مسألة الزواج المدني وتشويه طبيعة النظام اللبناني


2015-02-10    |   

مسألة الزواج المدني وتشويه طبيعة النظام اللبناني

عادت مسألة الزواج المدني الى الواجهة مع اعلان وزير الداخلية نهاد المشنوق في بيان بتاريخ 2 شباط 2015 موقفه الرافض لتسجيل عقود الزواج المدنية المعقودة لدى الكاتب العدل في لبنان. وتبعاً لهذا الموقف المناقض لمواقف وزير الداخلية السابق مروان شربل، يبدو أن ملف الزواج المدني في لبنان ما يزال رهينة لأهواء المسؤولين المتعاقبين، ومدى ارتباطهم بشبكة المصالح الطائفية. ولا بد من إعادة التأكيد على المبادئ القانونية التي من شأنها مواكبة التقدّم الكبير الحاصل على أرض الواقع والمتمثل بالعدد الكبير من الزيجات المعقودة مدنياً في لبنان، والتي تشكّل الرافعة الأساسية لتكريس أمر واقع جديد ولفتح كوة في جدار النظام الطائفي.
فما يجب فضحه في الدرجة الأولى، هو مدى تشويه الشبكة الطائفية لطبيعة النظام اللبناني منذ نشأته. فنظام الدولة في لبنان يبقى من الناحية الدستورية مدنياً، على الرغم من تراكم ممارسات شوّهته وجعلته على ما ليس عليه. وقد انسحب هذا الأمر على الوعي العام الجماعي وفي الكثير من الأحيان على خطاب المجتمع المدني.
 
في طبيعة النظام اللبناني
ينصّ الدستور في الفقرةجمن مقدمته كما في المادةمنه على"حرية الاعتقاد المطلقة" وهي تتضمن بالطبع الحرية بالاعتقاد بأي ديانة أو مذهب كما الحرية بعدم الاعتقاد بأي منها.

وجاء قرار المفوض السامي رقم60 ل. ر.، لسنة1936 ليكرّس تحت مبدأ حرية المعتقد المطلقة عدّة أمور : 

–         أولاً، ميّز القرار بين الطوائف ذات النظام الشخصي وهي الطوائف التاريخية (مادة 1 وما يليها) والطوائف التابعة للحق العادي (مادة 14 وما يليها) المعترف أيضاً بحقها بأن "تنظّم شؤونها وتديرها بحريّة ضمن حدود القوانين المدنية". 

–         ثانياً، بالنسبة للأحوال الشخصية، تنص المادة 10 على خضوع المنتمين الى الطوائف ذات النظام الشخصي لنظام طوائفهم الشرعي، وخضوع المنتمين لطوائف الحق العادي كذلك الغير منتمين لأي طائفة –عملاً بمبدأ حرية المعتقد المطلقة – للقانون المدني.

فيُستنتج من نص الدستور كما من القرار 60 ل. ر. ما يلي:

–         ان الانتماء لطائفة أمر اختياري، تطبيقاً لمبدأ حريّة المعتقد.

–         ان الخضوع للقانون المدني هو القاعدة أي ال droit commun، أما الخضوع للأنظمة الطائفية للأحوال الشخصية فهو استثناء ونوع من الامتياز الذي أعطته الدولة اللبنانية للطوائف التي تعترف بها كطوائف تاريخية بتنظيم أمور الأحوال الشخصية للمنتمين اليها اختيارياً.

–         اذاً ان نظام الدولة في لبنان مدني[1]. فالدولة هي التي تكرّس مساحة للطوائف التاريخية بتنازلها لمصلحتها
عن البتّ بشؤون الأحوال الشخصيّة للمنتمين الى احداها. فتؤكد المادة9  الى جانب حرية المعتقد المطلقة أن"الدولة (…) تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعائرالدينية(…) وهي تضمن أيضاً للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية"وهذه الطوائف كسائر المواطنين أهل للحق (sujet de droit)، تخضع للقانون والدولة التي ترسم اطر حقوقها وواجباتها.

–         هذا التنازل من الدولة لمصلحة الطوائف التاريخية بتنظيم الأحوال الشخصية للمنتمين اليها لا يعفيها (الدولة) من واجب وضع قانون مدني للأحوال الشخصيّة لكلّ مَن يختار عدم الانتماء الى طائفة تاريخية أو الى أية طائفة، عملا بحرية المعتقد.
 
في تشويه النظام اللبناني و تحويله مندولة مدنيّة الى نظام طائفي
لم تعمد الدولة منذ القرار 60 ل. ر. الى وضع قانون مدني للأحوال الشخصية وهي بذلك تعيق الحق بالزواج وانشاء عائلة[2] لكل من لا ينتمي الى احدى الطوائف التاريخية. وتعد بذلك متقاعسة عن أهم موجباتها وخارقة للدستور والمواثيق الدولية الملزمة بها خصوصاً مبدأ المساواة في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية المكرس في المادة 7 من الدستور.

وبنت الشبكة الطائفية التي تحكم لبنان منذ نشأته على هذا التقاعس أمراً واقعاً تمثّل في اعتبار أن على كل لبناني الانتماء الى احدى الطوائف التاريخية حصرياً للتمكن من التمتع بحقوقه المدنية والسياسية، وهذا الأمر الواقع تشويه للنظام اللبناني كما أظهرناه.
وتذرّع الوزير المشنوق ب "غياب أيّ نص قانوني مدني نافذ يرعى أحكام الزواج المدني ويحدد الإجراءات والآليات والمستندات المطلوبة والمرجع الصالح لعقده وبتّه"لرفض تسجيل الزيجات المدنية المعقودة في لبنان هو خير دليل على ذلك.

الّا ان هذا التقاعس لا يمسّ التمتع بهذه الحقوق الأساسية (أي حرية المعتقد والزواج) ومكانتها، فهذه الحقوق لا تستمد قوتها من وجود تشريعات تحميها أو تجعلها فعالة بل هي من حقوق الانسان الأساسية المحمية في الدستور اللبناني والمواثيق الدولية التي "تعلنها" ولا "تنشئها".
كما أن اعتبار الوزير المشنوق ان "القرار 60 ل. ر. الصادر بتاريخ 13/3/1936 أجاز الزواج المدني فقط في حال إنشاء طوائف تابعة للحق العادي" ليس فقط تشويهاً للقرار المذكور بل هو بمثابة انقلاب على النظام اللبناني. فاعتبار وجوب التنظيم ضمن طائفة شرطاً لتطبيق الزواج المدني هو نسف للقاعدة العامة القائلة بخضوع المواطن الى النظام المدني ومحاولة لجعلها هي الاستثناء. ويصبح بذلك التنظيم ضمن طائفة هو القاعدة، و"الطائفة العلمانية" احدى الطوائف المعترف بها.

ويجدر بالمجتمع المدني المطالب بإقرار الزواج المدني اليوم التنبه من الانزلاق الى هذا المنطق. فالمطالبة بإقرار الطائفة ال "19" كما درج أحياناً يُعتبر أيضاً تشويهاً للنظام اللبناني. ومطالبة الدولة اليوم عبر المشرع وضع قانون مدني ليست من باب اقرار "تطور النظام اللبناني نحو الدولة المدنية"، بل من باب ارغامها على احترام النظام الحالي المدني للبنان وتنفيذ موجباتها، فغياب هذا القانون يعني منع فئة من مواطنيها من التمتع بحقوقهم المدنية والسياسية، مما يشكلّ نسفاً للدستور والمواثيق الدولية التي هي ملزمة بتطبيقها.



[1]ونذكر بأن الدستور ينص على أن "الشعب مصدرالسلطات وصاحب السيادة "(فقرة د من مقدمة الدستور).
[2]المكرس في المادة 16 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان والمتمتع اذاً بالحماية الدستورية في لبنان.
انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، دستور وانتخابات ، لا مساواة وتمييز وتهميش



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية