم التجهيز بحسب ميزانية وإمكانيات كل مستشفى، فقامت إدارتا مستشفى النجدة الشعبية وجبل عامل بوضع الخطط اللازمة، فتمّ تأمين الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود للمولدات والأوكسيجين بكميات تكفي لمدة شهر. كذلك تمّ إحصاء الكادر الطبي والتمريضي المستعدّ للبقاء مع عائلاتهم، فبلغ عددهم في مستشفى النجدة حوالي 15 طبيبًا متخصّصًا، إضافة إلى حوالي 70 ممرضًا وممرضة، سيتمّ تأمين عائلاتهم. وتم تأمين الأدوية لمرضى غسيل الكلى لمدة شهر تحسبًا لقطع الطرقات. وأكد مدير مستشفى جبل عامل الدكتور وليد مروّة أنّه تمّ تأمين عائلات الطاقم التمريضي الذين سيبقون في المستشفى والبالغ عددهم حوالي 180، وكذلك تم تأمين الأطباء من جميع الاختصاصات المطلوبة والبالغ عددهم حوالي 20، وأنّ الكوادر الطبية والتمريضية تلقوا تدريبات من قبل منظمات دولية حول كيفية التعامل مع جرحى الحروب.

ويمكن القول إنّ الحال في المستشفيات التابعة للهيئة الصحية الإسلامية مغاير لبقية المستشفيات، إذ يشير مدير مستشفى راغب حرب في النبطية، الدكتور محمد الدغيلي، إلى أنّ المستشفى مؤمّن بكافة التجهيزات اللازمة، مؤكدًا أنّ الطاقم الطبي والتمريضي مكتمل لا بل ثمة فائض، كذلك تمّ التزوّد بالوقود والأوكسيجين، وأنّ التعاون قائم مع باقي المستشفيات في أيام السلم كما في أيام الحرب. ويضيف أنّهم لم يتلقوا لغاية اليوم أي مساعدات من وزارة الصحة، بل هناك وعد بوصول بعضها في الأسبوع المقبل.

 18 عامًا على حرب تموز وعجلة المستشفيات إلى الوراء

يؤكد نقيب الأطباء يوسف بخاش لـ “المفكرة”، أنّه انطلاقًا من خطة الطوارئ الوزارية، شرعت النقابات والجمعيات العلمية بوضع دراستها حول الحاجات المطلوبة من مستلزمات طبية وأدوية ومعدات ووحدات للدم، وذلك استنادًا إلى ما احتاج إليه لبنان في  حرب تموز مضروبة بثلاثة.

ويجمع مدراء المستشفيات الخاصة والحكومية الذين تواصلت معهم “المفكرة” أنّ ما ستواجهه المستشفيات، في حال توسّع العدوان اليوم، سيكون أصعب مما واجهته خلال حرب تموز، وأنّ الظروف التي مرّت بها البلاد منذ العام 2019 لغاية اليوم، كان لها أثرها السلبي على حال المستشفيات وذلك لاعتباراتٍ عدة.

فما هي التحدّيات التي تواجهها المستشفيات مقارنة بحرب تموز، وما هي الخطط لمعالجتها إن وجدت؟

  1. النقص في أعداد الأطباء بشكل عام والاختصاصيين بشكل خاص

يؤكد نقيب الأطباء يوسف بخاش لـ “المفكرة” أنّ لبنان يعاني من نقص في أعداد الأطباء بشكل عام والاختصاصيين بشكل خاص، مفسّرًا أنه ونسبةً للكثافة السكانية، فإنّ عدد أطباء لبنان المقيمين هو أقل من الحاجة المطلوبة.

كما أنّ هناك نقصًا حادًا في العديد من الاختصاصات الضرورية في أوقات الحروب بشكلٍ عام، والجراحات الفرعية الدقيقة بشكلٍ خاص، فهناك نقص في أطباء الطوارئ والتخدير والإنعاش، إضافة إلى جرّاحي الشرايين والأعصاب والعظام والفك والعيون والدماغ وجراحة زرع الكلى. وعلى سبيل المثال، يحتاج لبنان إلى 400 طبيب  طوارئ فيما لا يوجد سوى 40  طبيبًا. الأمر ذاته ينطبق على أطباء التخدير والإنعاش، إذ غالبًا ما يكون هناك طبيب واحد لعدة مستشفيات، وهذا ما تؤكده طبيبة في مستشفى بنت جبيل لـ “المفكرة”، حيث تفيد بأنّ المستشفيات في المنطقة تعاني من قلّة أطباء البنج، حيث يتمّ جدولة العمليات بحسب دوام طبيب البنج الوحيد المتعاقد مع  عدد من مستشفيات المنطقة.

وكان مدير مستشفى النبطية الحكومي، الدكتور حسن وزنة، قد أوضح في اتصالٍ مع “المفكرة”، أنّ قسم الحروق في المستشفى يفتقد إلى طبيب ترميم أو تجميل، ما سيؤثر سلبًا على الجرحى. أما الدكتور شفيع  فوعاني فيوضح أنّ مستشفيات النبطية وصور تعتمدان على طبيبين فقط لجراحة الأعصاب، وطبيبين آخرين لجراحة الشرايين، وهذه اختصاصات مطلوبة كثيرًا في الحروب، وفي غيابها غالبًا ما يلجأ الأطباء إلى بتر العضو المصاب حفاظًا على حياة الجريح. ويفسّر فوعاني أنّ قلّة الأطباء سيكون لها أثرها الكبير على المستشفيات وإمكانية إنقاذ الجرحى، إذ يمكن للعملية الجراحية الواحدة أن تستمر لساعات، ما سيعطّل بقية المستشفيات وغرف العمليات التي تعتمد على الطبيب ذاته. كذلك أكد مدراء مستشفيات الخطوط الأمامية الذين تواصلت معهم “المفكرة”، عدم وجود جرّاح للشرايين والأعصاب في المنطقة. 

وتشير الإحصاءات التي تقوم بها نقابة الأطباء إلى أنّ هناك حاليًا 4000 مريض كلى يحتاجون إلى 52 ألف جلسة وكيس شهريًا، سيضاف إليهم أعداد الجرحى الذين يحتاجون لغسيل كلى والمقدّر عددهم 700 حالة(انطلاقًا من عدد جرحى حرب تموز الذين احتاجوا لغسيل كلى مضروب بثلاثة)، والذين سيحتاجون وحدهم إلى 9 آلاف جلسة وكيس في الشهر تضاف إلى الـ 52 البقية. وقد اتخذت معظم مستشفيات الجنوب والتي لديها قسم لغسيل الكلى احتياطاتها من حيث تأمين أدوية ومستلزمات مرضاها لمدة شهر، وكان مدراء مستشفيات النبطية الحكومي وجبل عامل والنجدة الشعبية قد أفادوا أنّهم قاموا بتأمين الأسرة لمرضى الكلى الذين ربما سيضطرّون للبقاء في المستشفى خلال العدوان نظرًا لصعوبة التنقل.

نزوح الأطباء بسبب القصف

إضافة إلى الهجرة تعاني مستشفيات المناطق الحدودية اليوم من نزوح الأطباء، ويؤكد مدراء مستشفيات ميس الجبل ومرجعيون وتبنين، أنّ نسبة نزوح الأطباء المعتمدين لدى المستشفى بلغت حوالي 50%، وأنّهم  يتدبّرون أوضاعها بمن بقي. وصرح مدير مستشفى مرجعيون أنّه من أصل 6 جراحين معتمدين لدى المستشفى بقي اثنان.

كذلك يفيد أحد الأطباء الذين نزحوا مع بداية العمليات العسكرية إلى بيروت، أنّ “من عايش حرب تموز لا يمكن أن يعيش الحرب ثانية، وأنه في ظل انتفاء مقومات الصمود فهو يفضل البقاء قرب عائلته”، مفسّرًا أنّ الطبيب الجرّاح ينال مستحقّاته، كبدل عن العمليات الجراحية التي يقوم بها، إمّا من وزارة الصحة أو من الجهة الضامنة كالجيش على سبيل المثال. وهو بدل زهيد لا يتجاوز 100 دولار للعملية الواحدة، هذا إن استطاع تحصيلها بسبب الأزمة المالية للجهات الضامنة كما أفاد. وثمة بدل يحصّله من المريض ذاته إذا أجريت العملية في المستشفيات الخاصّة، ولكن المنطقة التي يقطنها الطبيب اليوم (مرجعيون) باتت شبه خالية من السكان، والعمليات الجراحية قليلة جدًا، وبالتالي ليس هناك دخل إضافي ولا حاجة حاليًا لبقائه.

 حلول مقترحة لمشكلة النقص في الكادر الطبي 

يفيد نقيب المستشفيات الخاصة، أنّه وانطلاقًا من خطة الطوارئ والاجتماعات المتكرّرة في وزارة الصحة، فقد تمّ إيجاد حلول مبدئية لمشكلة النقص التي تعانيه المستشفيات، حيث تم إنشاء شبكة من المستشفيات تم خلالها ربط حوالي 40 مستشفى (حكومية وخاصة)، لتكون بمثابة مراكز أساسية لاستقبال الجرحى، هذه المستشفيات مرتبطة مباشرةً بغرفة عمليات وزارة الصحة، حيث يتم من خلالها توزيع الجرحى بحسب حاجاتهم الطبية، “يعني إذا مريض بحاجة لأخصائي شرايين بيتحوّل دغري على المستشفى الموجود فيها الطبيب المتوفّر”.

 بدوره شرح نقيب الأطباء أنه تمّ ربط فرق من الأطباء ببعضهم لتأمين الدعم، على سبيل المثال ربط فريق عمل أطباء الطوارئ الأربعين، بالعاملين (ليسوا بأطباء طوارئ) في “الخط الأول” في قسم الطوارئ في المستشفيات، فتم تشكيل فرق مؤلفة من أربعة أطباء لتدريب العاملين في الطوارئ  في محاولة لسد النقص. كذلك يتم وضع  خطة على تفعيل المستشفيات الميدانية في حال تأزم الأوضاع وانقطاع المواصلات،  إضافة إلى دعم مراكز الرعاية الأولية والمستوصفات لمعالجة الجرحى ذوي الإصابات الطفيفة التي لا تحتاج إلى استشفاء، لتخفيف الضغط عن طوارئ المستشفيات.  

كذلك تم إيلاء الناحية العلمية والتدريب على إصابات الحروب أهمية من قبل نقابة الأطباء، فخصصت جلسات للنقاش والحوار، وتم تنظيم مؤتمر عام مخصّص لتدريب الأطباء على كيفية معالجة إصابات الحرب، حضره حوالي 900 طبيب.

وبحسب بخاش فقد تم التواصل مع  أطباء (جمعية الطب العام وطب العائلة) والبالغ عددهم حوالي 500 طبيب، ليكونوا على جهوزية واستعداد لمعالجة الجرحى النازحين.

  1. معدّات معطّلة والسلف المالية لا تكفي ثمن وقود

أكد معظم المدراء في المستشفيات الحكومية وجود العديد من الأعطال التي لم يتمكّنوا من إصلاحها بسبب عدم توافر الأموال. فيشير مدير مستشفى تبنين، محمد حمادة في اتصال مع “المفكرة”، إلى أنّ المستشفى بحاجة ماسة لتصليح آلة “السكانر” ولا قدرة لهم حاليًا على تصليحها. كذلك يفيد أحد الأطباء في مستشفى بنت جبيل الحكومي أنّ “السكانر” معطّلة لديهم أيضًا، فيما يلفت مدير مستشفى ميس الجبل الحكومي إلى تعطّل آلة الرنين المغناطيسي.

ويؤكد النائب الدكتور إلياس جرادة بعد زيارته الميدانية إلى مستشفى حاصبيا أنّه يحتاج إلى العديد من التجهيزات، ومنها بطريقة ملحّة، استبدال المولّد الكهربائي القديم، وإلاّ ستواجه المستشفى مشكلة في العمل وفي تشغيل الماكينات في غرف العناية بشكل خاص.

بدوره يعتبر مدير مستشفى مرجعيون الحكومي، الدكتور مؤنس كلاكش، أنّ أزمة الدولة الإقتصادية أوصلت إلى انقطاع التيار الكهربائي لساعاتٍ طويلة، ما دفع بالمستشفيات إلى اللجوء لتشغيل المولد الكهربائي وبالتالي زيادة الكلفة التشغيلية للمستشفى.  

هذا وتنتظر المستشفيات السلف التي أقرتها الحكومة، “على قلّتها” بحسب ما عبّر عدد من مدراء المستشفيات الحكومية الذين اعتبروا أنّ السلف لا تكفي ثمن وقود، أو تصليح قطعة واحدة من المعدات، لكن بالنسبة لهم أي مساعدة أو أي دعم هو أفضل من لا شيء.

  1. أزمة الوقود والأوكسيجين

ومن بين التحديات الكبيرة التي تواجه المستشفيات بحسب نقيب المستشفيات الخاصة، هو تأمين مادتي الوقود والأوكسيجين، ويضيف أنه خلال حرب تموز كان هناك مشكلة في استهداف وتهديد الموزّعين، ما اضطرّهم لطلب الحماية والمرافقة من الصليب الأحمر الدولي في حينها. ويتابع أنّ خزانات المستشفيات لديها قدرة استيعاب محدّدة،  علمًا أنّ هذه المواد هي من مقوّمات الصمود الأساسية للمستشفيات.

ويؤكد مدير المستشفى الحكومي في النبطية، حسن وزنة، أنّه في حرب تموز “كان بالإمكان الطلب من الجيش والصليب الأحمر الدولي تزويدنا بالوقود، وهذا غير مضمون اليوم بالنسبة لهم”. 

أما في ما خصّ الأوكسيجين الضروري جدًا في حالة الحرب، فأفاد معظم المسؤولين في المستشفيات أنهم قاموا بتخزين حاجاتهم بقدر استطاعتهم. أما مستشفى النجدة الشعبية فقامت، بعد حرب تموز، بشراء ماكينة خاصة بإنتاج الاوكسيجن، يمكن الاستعانة بها في حال انقطاع مخزون الاوكسيجن أو عدم التمكّن من التزود به.

  1. تحدّي تأمين بنك الدم

من ضمن التحديات التي يأخذها الطاقم الطبي ومدراء المستشفيات في الاعتبار اليوم، هو تأمين بنك الدم، ويؤكد نقيب الأطباء لـ”المفكرة”، أنّه تمّ تحديد حاجة لبنان اليوم إلى وحدات الدم بالاستناد إلى معطيات حرب تموز، فتشير الإحصاءات إلى أنّ إجمالي الجرحى في حرب تموز بلغ حوالي 4400 مصابًا، احتاج 1200 منهم إلى دخول المستشفى ما يعني الثلث، وتشير التقديرات إلى أنّهم احتاجوا إلى 400 وحدة دم. ويتابع بخاش أنّه بحسب التقديرات التي تنطلق من أعداد جرحى عدوان غزة، يُتوقع أن يبلغ عدد الجرحى خلال شهر 21 ألف مصاب، سيحتاج منهم 7000 إلى الاستشفاء، وبالتالي ستكون هناك حاجة إلى 2500 وحدة دم وكيس، ولا يعلم النقيب كيف سيتم تأمينها.

ويعتبر الدكتور فوعاني أنّه غالبًا ما تكون مهمة تأمين بنك الدم من اهتمام الحكومات والوزارات، وليس إدارات المستشفيات، كون الحصول على وحدات الدم وفحصها ومن ثم تخزينها هي عملية كبيرة ومعقدة، من هنا فإنّ تأمين وحدات الدم في المستشفيات غالبًا ما يكون على قدر الحاجة، ولا يمكن تخزين كميات كبيرة منه، وأنه غالباً ما تلجأ المستشفيات في حالات مماثلة إلى تأمين وحدات من فئة (O+ ) كونه يمكن إعطاؤها لجميع الجرحى. 

هذا وأكدت معظم مستشفيات الخطوط الأمامية عن تأمين بنك دم خاص بها، وكان النائب إلياس جرادة قد أطلق من مستشفى حاصبيا حملة للتبرّع بالدم لزيادة المخزون.

  1. نوع الأسلحة الجديدة المستخدمة 

يعتبر الأطباء ومدراء المستشفيات أنّ تحدّي العدوان الحالي سيكون في كيفية التعامل مع نوع جديد من الأسلحة. ويعتبر د. فوعاني أنّ مشاهد الحرب على غزة أظهرت استعمال أسلحة جديدة لم يتم استخدامها بكثرة خلال حرب تموز، كالفوسفور الذي يتسبب بالحروق ويضرب الجهاز التنفسي. ويضيف أنّ هذه الجروح تحتاج إلى أقسام خاصة وأطباء متخصصين بالحروق، إضافة إلى الأدوية والمعقمات، إلّا أنّه لا يوجد في الجنوب أي مستشفى للحروق سوى قسم واحد في مستشفى النبطية الحكومي.

وقد علمت “المفكرة” من الدكتور وزنة، أنّه تمّ إعادة افتتاح قسم الحروق، بعد أن تم تحويله خلال الجائحة إلى قسم لعزل المرضى، وهو مجهّز بالمعدات كافة والأدوية والمعقمات، وطبيبن أخصّائيين، علمًا أنّ هناك نقص في أطباء التجميل، كذلك يحتوي على ستة أسرة فقط.

يشار إلى أنّه بُعيد حرب تموز قدمت تركيا هبة إلى الدولة اللبنانية بقيمة عشرين مليون دولار، بهدف بناء مستشفى متخصّص في الحروق في مدينة صيدا، إلّا أنه لغاية اليوم لم يفتح أبوابه أمام المرضى. وفي اتصالٍ مع “المفكرة” تقول رئيسة اللجنة الإدارية للمستشفى منى ترياقي التي تسلمت مهامها في العام 2021، إنها تسعى جاهدةً لافتتاح المستشفى إلّا أن الظروف الاقتصادية لا تسمح بذلك. ويحتوي المستشفى على 100 سرير، ويضم حاليًا 15 موظفًا موزعين بين أقسام المختبر والعلاج الفيزيائي، والأشعة والإدارة، وقد أقرت له الحكومة مؤخراً مبلغ 10 مليارات ليرة.

ويضيف د. فوعاني، أنه بالإضافة إلى الفسفور هناك استخدام لنوع أسلحة لها قوّة تدميرية، وهي أسلحة يمكن أن تتسبب بإصابات بليغة ككسور في الجماجم وغيرها، ما سيحتاج إلى مجمّعات طبية لديها العديد من غرف العمليات والمعدّات الطبية وأطباء باختصاصات دقيقة لعلاجها، وهي أمور غير متوفرة في المستشفيات. 

  1. المستشفيات وسيارات الإسعاف هدف

لطالما كانت المستشفيات وسيارات الإسعاف محيدة نسبيًا في الحروب السابقة، إلّا أنّها في العدوان الحالي باتت مستهدفة إذ قصف العدو مستشفى ميس الجبل من الأيام الماضية، عدا عن وحشيّته في ضرب معظم مستشفيات غزة، واقتحامه مستشفى الشفاء. ويقول نقيب المستشفيات الخاصة، إنّ هناك تخوّفًا كبيرًا من تكرار ما يحدث في غزة من استهداف للمستشفيات في لبنان وأنّه في حال حدوثه فـ “لا حول ولا قوة”.

ويفيد أحد مدراء مراكز الدفاع المدني في الجنوب في اتصالٍ مع “المفكرة”، أنّ من ضمن الصعوبات والتحديات المستجدة هو استهداف سيارات الإسعاف، وكان العدو قد استهدف سيارة إسعاف تابعة لكشافة الرسالة الإسلامية، في بلدة طير حرفا، ما أسفر عن جرح أربعة مسعفين.

ويضيف أنّه كما في السابق كما اليوم، لم تتمكّن الحكومة لغاية اللحظة، من إنشاء غرفة عمليات تنسق على الأقل بين جهات الإسعاف المتعددة في الجنوب، ومنها الصليب الأحمر الدولي كما الدفاع المدني وإسعاف كشافة الرسالة وإسعاف الهيئة الصحية الإسلامية. “اليوم بس تنقصف منطقة منطلع أربع أو خمس سيارات إسعاف، لبيوصل قبل بينقل الجرحى، ما في تنسيق وهيدا هدر للمال والوقود وتعريض الشباب للخطر”. ويتابع أنّه عقدت عدة اجتماعات مع محافظ النبطية إلّا أنّها لم تسفر عن شيء ولا يزال الوضع كما هو عليه.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، الحق في الحياة ، الحق في الصحة ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية