مساران لاستدعاءات نقابة المحامين: محامون أمام مفوّض العدل فيما صاغيّة أمام مجلس النقابة غدًا


2023-04-19    |   

مساران لاستدعاءات نقابة المحامين: محامون أمام مفوّض العدل فيما صاغيّة أمام مجلس النقابة غدًا

أخذت حملة الاعتراض على التعديلات على نظام آداب مهنة المحامين التي تحوّل النقابة إلى “سنترال” يتلقى طلبات للكلام في الإعلام، تأخذ منحى مختلفًا مع انضمام بعض الأحزاب إلى فريق المعارض لها. والتعديلات التي تقضي بإلزام المُحامين الحصول على إذن مسبق من النقيب قبل الظهور في أي وسيلة إعلامية أو ندوة قانونية لاقت في البداية اعتراضات من أحزاب وجمعيّات معارضة للسلطة السياسية فيما التزمت الأحزاب السياسية الحاكمة الصمت لنحو شهر من صدورها. وبعد تحوّل قضية التعديلات على نظام آداب المحامين إلى قضية رأي عام وجرّاء توالي الانتقادات لصمت الأحزاب السياسية، أعلن بعضها موقفًا مُعارضًا لقرار مجلس النقابة، ومن بينها التقدمي الاشتراكي والتيار الوطني الحر اللذين طالبا مجلس النقابة بالرجوع عن التعديلات والكتائب الذي اكتفى بالمطالبة بتجميد قرار التعديل. وأتت هذه المواقف بالتزامن مع استدعاء نقابة المحامين لثلاثة محامين للاستماع إليهم على خلفية تصريحات لهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويوم الثلاثاء في 18 نيسان استمع مفوّض نقابة المحامين في قصر العدل المحامي عماد مارتينوس للمحامين حسين رمضان ويوسف الخطيب بعد استدعائهما على خلفية منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تناولا فيها مواضيع تتّصل بنقابة المحامين. وخرج الأخيران من جلستي الاستماع من دون أن يُتّخذ أي إجراء بحقهما. وحُصرت جلسة الاستماع لرمضان والخطيب بمفوض النقابة لدى قصر العدل على خلاف استدعاء المدير التنفيذي لـ “المفكرة القانونيّة” المحامي نزار صاغية الذي استلم استدعاءً خطيًا للمثول أمام مجلس النقابة وليس أمام مفوّضها لدى قصر العدل. 

وبانتظار 4 أيار المقبل موعد صدور القرار في الطعن الذي تقدّم به 13 محامٍ من بينهم صاغية، والذي يفترض أن يصدر عن محكمة الاستئناف المدنية الناظرة في القضايا النقابية برئاسة القاضي أيمن عويدات،  يمثل صاغية غداً الخميس 20 نيسان أمام مجلس نقابة المحامين بالتزامن مع دعوات للتضامن معه أمام قصر العدل في بيروت. 

من جهته، سلك نقيب المحامين السابق والنائب الحالي ملحم خلف مسارًا مختلفًا في المواقف المعترضة على التعديلات، حيث أرسل كتابًا إلى نقيب المحامين الحالي في بيروت وأعضاء مجلس النقابة اعترض فيه بشكل خاص على المادة 41 التي باتت تفرض الحصول على إذن مسبق قبل المشاركة في ندوة أو مقابلة ذات طابع قانوني عام. وعلّل خلف كتابه بالقول: “كي لا يُفسَّر سكوتنا بأنه موافقة ضمنية على انتهاك حقوق المحامين الدستورية وحرياتهم الفردية الأساسية”، مطالبًا مجلس النقابة بإعادة النظر في التعديلات. 

وشدد على معارضة التعديلات لأحكام الدستور كونها تخلق تمييزًا بين المواطن–المحامي وسائر المواطنين” وتفرض على المحامي شرطًا “غير دستوري (الإذن المسبق)” لممارسة حق “دستوري” يتمثل في التعبير عن رأيه بحرية وضمن حدود قسمه. 

رمضان: “كان الجو لطيفاً وراقياً”

المحامي حسين رمضان الذي تم الاستماع إليه يوم الثلاثاء 18 نيسان 2023 قال لـ “المفكرة”: “توجهت صباحًا إلى مكتب مفوّض قصر العدل المحامي عماد مارتينوس، ودخلنا سويًا إلى مكتب نقيب المحامين ناضر كسبار حيث اجتمعنا لنحو 45 دقيقة”. ويُضيف: “كان الجو لطيفاً وراقياً، وتناقشنا في موضوع التعديلات الأخيرة على النظام الداخلي وأوضح لي النقيب أنّ خلفية التعديلات لها علاقة ببعض المحامين الّذين يسيئون للمهنة عبر إعطاء استشارات على وسائل التواصل الاجتماعي ومن بينها تيكتوك”. وتابع: “أبديت وجهة نظري، وأوضحت أنّه من الأفضل محاسبة الأشخاص الّذين يقومون بهذه التجاوزات بدلًا من تقييد حريّة المحامين جميعًا”. وتابع بأنّ النقيب أبدى تفهّمه وأشار إلى وجود طعن أمام محكمة الاستئناف المدنية الناظرة في القضايا النقابية وأنّ النقابة بانتظار الحكم الذي سيصدر في 4 أيّار. وكان رمضان قد أعلن على صفحته على فيسبوك أنّه تم استدعاؤه على خلفية تعليق له على منشور لشخص (عضو مجلس النقابة ألكساندر نجّار) “خالف القانون، وبسبب التمسّك بحرية الرأي والتعبير”. 

وشرح رمضان لـ “المفكرة” أنّ أجواء الاستماع إليه كانت هادئة ولم يتمّ تدوين أي محضر. وأكّد بأنّه لا يوجد أي خصومة شخصية مع النقيب، إنّما انتقاداته كانت تتناول التعديلات حصرًا. وأضاف: “النقيب اقترح إجراء لقاء مع المحامين لفهم الهواجس وكان إيجابيًا، ولذا علينا نحن كمحامين العمل على “لمّ” الموضوع”. وعبّر رمضان عن ارتياحه لنتائج الاجتماع، مشيرًا إلى أنّه أخذ الإذن من النقيب للظهور في برنامج تلفزيوني. وأكدّ “طلبت الإذن من النقيب ووافق”. ورداً على استيضاح “المفكرة” حول موافقته على لزوم طلب الإذن قبل الظهور الإعلامي، لفت إلى أنّه “من الأفضل إعلام النقيب، إذ في حال أي أمر يحصل نتيجة الظهور الإعلامي، ستكون النقابة على علم”. 

وكان يوم أمس أيضاً موعدًا للاستماع إلى المحامي يوسف الخطيب، وهو عضو لجنة إدارة صندوق تقاعد المحامين في النقابة. وقد علمت “المفكّرة” أنّ الخطيب حضر إلى مكتب مارتينوس، وخرج من جلسة الاستماع إليه من دون فتح أي تحقيق معه. وقد حاولت “المفكّرة” التواصل معه من دون نتيجة. وكان الخطيب قد نشر عدّة منشورات من بينها انتقاده المعاش التقاعدي الزهيد الذي يأخذه المحامي المتمثل بـ “540 دولار فيما الاشتراك السنوي في التأمين الصحّي يعادل 1150 دولار”. 

مسار مختلف للاستماع إلى صاغية 

أما بالنسبة لاستدعاء صاغية، فيظهر من المسار الذي اتخذته نقابة المحامين للاستماع إليه دلالة على احتمال شطبه من النقابة بموجب قرار إداري من المجلس وليس نتيجة للمسار التأديبي المعتاد. إذ تسلّم صاغية كتابًا خطيًا أولًا يطلب منه الحضور في 31 آذار للاستماع إليه في مجلس النقابة وليس أمام مفوّض النقابة لدى قصر العدل، لكنّه اعتذر عن الحضور بداعي السفر. وعادت النقابة وأرسلت الكتاب الثاني وطلبت حضوره  يوم غد الخميس 20 نيسان.

وأعلن صاغية في تغريدات أنّ مجلس النقابة لم يُبلغه سبب الاستدعاء معتبرًا ذلك إخلالًا بحق الدفاع ويدلّ على أنّ لا سبب وراء الاستدعاء إلّا إسكات صوتٍ تكرهه شياطين الفساد. وشرح أنّ استدعاءه أتى بعد نشر “ائتلاف استقلال القضاء” (والمفكرة القانونية من أعضائه) بيانًا يرفض فيه التعديلات الأخيرة على النظام الداخلي لنقابة المحامين، والذي ذكر فيه الائتلاف أنّ نقيب المحامين تحوّل رقيبًا عليهم. 

ولفت صاغية إلى أنّه تسرّب إليه وجود شكوى ضدّه من المصرفي أنطون صحناوي على خلفية نشر صاغية مقالًا في “المفكرة” في نيسان 2021 تناول قضية “Maison Blanche”  بعنوان: “جريمة ميزون بلانش: درسٌ في فنون إفلات أصحاب النفوذ من العقاب”. وقد اعتبر صاغية أنّ نشره لمقالاته هو واجب عليه استنادًا إلى المادة 13 من اتفاقية مكافحة الفساد ويجب تشجيعه عليها بدلًا من محاسبته. 

وبالتزامن مع جلسة التحقيق مع صاغية أمام مجلس النقابة يوم غد الخميس، دعا ائتلاف استقلال القضاء وتحالف حريّة الرأي والتعبير إلى “وقفة حرية” عند الساعة 10:30 صباحًا “رفضًا لتعديلات مجلس نقابة محامي بيروت بكم الأفواه وتنديدًا لاستدعاء المحامي نزار صاغية، وصونًا لحقوق المجتمع بالمعرفة والعدالة”. 

أخيراً بعض الأحزاب الحاكمة تتخذ موقفاً من التعدّي على الحريّات 

تأخّرت بعض الأحزاب في إعلان أي موقف من التعديلات من بينها حزب الكتائب اللبنانيّة الذي لم يصدر أي موقف سوى في 17 نيسان أي بعد أكثر من شهر على التعديلات. وشرح في بيان أنّه “آل إلى النأي بنفسه عن القضايا النقابية التي يعتبرها قضايا داخلية تُسوّى على طاولة مجلس النقابة وفي الجمعيات العمومية”. وردّ إصداره البيان إلى “أنّ قرار النقابة لم يعد قرارًا نقابيًا محضًا بل تحوّل إلى مادة رأي عام”. وأكدّ الحزب رفضه “رفضًا مطلقًا المسّ بالحريات العامّة والشخصية والإعلامية وهي في دستوره مسألة وجودية كحرصه على احترام أسس مزاولة مهنة المحاماة وقواعد سلوكها”. ودعا الحزب نقيب المحامين وأعضاء مجلس النقابة “الحريصين على صون الحريات والدفاع عنها إلى تجميد القرار الخلافي بانتظار فتح حوار نقابي عاجل مع كل الأفرقاء المعنيين”.  

وتبع الكتائب التيار الوطني الحر الذي أصدر بياناً في 18 نيسان 2023 طالب من فيه “سحب الموضوع من التداول لقطع الطريق على بعض المواقف الشعبوية”. وعبّر التيار عن استغرابه لـ “استدعاء بعض المحامين  لمساءلتهم عن آراء أدلوا بها بمواضيع تتعلق بحرية المحامين”. وحذّر البيان من أن “يُصبح  مجلس النقابة أسير قراراته التي تقيّد حرية المحامي وتمنعه من متابعة رسالته التي من أهم دعائمها الحصانة التي تحميه وتساعده على تحقيقها”. 

وكان الحزب التقدمي الاشتراكي قد ندّد  في 8 نيسان 2023 في بيان، بالتعديلات التي اعتبر أنّها “تحدّ من الحرية الشخصية للمحامين”. ودعا النقابة إلى إعادة النظر في قرارها فوًا، حرصًا على فكرة وجود النقابة وعلى الحريات العامة في لبنان. كما اعتبر عضو مجلس القيادة في الحزب المحامي نشأت الحسنية أنّ “إحالة بعض الزملاء المحامين للتحقيق بسبب آراء تتعلق بقضايا عامة أدلوا بها، هو أمر لا يشكّل فقط تقييدًا لحرية الرأي والتعبير المصانة بالدستور والقانون، بل انقلابًا على تراث النقابة وتاريخها الديمقراطي الحر وانتهاكًا لرسالة المحاماة ودور المحامي في المجتمع”، مطالبًا النقابة في إعادة النظر بالإجراءات التي اتخذتها.

محامون مناصرون للقضايا الاجتماعية يرفضون التعديلات

بعض المحامين الّذين استخدموا الظهور الإعلامي وسيلة لمناصرة القضايا الاجتماعية التي فيها تحديًا للنفوذ المسيطر على الساحة اللبنانية، يجدون في هذه التعديلات ضررًا بقضايا الناس. ويشرح المحامي محمد صبلوح لـ “المفكرة” أنّ هذا القرار لم يأت من فراغ، معتبراً أنّّ أي مواطن اليوم يتكلّم بموضوع حسّاس يتم الادعاء عليه أو سحبه للتحقيق فيما لا يُمكن التصرّف بالطريقة نفسها تجاه المحامين لأنّهم محصّنون”. وعليه، يجد صبلوح أنّ “هذه التعديلات هي وسيلة لقمع المحامي ومنعه من المواجهة في القضايا الكبرى”. ويُعدد صبلوح القضايا التي ينشط فيها مثل قضايا التعذيب قائلًا: “لولا صفحات التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام لما تمكّنا في قضية الموقوف بشّار عبد السعود الذي قُتل تحت التعذيب في مركز أمن الدولة من الادعاء على 7 عناصر وضابط وتوقيفهم لنحو ستّة أشهر”. ولفت إلى أنّ متابعة الإعلام لهذه القضية فرضت على المحكمة العسكرية علنية الجلسة بعدما كان هناك توجهًا لتحويلها إلى جلسة سريّة. وهنا يُذّكر صبلوح بأنّ القضاء في لبنان لا يتمتع بضمانات الاستقلالية ولهذا السبب نلجأ إلى الإعلام لفضح التدخلات السياسية في بعض الملفات. 

وفي قضيّة جريمة تفجير مرفأ بيروت، ثبت دور المحامين في مؤازرة أهالي الضحايا في الادعاء أمام القضاء كما في شرح وتبسيط الآليّات القانونية التي تتصل بالملف. وفي هذا الصدد يشرح أحد وكلاء أهالي ضحايا تفجير مرفأ بيروت المحامي جيلبير أبي عبّود أنّ “هذه التعديلات تخدم السلطة السياسية التي تتمنى إسكات المحامين في هذا الملف علمًا أنّ دور المحامي في هذه القضية ساهم في عدم طمس الملف”. والأمر نفسه في قضايا المودعين حيث يلفت أبي عبّود إلى أنّ استخدام الإعلام كان الوسيلة للدفع باتجاه صدور قرارات قضائية لصالح المودعين. ومن هذا المنطلق، يرى أبي عبّود أنّ هذه التعديلات إن لم يتم التراجع عنها فستؤدي إلى “طمس الحقيقة في القضايا الكبرى”. ويجد أبي عبّود أنّه “لم يكن هناك لزوم للتعديلات لأنّ نظام آداب المهنة يحتوي على مواد قانونية تسمح بمحاسبة المحامين الّذين يتجاوزون هذه الآداب، وكان أحرى تفعيل لجنة تنقية الجدول العام والمجلس التأديبي بدلًا من المحاسبة الجماعية للمحامين”. ويؤكد أنّه “غير صحيح أنّ دور المحامي محصور وراء مكتبه وفي المحاكم، فنحن في زمن انهيار الدولة وشلل المؤسسات، من غير المنطقي أن نبقى خارج الصورة في هذا الوقت”. 

ويشدّد كلّ من صبلوح وأبي عبّود على أنّ مساهمة المحامي في هذه الملفات لا تدرّ عليه بالنعم، فيذكر صبلوح أنّه يتعرّض لتشويه الصورة داخل المحاكم بسبب نشاطه في الحديث عن ملفات التعذيب. ومن جهته، يؤكد أبي عبّود أنّ “وكلاء أهالي الضحايا في تفجير مرفأ بيروت جميعهم متطوعون ولا يستفيدون لقاء عملهم أي بدل مادي من الأهالي”. ويُضيف: “وجودنا إلى جانب الأهالي والمودعين هو لدعم قضيّتهم المحقّة، فلو كان لدينا أي غايات شخصية لا نتطوّع لحماية الناس والمجتمع مجّاناً، هذا بالإضافة إلى أنّ هؤلاء المحامين يعيشون حياة عادية، فنحن لم نُصبح أغنياء بسبب هذه الملفات”.

من جهته، يشدد المحامي والوزير السابق كميل أبو سليمان على عدم منطقية هذه التعديلات، بخاصّة في هذا الوقت عدا عن عدم دستوريتها. ويجد أنّ “هذا النوع من القيود لا يتزامن مع العصر الذي نعيشه، وهي أتت في وقت المجتمع بأمس الحاجة لوقوف المحامين إلى جانبه”. ويلفت أبو سليمان إلى أنّه عادّة ما يتكلم بالشأن الاقتصادي في الإعلام، “فهل سأذهب إلى طلب إذن كلما أردت الظهور في الإعلام؟”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، حرية التعبير ، استقلال القضاء ، لبنان ، المهن القانونية



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية