مساعٍ لإصلاح القضاء الإداري في تونس ولبنان: ملاحظات مقارنة


2021-01-07    |   

مساعٍ لإصلاح القضاء الإداري في تونس ولبنان: ملاحظات مقارنة
رسم عثمان سلمي

في حين كانت المحكمة الإدارية تنجز مسودتها عن مشروع مجلة المحكمة الإدارية في تونس، كانت “المفكرة القانونية” تعلن مسودة اقتراح قانون حول استقلال القضاء الإداري وشفافيته في لبنان. وعدا عن التزامن في صدور هاتين الوثيقتين، أبرز ما يجمع بينهما هو صدورهما في بلدين تبنّيا نظام الازدواجية القضائية تيّمناً بالنظام الفرنسي، ويعتمدان اللغة العربية لغة رسمية مما يسهل المقارنة وتبادل التجارب.لا بل أن المفكرة القانونية استعانت في مراحل عدة من إعداد مسودتها في لبنان بآراء قضاة تونسيين وأعمالهم، أبرزهم الرئيسة السابقة للمحكمة الإدارية في تونس روضة المشيشي. وقد رأت “المفكرة” أن ثمة أهمية لإجراء مقارنة بين هذين المشروعين وبخاصة بين الاشكاليات التي سعيا لحلها، أملا بإغنائهما وملء ما قد يعتريهما من ثغرات.

وقبل المضي في ذلك، لا بد من الإشارة إلى أربعة فوارق أساسية بينهما:

الأول، الظروف السياسية السائدة في البلدين. ففيما تعيش تونس منذ ما يقارب عشر سنوات في مسار تحوّل ديمقراطي تميّز بمساعٍ جادّة لبناء ثقافة استقلال القضاء، يبقى لبنان غارقا في ثقافة التدخل في القضاء وإن دخل ابتداءً من تشرين الأول 2019 في منعطف غير محدّد الوجهة، منعطف برز تحقيق استقلال القضاء في مقدّمة أولوياته.

الثاني، أن المقترح اللبناني يتناول تنظيم القضاء الإداري في مختلف جوانبه بدءاً بالهيئة المشرفة عليه (أو ما يعادل مجلس القضاء الإداري) وأوضاع القضاة وضماناتهم فضلا عن أصول المحاكمات أمامه، بمعنى أنه مقترح شامل لمختلف جوانب تنظيم هذا القضاء وعمله. بالمقابل، فإن المقترح التونسي يتناول تنظيم المحاكم الإدارية وأصول المحاكمات أمامها، بعدما صدر قانون سابق بشأن إنشاء المجلس الأعلى للقضاء (والذي يشكل مجلس القضاء الإداري أحد فروعه). واللافت أن المحكمة الإدارية في تونس اختارت تعديل أصول المحاكمات قبل وضع مسودة تنظم أوضاع القضاة الإداريين وضمانات استقلاليتهم. وبذلك، يتعيّن تقييم هذا المشروع في ظلّ تصوّر يبقى مجتزأ للإطار التنظيمي لهذه المحكمة.

الفارق الثالث يتصل بخلفية واضعي المشروع. فالمقترح التونسي وضعته المحكمة الإدارية بما يعبّر عن تصوّر الإصلاح من منظور القضاة. بالمقابل، تولّت “المفكرة القانونية” التي هي منظمة حقوقية تخوض معارك قضائية في قضايا الأملاك العامة والبيئة والحريات العامة وضع المقترح اللبناني، بما يعبّر عن تصورها للإصلاح من منظور الحراك الحقوقي. ومؤدى ذلك هو اختلاف نجده في مواقع عدة من المشروعين، وبخاصة لجهة تعريف الصفة والمصلحة في الطعن بالقرارات الإدارية، والذي أتى موسعا جدا في المشروع اللبناني. ومن المهمّ الإشارة هنا إلى أن المفكرة القانونية لم تنجح في بداية عملها في إقناع مجلس شورى الدولة بضرورة التعاون والتحاور في وضع مشروع مشترك، إلا أن خطابات المجلس الأخيرة تؤكد أنه يعمل حاليا على وضع مشروع إصلاحي موازٍ بعدما كان ينكر الحاجة لذلك. ويهمّنا في هذا المكان الإشارة إلى أن المفكرة كانت نشرت عددا خاصّا تحت عنوان: “استقلال القضاء الإداري: من يحمي الدولة؟ ومن يدافع عنها؟” وقد بيّنت فيه 20 سببا رئيسيا يحدوها إلى وضع مقترح قانونها.

أما الفارق الرابع الذي نودّ الإشارة إليه، فيتأتى من التباين في التطور الذي وصل إليه التنظيم القضائي في البلدين. ففيما اعتمد النظام القضائي التونسي منذ سنة 1996[1] مبدأ تعدد درجات المحاكمة في أغلب القضايا الإدارية على غرار المعمول به في القضايا العدلية، فإن القضاء الإداري اللبناني يُختزل في بعض الهيئات ذات الطابع القضائي ومجلس شورى الدولة الذي غالبا ما ينظر في النزاعات الإدارية بالدرجة الأولى والأخيرة، بغياب المحاكم الابتدائية والاستئنافية. لكن تونس كما لبنان يتميّزان في تمركز القضاء الإداري في العاصمة، وإن عمدت تونس إلى إنشاء دوائر في المناطق تزامنا مع انتخابات المجالس البلدية.

وفيما تفرض هذه الفوارق التنبه والحذر عند إجراء المقارنة، فإن بعضها (وبشكل خاص اختلاف خلفيات واضعيه) يشكل عامل غنى ولفت نظر إلى أمور لا بد من التحسّب لها في كلا البلدين. ولهذه الغاية، سنحصر المقارنة بخصوص المسائل التي تدخل ضمن النطاق الذي حدده المشروع التونسي، أي في نطاق تنظيم المحاكم الإدارية وأصول المحاكمات أمامها، على أن نتولّى في وقت لاحق مسعًى أكثر شموليّة للقضاء الإداري في البلدين. وفي هذا الإطار، سنسْعى إلى إبراز المقترحات التي تميّز بها كلا المشروعين لنتناول من ثم المقترحات المشتركة لهما.

 

  • مسائل تميّز بها المقترح التونسي

عند مراجعة المقترح التونسي، يظهر أن أهم الإصلاحات التي تميّز بها بالنسبة إلى المقترح اللبناني أمكن تصنيفها ضمن الإصلاحات التقنية أو تعزيز أداء المرفق القضائي.

وقد تمثل ذلك بوجه خاص في إصلاحين بالغي الأهمية:

 

الاجراءات تتم بالصورة الإلكترونية

أول الإصلاحات في هذا المجال، الاستعانة بتطور التقنيات لتطوير أداء المحكمة. وعليه، فرض المقترح أن تتم الإجراءات (تقديم دعاوى أو لوائح…) بالوسائل الإلكترونية، على نحو يؤدّي إلى إنهاء هيمنة الورق السائدة حتى الآن في عمل المحكمة. ومن شأن هذا الأمر أن يسمح بتقديم الدعاوى عن بعد وبمشاركة المعلومات ضمن إدارات الدولة المعنية بسهولة أكبر، فضلا عن تسهيل مهمة القضاة في تلخيص مطالب الفرقاء في الدعوى. فضلا عن ذلك، عمد المقترح إلى استخدام التكنولوجيا لمعالجة تحكم رؤساء المحاكم في توزيع المراجعات بما يعطيهم امكانية التأثير في مآلها. وقد تم ذلك من خلال اعتماد التوزيع الإلكتروني للقضايا على الدوائر، وإن حفظ المقترح امكانية تعديل هذا التوزيع استثنائيا وبشكل معلّل. ومن المهم بمكان الإشارة هنا إلى الاستخدامات الكثيرة التي تتيحها الوسائل الإلكترونية في تسهيل تقييم أداء المحاكم والدوائر على نحو يؤمل منه إيجاد حلول للبطء الشديد الذي بات يعتري أداء المحكمة الإدارية[2]. كما أن من شأنها إنتاج معلومات مفيدة بشأن عمل الإدارات العامة ومدى التزامها بالقانون… إلخ. ويذكر أحد القضاة الإداريين فيصل بوقرة في مقال نشره في جريدة الصباح[3] (08-07-2020) بأن “مقتضيات هذه الفصول لن تدخل حيز النفاذ إلا بعد تجهيز موقع واب المحكمة الإدارية الذي تمّ الشروع في إنشائه منذ أواسط سنة 2019 وشارف على نهايته في معظم جوانبه التقنية والفنية”. كما أنه يشير إلى أنه “يجري حاليا اجراء دورات تدريبية وتكوينية مكثفة لفائدة أعوان المحكمة الذين سوف يكونون معنيين مباشرة بمعالجة المعلومة والوثيقة القضائية الإلكترونية”.

 

الصلح في النزاعات الإدارية

أما الإصلاح الثاني الذي تفرّد به المقترح التونسي، فهو يتمثل في إدخال مواد تتصل بتنظيم اجراءات خاصة للصلح في النزاعات الإدارية. وتولي النصوص المقترحة رئيس المحكمة امكانية تكليف قاضٍ من غير القضاة الناظرين في النزاعات إجراء مساعي صلحية. وإذ يسمح هذا الأمر بتخصيص عدد من القضاة الإداريين بإجراءات الوساطة، فإن له محاذير لجهة إطالة أمد المحاكمة أو تحوله إلى أداة لسحب الملف من هيئات قضائية معينة تحت غطاء اجراءات الصلح.

 

  • مسائل تميز بها المقترح اللبناني:

بالمقابل، من أبرز المسائل التي تفرّد بها مقترح لبنان، الآتية:

 

وضع مبادئ واضحة للتنظيم القضائي:

أول ما يتميز به المقترح اللبناني هو وضع مبادئ واضحة للتنظيم القضائي في مستهله (المادة 2 منه) ضمن قائمة ضمّت 11 مبدأ، يستشفّ من المقترح التونسي أنه عمل بهدي من بعضها وإن لم يذكرها صراحة. وبالإمكان تصنيف هذه المبادئ ضمن ثلاث فئات:

  • المبادئ التي يفرضها مبدأ استقلال القضاء على التنظيم القضائي وهي تتمثل هنا بشكل خاص بمبادئ الاستقلال الداخلي أي الاستقلال إزاء كبار القضاة الإداريين. وقد تمثلت هذه الفئة من المبادئ في مبدأين أساسيين: (1) إشراك القضاة في إدارة شؤون محاكمهم على قدم المساواة، و(2) مبدأ المساواة بين القضاة وعدالة توزيع العمل في ما بينهم. وقد تمّ تجسيد هذين المبدأين على طول الاقتراح سواء لجهة تقليص صلاحيات رئيس المحكمة العليا للقضاء الإداري (مجلس شورى الدولة) والتي تشكّل حجر الأساس في التنظيم الهرميّ داخل القضاء الإداري[4] ونقل معظمها لمجلس القضاء الأعلى الإداري. وقد استندت الأسباب الموجبة لهذا المقترح على القرار رقم 5/2000 من المجلس الدستوري اللبناني الذي اعتبر أنه لا يجوز إيلاء رئيس مجلس شورى الدولة وحده أمر تعيين القضاة الإداريين بقرار منفرد منه. وفي موازاة ذلك، نصّ المقترح على إنشاء جمعية عموميّة على صعيد المحاكم الإدارية وهيئة عامة سنوية يشترك فيها جميع القضاة الإداريين. والأهمّ، وضع المقترح ضمانات لتفعيل المشاركة في هذه الهيئة، مثل إلزام مجلس القضاء الإداري بإبلاغ جدول أعمالها، وتمكين القضاة من اقتراح بنود عليه فضلا عن إبلاغهم التقرير السنوي الذي ستتم مناقشته فيها مسبقاً لكي يتسنى لهم الاطلاع على مضمونه والتمعن به ومناقشته والمداولة به في اجتماع الهيئة العامة. وعليه، يهدف المقترح إلى تشريك القضاة في تنظيم المحاكم التي يعملون ضمنها على قدم المساواة وفي انشاء روابط تضامن وتفاعل فيما بينهم. إلى ذلك، تضمن المقترح نصوصا عدة فرضت على المجلس استشارة الجمعيات الممثلة للقضاة. ويلحظ هنا أن المقترح التونسي لم يتضمن أي إشارة لوجود جمعيات عمومية بل حصر التشاور بعدد محدود من القضاة الذين يتربعون على قمة الهرم، بما يحدّ من التشاركية في إدارة شؤون المحاكم.

كما يلحظ أن المقترح التونسي “حافظ على صلاحيات الرئيس بمحكمته مسنداً لرؤساء المحاكم الابتدائية والاستئنافية ولرئيس المحكمة الإدارية العليا صلاحية “تعيين القضاة بمختلف الدوائر الحكمية بمحاكمهم” وكذلك صلاحية تحديد مواعيد صرف الملفات الجاهزة للحكم لجلسات المرافعة. ويبدو بالتالي “الرئيس” هو الذي يهيمن من خلال آليات تضمنها النص على المحكمة بشكل يتعارض مع مفهوم “قيم المجتمع الديموقراطي” الذي اعتمدته هذه المحكمة في أكثر من قرار صدر عنها كسبب للتصريح بعدم مشروعية نصوص تشريعية”[5].

  • المبادئ الضامنة للمحاكمة العادلة: وقد تمثلت هذه المبادئ بمبدأين أساسيين: (1) مبدأ الهيئة القضائية الجماعية أمام المحاكم الإدارية الإبتدائية ومجلس شورى الدولة بغرفه كافة، إلا في الحالات المنصوص عليها حصرا في القانون (وهو أمر يجد مثيلا له في المقترح التونسي) (2) ومبدأ القاضي الطبيعي والذي يوجب أن تتم محاكمة جميع المتقاضين ذوي الوضعية نفسها أمام المحاكم عينها، وفق نفس القواعد الإجرائية والقانونية، والأهم أن تُحدّد الهيئة القضائية الناظرة في نزاع معين وفقًا لمعايير موضوعية محددة مسبقا. وقد انعكس هذا المبدأ الأخير في تقليص صلاحيات رؤساء الغرف (الدوائر) والمحاكم بما يمنعهم من التحكّم في هوية أعضاء هيئات الحكم التي يرأسونها (وهو أمر يجد ما يماثله في المقترح التونسي من خلال اشتراط حصول توزيع القضايا بصورة إلكترونية وإن وجد حدوده في الصلاحيات الواسعة الممنوحة لرؤساء المحاكم وفق ما تقدم بيانه).
  • المبادئ الضامنة لحُسن سير المرفق العامّ. ومنها مبدأ وحدة القضاء الإداري، ومبدأ تخصص القاضي والذي يفترض تمتّعه بمؤهلات علمية وخبرات مهنية تمكّنه من القيام بالمهمة القضائية التي يتطلّبها المركز الذي عُيِّن فيه، ومبدأ انتظام واستمرارية المرفق القضائي، ومبدأ الشفافية، ومبدأ المداورة بين القضاة تمكيناً لهم من تطوير معارفهم في الإختصاصات المختلفة ودرءاً لنشوء مواقع نفوذ داخل المحاكم، وأخيرا مبدآ تقريب المحكمة من المتقاضين والمساواة والإنماء المتوازن بين جميع المناطق، والمرونة في تقسيم المحاكم وتوزيعها لمواكبة الحاجات الإجتماعية وتغُيّر عدد القضايا صعوداً أو نزولاً. ومن المهم هنا بمكان التوقف عند مبدأ الشفافية والذي توسع المقترح اللبناني في تفصيله. وهو مبدأ تجسّد ليس فقط في فرض نشر حكمي للقرارات الصادرة عن القضاء الإداري بل أيضا في نشر إحصاءات دورية عن أعمالها وفي إنشاء مكتب إعلامي ضمن أمانة سرّ المجلس فضلا عن توفير المعلومات الكاملة حول الأعمال التي قد يقوم بها القضاة من خارج وظائفهم الاعتيادية.

يضاف إلى ذلك إعطاء القاضي المشارك في هيئة الحكم امكانية إبداء رأي مخالف. ويجدر القول هنا أن المقترح اللبناني إنما يستعيد الاتجاه المعمول به عموما في أصول المحاكمات بما يميز النظام القضائي اللبناني عن مجمل الأنظمة المستمدة من النظام الفرنسي، وعموما عن مجمل الأنظمة القضائية في دول المنطقة العربية.

 

التوسّع في تعريف الصفة والمصلحة

ثمة معركة بالغة الأهمية تجري في كواليس القضاء الإداري اللبناني. معركة بالإمكان أن نسمّيها معركة المصلحة أو الصفة بالتقاضي. فكلما طعن مواطن أو مجموعة مواطنين (جمعية متخصصة) بقرار إداري لإخلاله بالشرعية وربما بالدستور، بادرت “السلطة” (قد تكون الدولة أو بلدية أو شركة خاصة نافذة مستفيدة من القرار المطعون فيه) إلى الطعن بصفة الجهة الطاعنة، بهدف ردّ الدعوى شكلا من دون حاجة للنظر في أساسها. وعموما تزيد هذه “السلطة” لجوءها إلى هذه الحجة بقدر ما تضعف حجّتها في الدفاع عن شرعية قراراتها أو يكون دفاعها عنها مستحيلا أو غير أخلاقي. فكلما عجزت هذه “السلطة” عن إقناع الرأي العامّ بصحّة قراراتها، تتمترس وتنكفئ للطعن بالصفة والمصلحة. ولسان حالها هو أنه ليس للمواطنين صفة أو مصلحة للدفاع عن الصالح العامّ، عن البيئة أو الملك العام أو حقوق المستهلك … إلخ بحيث يشكل أيّ عمل منهم في هذا الإتجاه تطفّلاً على السلطات العامة التي تبقى هي وحدها صاحبة الصفة للدفاع عن الصالح العام، بالنيابة عن الناس كافة وأن أي مسار مختلف قد يؤدي إلى انتشار الدعوى الشعبية وإغراق القضاء الإداري بالدعاوى. ومن اللافت أن “هذه السلطة” لا تجد حرجا في استخدام هذه الحجة رغم صدور قوانين توجب على المواطن الدفاع عن البيئة والتزام الدولة أصلا باتفاقيات دولية تلزمها بتشجيع المواطن على الكشف عن الفساد ومكافحته (المادة 13 من اتفاقية مكافحة الفساد). ومؤدى ذلك إضعاف حسّ المشاركة للمواطنين في الشؤون العامة والأهم تحصين عدد كبير من القرارات الإدارية إزاء أي مراجعة أو طعن في شرعيتها.

والواقع إن الطعن بشرعية القرارات الإدارية لتجاوزها حدّ السلطة، وفق ما كتبه فرنسوا بلون (أستاذ فرنسي في القانون الإداري) في مقالة نشرتها المفكرة القانونية تحت عنوان: “الصفة والمصلحة في القضاء الإداري اللبناني”[6]، لا يضع فردين في مواجهة بعضهما البعض بل سلطتين: تنفيذية وتشريعية. فالمواطن يطعن في الأولى لأنها لم تحترم الثانية”. وقد ذكّر بلان في هذا الخصوص بما كان كتبه فيكتور هوغو في 1932 في كتابه “الملك يلهو”: “لا أخشى أبداً أن أواجه وزيراً وجهاً لوجه فالمحاكم (ضمناً: المحاكم الإدارية) هي الحكَم الطبيعي لهذه المبارزات الشريفة (…) مبارزات ليست غير متكافئة بالقدر الذي نعتقده، لأنّ هناك من جهة الحكومة بكاملها ومن جهة أخرى مواطن عادي. ولكن المواطن العادي قوي عندما يلجأ إلى قوسكم للطعن في إجراء غير قانوني ومن المخجل فضحه على الملأ ولدحض مشروعيته أمامكم، كما أفعل الآن..”.[7]كما ذكّر بلان بآراء موريس هوريو وهو من أبرز فقهاء القانون العام الفرنسيين في بداية القرن العشرين وفحواها: “الدعوى الإدارية تصبّ في مصلحة الجميع وليس فقط المصلحة الشخصية للمدّعي”[8]. وفي بداية القرن الجاري، أجرى رينيه شابو التحليل ذاته حيث خلص إلى أن الدعوى الإدارية لديها “فائدة عامة” و”هدفها حماية الشرعية”[9].

وإذ تساءل بلان على ضوء كل ذلك عن المصلحة التي يقتضي توفرها لدى المدّعي لقبول دعواه في دولة ديمقراطية، فإنه سارع إلى الإجابة بأن مصلحة المواطن تبدو بديهية بضمان فصل السلطات وضمان تفوّق السلطة التشريعية، كتعبير عن سيادة الأمة، على السلطة التنفيذية. فلا يجوز “مصادرة المصلحة في الطعن في القرارات الإدارية، إنما ثمة مصلحة اجتماعية لتوسيع تعريفها”.

انطلاقا من كل ذلك، أفرد المقترح اللبناني لمفهوم المصلحة والصفة مادة مفصلة. ومن أبرز ما نص عليه المقترح في هذا الخصوص تمكين أيّ مُستدعٍ، بتقديم طلبات إبطال ضدّ أيّ عمل يلحق ضرراً فادحاً بالمصلحة العامة في قضايا مكافحة الفساد وحماية البيئة، فضلا عن تمكين أي جمعية أو نقابة أو شركة مدنية لا تبتغي الربح من الطعن بما يتعلّق بأي عمل غير مجرد من أي صلة بموضوعها. فضلا عن ذلك، مكّن المقترح أي نائب من الطعن بأي عمل أو إحجام يؤثر في تطبيق القوانين أو بمراسيم التجنيس. كما مكّن أيّ موظّف عام من الطعن بأيّ عمل يمسّ بحسن سير المرفق العام، وأي مستخدم لأحد المرافق العامة من الطعن بأي إجراء يمسّ بتنظيم هذا المرفق أو حسن سيره.

 

إعطاء أوامر للإدارة

يوضح المفهوم الأقصى لفصل السلطات بأن القضاة تاريخياً لم يُمنحوا أي سلطة بتوجيه أوامر للإدارة. وهو أكبر عقبة أمام إرساء نظام قانوني آمن ويتسبب بكسر الثقة التي يضعها المواطنون في مؤسساتهم[10]. ومؤدّى هذه القاعدة الوصول إلى نتائج سلبية جدا، كأن يصدر القضاء الإداري اللبناني قرارات تكرّس عدم شرعية الأعمال الإدارية من دون أن يستتبعها أي نتيجة عمليّة. وهذا ما يتأتى عن المادة 91 من نظام مجلس شورى الدولة التي تنصّ أنّ على القاضي أن يكتفي بإعلان الأوضاع القانونية التي تشكّل موضوع الدعوى التي يبتّ فيها، وأنّه لا يحقّ للقاضي أن يقوم مقام السلطة الإدارية ليستنتج من هذه الأوضاع النتائج القانونية التي تترتّب عليها ويتخذ ما تقتضيه من مقررات.

انطلاقا من ذلك، استمدّ المقترح اللبناني من التطور الحاصل في فرنسا في العقود الأخيرة ابتداء من 1995 حلولا من شأنها أن تخفف من حدة هذا الوضع وذلك من خلال اعتماد نظام الإكراه الإستباقي الذي يوفّر حماية فعّالة من خطر عدم التنفيذ. وعليه، نص المقترح على أنه في كل مرة ينطوي تطبيق الحكم فيها بالضرورة على إجراء تنفيذي في اتجاه معيّن، يجوز للقاضي أن يأمر الإدارة باتخاذ ذلك الإجراء. ومن خلال القيام بذلك، سيوضح القاضي فقط النتائج القانونية لقراره مع تحديد تدابير تنفيذه في متنه حتى قبل أن تبرز أية صعوبات في التنفيذ، وكل ذلك من دون تجاوز حدود دوره كقاضٍ. بمعنى أن هذه الصلاحية لا تخوله القيام مقام الإدارة حين يتطلّب القرار القضائي خيارات تقديرية أو التوجّه إلى إعادة النظر في وضع معين. كمثال على ذلك، قد يرفق القاضي الإداري قراره بإبطال قرار رئيس الوزراء برفض اتخاذ مرسوم تنفيذي ضروري لدخول قانون حيز التنفيذ، بأمر قضائي يوجّه إلى رئيس الوزراء لإصدار المرسوم ونشره. وهكذا يتمّ إرساء توازن السلطات، حيث لا تمتلك السلطة التنفيذية الأهلية القانونية لعرقلة تطبيق نص صوّتت عليه السلطة التشريعية إلى أجل غير مسمى. كما يكون له مثلا عند إبطال قرار برفض منح ترخيص لمواطن بالقيام بنشاط معين رغم توفر الشروط الموضوعية للحصول على الترخيص، أن يأمر الإدارة أيضاً بمنحه الترخيص.

وقد استلحق المقترح التونسي هذا الأمر جزئيا من خلال الآليات التي أدخلها لتعزيز تنفيذ الأحكام، والتي تنطبق في المرحلة اللاحقة لصدور الحكم في حال تقاعس الإدارة عن تنفيذه وفق ما نبينه أدناه.

 

ختاما، تجدر الإشارة إلى تضمين المقترح اللبناني مواد هامة لتعزيز حماية المواطن، سواء من خلال إعطاءه صلاحية واسعة في اختيار المحكمة المختصة ترابيا أو في قبول المراجعات المقدمة منه لقطع المهلة أو لربط النزاع، حتى ولو تم تقديمها لإدارة غير مختصة، بحيث يكون على هذه الأخيرة توجيه المراجعة للإدارة المختصة.

 

  • التوجهات المشتركة للمقترحين

من أبرز التوجهات المشتركة للمقترحين ضمان الاستقلال المالي والإداري للقضاء الإداري، فضلا عن توسيع صلاحيات القضاء المستعجل وخصوصا في ما يتصل بالطعن في القرارات التي تمس بالحريات الأساسي أو بشروط المنافسة ودمقرطته، والسعي لتعزيز آليات تنفيذ الأحكام.

 

الاستقلالية المالية

يلتقي المقترحان على منح الاستقلالية المالية والإدارية للقضاء الإداري، وذلك من ضمن معايير استقلال القضاء. فكلا الاقتراحين ينصان على وجوب تضمين قانون الموازنة العامة موازنة خاصة بالقضاء الإداري، مع تمكين أجهزة هذا القضاء من ممارسة صلاحياتها في هذا المضمار.

 

توسيع صلاحيات القضاء المستعجل ودمقرطته:

عجلة الحريات إلى الواجهة…

“يعتبر قضاء العجلة الإداري، وبالأخصّ تنوع وتطور اجراءات العجلة لديه، من أهم المعايير الدالّة على إرساءٍ فعليّ لدولة القانون، هذه الدولة التي يخضع فيها الأشخاص كما والسلطات العامة لمبدأ الشرعية والتي تصان فيها الحقوق والحريات والصالح العام على حدٍ سواء. وبالفعل، يساهم تطوير اجراءات العجلة القضائية بتفعيل القضاء الإداري وتغيير صورته للإرتقاء به من موقع القضاء المتفرج الذي يكتفي بإبطالٍ متأخر للقرارات الإدارية وتعويضٍ غير شافٍ لتبعاتها، إلى موقع القضاء المتدخّل الذي يضمن ويحمي ويصون الحقوق والحريات كما والصالح العام، ويضع حداً سريعاً وفعالاً لتسلط واستنسابية السلطات العامة”. هذا المقطع مأخوذ من مقالة كتبها الأستاذ الجامعي ندي أبي راشد وهو أحد أبرز المساهمين في وضع المقترح اللبناني[11]. وعليه، بدا متوقعا أن يتوسّع المقترحان بشكل لافت في تحديد صلاحيات قضاء العجلة.

أول مجالات هذا التوسّع اتصلت بالقرارات الإدارية الماسّة بالحريات، أو باعتماد ما يسمّى تيّمناً بتنظيم القضاء الفرنسي REFERE LIBERTES. وفيما اكتفى المقترح اللبناني بالإحالة هنا إلى مفهوم “الحرية الأساسية”، أحال المقترح التونسي إلى “الحريات اللصيقة بذات الإنسان والحقوق والحريات المضمونة دستوريا”. بالطبع، تبقى هذه الحريات محمية بالحدّ الأدنى من قبل القاضي العدلي عبر قبوله نظرية التعدّي التي تطبّق في كل مرة ترتكب الإدارة مخالفة واضحة تمسّ بحرية أو بحق الملكية، إلا أنّ هذه النظرية تبقى قاصرة عن مواجهة جميع القرارات الماسة بالحرية، حيث أن مجرّد إلحاق قرار ينتهك الحريات باختصاص إداري يجرّد القضاء العدلي من صلاحيته ويترك المواطن منزوع السلاح أمام الإدارة. كما لا يكون القضاء العدلي عموما صالحا للنظر في القرارات التي لا تحتاج الإدارة لوضعها موضع التنفيذ إلى اللجوء إلى آليات التنفيذ القسري. وقد برزت مؤخرا عالميا أهمية هذه الصلاحية، وبخاصة في ظلّ إتخاذ الدّول تدابير حاسمة ومقيّدة للحريّات الأساسية للحدّ من إنتشار جائحة الكورونا.

ويرتقب أن يؤدّي توسيع القضاء المستعجل في هذا الخصوص إلى تعزيز وظيفة القاضي في حماية الحقوق والحريات وفق مبدأي التناسب والضرورة، واللذين كرسهما الدستور التونسي الجديد في المادة 49، ومعها إلى تعزيز المنظومة الحقوقية برمتها.

وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى تضمين المقترح التونسي نوعا آخر من العجلة وهي العجلة ل “حماية الملك العام وضمان سلامة البيئة”. وفيما تفرّد هذا المقترح بفتح هذا الباب، فإن المقترح اللبناني عبّر عن اهتمام مماثل لجهة حماية الملك العام وسلامة البيئة، من خلال توسيع الصفة والمصلحة في الطعن في القرارات الإدارية كما سبق بيانه. وقد يكون جمع المقترحين في هذا المجال مفيداً لترسيخ دور القضاء الإداري في هذا المجال، بحيث يوسع المقترح اللبناني حدود القضاء المستعجل ويلغي المقترح التونسي أي ذريعة مرتبطة بالمصحة والصفة للحدّ من مراجعات مماثلة.

كما توسع كلا المقترحين بالعجلة في منح السلف على حساب الدين غير المنازع به جديا ووقف التنفيذ وتدابير الحماية والمعاينة والتحقيق. وفيما نص كلا المقترحين على العجلة في الفترة السابقة للتعاقد حماية للمنافسة الحرة، فإن المقترح التونسي تفرّد في إعلان اختصاص القضاء المستعجل في التدخل حتى في الفترة التي تعقب إبرام العقود (وهو أمر يستحق نقاشا يتجاوز حدود هذا المقال).

ختاما، تجدر الإشارة إلى أن كلا المقترحين سعيا إلى دمقرطة القضاء المستعجل في هذه الحالات أو في مادة توقيف التنفيذ أو حماية المنافسة من خلال إعمال مبدأ التقاضي على درجتين.

“في البلدان التي تعتمد القانون الإداري، لا يتم عموماً إخضاع الأشخاص العامين (الدولة والإدارات المحلية والمؤسسات العامة) إلى طرق إنفاذ القانون العادي الذي من المحتمل سلوكها في مواجهة الأفراد. ورغم ذلك، يعتبر عدم تنفيذ الإدارة للقرارات التي يتخذها قضاة مستقلّون أمراً غير مقبول”[12]. ومن هذه الزاوية، سعى كلا المقترحين إلى تطوير آليات تنفيذ أـحكام القضاء الإداري من دون أن يقطعا تماما مع الضوابط المفروضة على التنفيذ على أشخاص الحق العام. ولا تخفي المفكرة القانونية توجسها من أن تنجح قوى نافذة من استغلال نفوذها لتحميل الدولة مسؤولية إدارية تجاهها تمهيدا للحصول على أحكام تقرّ لها بتعويضات هائلة ينتهي كل مواطن إلى دفعها في ظل أزمات مالية خانقة. وهذا ما حصل في إحدى القضايا حيث حُكم لشخصٍ متنفّذ أنشأ مقالع غير قانونية بالحصول على تعويضات فاقتْ مائتي مليون دولارا أميركيا وهي القضية المعروفة بقضية آل فتوش.

ومن الآليات المتفق عليها في المقترحين لتطوير آليات تنفيذ الأحكام هو وجوب إنشاء جهاز خاصّ لدى المحكمة العليا، يتولّى مهمة تحفيز الإدارة والضغط عليها لهذه الغاية. ويتكوّن هذا الجهاز (المكتب) وفق المقترح اللبناني من ثلاثة قضاة: القاضي المتفرغ في مجلس القضاء الإداري وقاضٍ من مجلس شورى الدولة  (المحكمة العليا الإدارية) وقاضٍ ثالث من المحاكم الابتدائية الإدارية. ويتولى هذا المكتب وفق المقترح تقديم المشورة إلى الإدارة، بناء على طلب استفسار يرد منها أو من الطرف المعني، حول سبل تنفيذ الأحكام والقرارات المشمولة بمهامه. وهو يقوم فضلا عن ذلك بإعداد تقرير سنوي حول مهامه. يتمّ إدراج مضمونه ضمن التقرير السنوي الصادر عن “المجلس” تحت عنوان “متابعة تنفيذ أحكام وقرارات هيئات القضاء الإداري”.

أما في تونس، فقد نصّ المقترح على إنشاء لجنة وطنية لمتابعة تنفيذ الأحكام لدى المحكمة العليا، على أن يضبط تكوينها وطرق سير عملها بأمر حكومي بناء على اقتراح رئيس المحكمة العليا. كما وضع المقترح آليات من شأنها تعزيز الشفافية في هذا المضمار: ففيما ألزم الإدارات العامة تقديم قائمة للمحكمة العليا في الأحكام الإدارية التي يتم تنفيذها مع بيان أسباب ذلك، فإنه وضع على عاتق هذه الأخيرة تجميع البيانات والمعطيات ضمن تقريرها السنوي وعلى أن توجه هذه المعطيات إلى أعلى المراجع في السلطتين التشريعية والتنفيذية فضلا عن رئيس المجلس الأعلى للقضاء ورئيس هيئة الحوكمة ومكافحة الفساد.

ويتميز أيضا المقترح من خلال تمكين الطرف المتضرر من عدم تنفيذ القرار الصادر لمصلحته تقديم طلبات للمحكمة التي أصدرت هذا القرار لتحديد آليات تنفيذه. كما يكون له تقديم دعوى لإلزام الإدارة بتسديد غرامة إكراهية عن التأخير في تنفيذ الأحكام. وهنا يتميز المقترح اللبناني بتمكين القضاء الإداري من تحديد آليات تنفيذ الأحكام وتضمين غرامة إكراهية في الأحكام الصادرة عنه، بشكل يستبق نشوء أي إشكال في هذا الشأن، وفق ما سبق بيانه ضمن فقرة “إعطاء أوامر للإدارة”.

كما يشترك المقترحان في تعزيز المسؤولية المدنية والعقابية لكل من يعيق تنفيذ هذه القرارات.

 

نشر هذا المقال  بالعدد 20 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قضاء تونس في زمن الياسمين

[1]  بمقتضى القانون الأساسي عدد 39 لسنة 1996 المؤرخ في 3 جوان 1996.

[2] محمد العفيف الجعيدي، الزمن القضائي بالمحكمة الإدارية وقد استحال إنكارا للعدالة: قضية براكة الساحل نموذجا، منشور في هذا العدد (تونس، 20).

[3]  فيصل بوقرة، تقديم لأهم ما جاء بورقة مجلة القضاء الإداري- الصباح التونسية 7 و8 و9 جويلية 2020 .

[4] المفكرة القانونية، الهرمية أو إمساك الحقوق من فوق، المفكرة القانونية- لبنان، العدد 65،حزيران 2020.

[5] محمد العفيف الجعيدي، دمقرطة مؤسسات القضاء سؤال آن زمان طرحه، منشور في هذا العدد.

[6] المفكرة القانونية- لبنان، العدد 65،حزيران 2020.

[7]مرافعة في العام 1832، خلال محاكمة تتعلّق بكتابه “الملك يلهو”.

[8]Note sous l’arrêt Chabot, rendu par le conseil d’État français en 1903

[9]Droit du contentieux administratif, Montchrestien, 2002, p. 204

[10] أوليفيه غيّارد، حين يُكره القاضي الإداري أشخاص القانون العامّ على احترام قراراته، المفكرة القانونية- لبنان، العدد 65، حزيران 2020.

[11] ندي أبي راشد، قضاء العجلة في القضاء الإداري اللبناني: الغائب الأكبر، المفكرة القانونية- لبنان، العدد 65،حزيران 2020.

[12] أوليفيه غيّارد، مذكور أعلاه.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، تونس ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قرارات إدارية ، قضاء ، لبنان ، مجلة ، مجلة تونس ، محاكم إدارية ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *