مزايدة البريد في عهدة مجلس الوزراء: التنصّل من “الشّراء العامّ” بواسطة الإسفاف


2023-11-07    |   

مزايدة البريد في عهدة مجلس الوزراء: التنصّل من “الشّراء العامّ” بواسطة الإسفاف
رسم رائد شرف

ما كشفته جلسة مجلس الوزراء في الأول من تشرين الثاني الجاري قد لا يكون مفاجئاً لكنه يعيد التذكير مجدداً بالاهتراء الذي تعانيه مؤسسات الدولة. كان يمكن أن يمرّ البند الأول على جدول الأعمال المتعلق بقطاع البريد بهدوء، لكن الوزير جوني القرم، الذي كان يدرك صعوبة الموافقة على طلبه توقيع العقد مع تحالف شركتي “ميريت انفست” وColis Prive التابعتين لمجموعة CMA CGM لإدارة القطاع البريدي خلافاً لرأي ديوان المحاسبة، أراد تحويل الأنظار عن المعطيات التي تضمنها تقرير الديوان. ولذلك، وبدل أن يبدي ما لديه لنقض حجج الديوان أو الرأي الذي عبرت عنه هيئة الشراء العام، فإنه تغاضى تماما عن الوقائع والمبادئ القانونية ليطلق العنان لحملة تشكيك بخلفيات رئيس ديوان المحاسبة محمد بدران ورئيس هيئة الشراء العام جان العلية، في تكرار لممارسات باتت اعتيادية بهدف تقويض مشروعية القضاء وهيئات الرقابة، والتنصّل من أي ضوابط.  

في المبدأ، كان يفترض على مجلس الوزراء أن يُقرّر ما إذا كان سيوافق على طلب وزير الاتصالات أم يدعم قرار ديوان المحاسبة، بعد الاستماع إلى رئيس هيئة الشراء العام جان العلية. وما أن أعلن هذا الأخير تأييده لما تضمنه تقرير الديوان، حتى باشر وزير الاتصالات هجوما ضدّه وضدّ ديوان المحاسبة على حدّ سواء، وبخاصة بعد خروجهما من جلسة الحكومة. وقد نقلت وسائل الإعلام على لسانه اتهامات عدة جلّها تشكيك بهما انطلاقا من تأويلاته الخاصة لمحادثات غير رسمية شفهية أو بواسطة الواتساب بينه وبينهما.   

وبحسب أحد الوزراء، فإن المجلس كان على وشك الموافقة على الصفقة، قبل أن يتراجع تحت تأثير خطورة كسر قرار الديوان، خاصة في ظل وضوح المبادئ القانونية التي ارتكز إليها التقرير لبيان عدم صحة الأخذ بنتيجة المزايدة. ولما سلّم الجميع بضرورة الخروج بقرار وسطي، أي لا يكسر الديوان ولا يلغي الصفقة، تقرر تأجيل الجلسة إلى حين إيجاد سبيل لتحقيق ذلك، فكان المخرج لشراء الوقت “تكليف وزير الاتصالات برفع تقريره النهائي والمفصّل حول الموضوع المطروح تمهيداً لاتخاذ القرار المناسب”. علماً أن الاتجاه في الجلسة كان نحو تخفيض مدة العقد من 9 سنوات إلى 4 سنوات بالإضافة إلى التفاوض مع الشركة لتعديل بعض بنود العقد وهو ما تم التنبيه إلى مخالفته لقانون الشراء العام، انطلاقاً من أنه لا يمكن تعديل شروط أي صفقة بعد إنجازها. فأي تعديل يتطلب إعادة المزايدة بأكملها، لأنه يكسر مبدأ توازن الفرص. 

أمام هذا الواقع، أُسقطت عبارة “Raison d’Etat” على الجلسة، فكانت كلمة السر التي اعتمدت أو ستعتمد لتبرير الموافقة على العقد وكسر قرار الديوان، من دون أن يتضح بعد كيف سيتم ذلك. 

القرم يحيّد بدران ويتفرّغ للمعركة مع العليّة

بعد الجلسة، بدا لافتا تراجع الوزير اتهاماته للديوان، مقابل ترك المعركة مفتوحة مع العلية، فأصدر بياناً أكد فيه احترامه لديوان المحاسبة، المؤسسة العريقة التي يجب أن نكون سنداً ومن الداعمين لها خصوصاً في هذه الظروف الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي تمرّ بها البلاد لا سيما وزارة الاتصالات.

وفي محاولة للفصل بين الديوان والهيئة، اعتبر القرم أن قرار الديوان برفض الموافقة على الصفقة إنما صدر بعد الاستماع إلى إفادة رئيس هيئة الشراء العام. من جهتها، أكدت مصادر الديوان أنه قام بواجبه وأصدر قراره الإداري والرقابي، وبعد إحالة الملف إلى الحكومة صار من واجبها أن تقرر مصير الصفقة سياسياً. وتبعاً للمعطيات التي تملكها يحق لها المفاضلة بين المخالفات المرتكبة والمصلحة التي يمكن أن تنشأ عن توقيع العقد. لكن الأكيد أن ذلك لا يعطيها حق التشكيك بعمل الهيئات الرقابية، لما لذلك من خطورة على الانتظام العام. 

في السياق نفسه، أبلغ وزير معني “المفكرة” أن أي قرار سيصدر لن يكون موجهاً ضد الديوان ولا تشكيكاً بقراره المبدئي، بل سيكون ناتجاً عن ضرورة معالجة الخلل الذي يواجه القطاع من جراء استمرار “ليبان بوست” في إدارة المرفق العام بشكل مجحف للدولة، وبما يُفوّت 5 مليون دولار سنوياً يمكن تحصيلها عبر العقد الجديد، عدا عن أن تراجع عدد المكاتب والموظفين في ليبان بوست يمكن أن يهدد بتوقف الخدمة، ما يساهم في تضرّر مصالح اللبنانيين. وهنا يتردد أن الوزارة تسعى إلى العودة إلى دراسة الجدوى التي سبق أن أعدّها مجلس الإنماء والإعمار في منتصف التسعينات، على أن يتم تحديثها بما يتناسب مع المزايدة الجديدة، على اعتبار أن هذه الخطوة ستشكل التسوية التي قد يوافق عليها الديوان. لكن من يسوق لهذا “الحل” يتجاهل أن الدراسة كانت مطلوبة كشرط لإطلاق المزايدة، وبالتالي لا جدوى منها بعدها. والأهم أن ملاحظات الديوان أكثر بكثير من مسألة الدراسة المطلوبة. 

متى تخلى القرم عن “ليبان بوست”؟

لكن لما كان صعباً إنجاز مزايدة جديدة قبل سنة كما يقول القرم، ولما كان الأخير “لا يحبذ” التمديد لـ”ليبان بوست”، فلماذا يتغاضى مجلس الوزراء عن اقتراح إعادة إطلاق المزايدة وفق الأصول، بعدما فرّغ الديوان حجة الوزير بالحاجة إلى سنة كاملة قد ينهار القطاع خلالها، بعدما تعهد بالمساعدة على إنجازها خلال 3 أشهر؟ هل سينهار القطاع فعلاً خلال 3 أشهر؟ ثم لماذا، استكمالاً للتهويل من انهيار القطاع، ثمة من يصرّ على حصر الخيارات باثنين: التمديد لـ”ليبان بوست” أو التوقيع مع “ميريت انفست”. وإذا كان واضحاً من مسار المزايدة وكيفية التعامل مع دفتر الشروط ومع الاعتراضات من الشركات الأخرى (اعتبرها وزير الاتصالات غير جدية) إصرار القرم على توقيع العقد الجديد، فإنه بخلاف ما يدّعي لم يظهر يوماً أنه لا يحبّذ التمديد لـ “ليبان بوست”، بل على العكس، لطالما كان مصراً على الإبقاء على الشركة، من خلال إصراره على تبرئة ذمتها، بما يخولها المشاركة في المزايدة أو من خلال السعي إلى تمديد العقد معها سابقاً، وعدم سعيه جدياً للتفاوض معها لتعديل الشروط المجحفة التي يتضمنها العقد الموقّع معها إلى حين التوقيع مع الملتزم الجديد. 

وعليه، يتضح أن القرم لم يتوقف عن دعم ليبان بوست إلا بعدما نضج عرض CMA CGM التي بدت بمثابة امتداد لـ”ليبان بوست”. وكل ذلك يحدث وسط إصرار مريب على عدم تنفيذ قرار مجلس الوزراء الداعي إلى إنشاء شركة مملوكة من الدولة لإدارة القطاع. فلو حاول وزير الاتصالات الالتزام به لما وصلت الأمور إلى حد التحجّج بضيق الوقت لتمرير صفقة غير مطابقة لدفتر الشروط.

انشر المقال

متوفر من خلال:

سلطات إدارية ، مؤسسات عامة ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية