مرضى السرطان: “العلاج لمن يملك المال”


2024-01-02    |   

مرضى السرطان: “العلاج لمن يملك المال”

“الأعمار بيد الله وليست بيد هذه السلطة المتآمرة علينا نحن مرضى السرطان”، تقول حنان بزي، وهي ترفع يديها نحو السماء.
حنان سيّدة ستينية، أم لثلاثة أولاد، التقتها “المفكرة القانونية” في ساحة رياض الصلح في بيروت مع مرضى آخرين، حملوا أوجاعهم ومعاناتهم مع فقدان علاجاتهم، وجاؤوا يودّعون عامًا صعبًا عليهم في وقفة وضعوا لها عنوانا يوصّف حالهم: “مرضى السرطان في لبنان في مواجهة الموت أو الحكومة”، تلبية لدعوة جمعية “بربارة نصار لدعم مرضى السرطان”.

خرج هؤلاء إلى الشارع في وقت ارتفع عددهم في لبنان “بنسبة 105% مقارنة بالأعوام السابقة” بحسب دراسة لوزارة الصحة وفي وقت أظهرت الأرقام المحدّثة لمنظمة الصحة العالمية تصاعدًا مخيفًا في أعداد الوفيات من بينهم وارتفاعًا مقلقًا في أعداد المرضى الجدد بمختلف أنواع السرطان، وفق رئيس الجمعية هاني نصار. “لدينا 30 ألف مريض سرطان في لبنان، ويصاب بشكل سنوي ما بين 12 ألفًا و18 ألفًا. لكن المأساة تكمن في مراوحة الوفيات خلال العام 2023 ما بين 10 آلاف و12 ألفًا”، يضيف محذّرًا. 

من جهته، يقول الطبيب المتخصّص في أمراض السرطان فادي نصر “كل يوم لدينا مرضى سرطان يموتون لأنهم لم يحصلوا على الدواء إما بسبب فقدانه أو لعدم قدرتهم على شرائه”. ويشير إلى عدم استمرار توفّر الأموال لدعم أدوية السرطان “ومنذ أكثر من شهرين يسعى كل مريض إلى تدبر أمره بنفسه. منهم من يحضر أدويته من الهند، فيما يأتي بها  البعض من إيران، ويلجأ آخرون إلى تركيا. وفي كل الحالات، أيا كان المصدر تُعتبر هذه الأدوية مكلفة للغاية وتشكل عبئًا ثقيلًا على المرضى بما أنّ كلفتها قد تفوق آلاف الدولارات، ومَن يعجز عن تأمينها محكوم عليه بالموت”. ومن موقعه كطبيب معالج، يضيف “بتنا نشهد في عياداتنا هذه الحالات بسبب عجز المرضى عن تأمين علاجاتهم. هم متروكون لمصيرهم القاتم في غياب أي حلول استراتيجية تحدّ من معاناتهم. وفيما يُحكى عن إمكان توقّف الدعم مستقبلًا، بينما في الواقع هو متوقّف أصلًا، والمشكلة الأساسية أنّ الدواء موجود لكن المريض غير قادر على تأمين كلفته”.

علاجات مقطوعة والبدائل الخارجية مكلفة وغير مضمونة

خلال مشاركتها في الاعتصام، روت حنان بَزي لـ “المفكرة” قصتها منذ أصيبت بسرطان الورم النقوي (Myeloma) أواخر 2019: “الحمدلله كان وقتها بعده العلاج ع دولار 1500″، تقول. لكن العلاج الكيميائي لمرضها لا ينتهي كما العلاجات الأخرى: “لازم آخد دوا مدى الحياة”، تقول بأسى مصدره صعوبة حصولها على دوائها اليوم وليس فقط معاناتها من المرض. ما زالت حنان تخضع لغاية الساعة لجلسات العلاج الكيميائي في المستشفى كل 15 يومًا، فيما ترتفع الكلفة المادية بين الجلسة والأخرى، حتى وصلت مؤخرًا إلى أكثر من 400 دولار أميركي لكلّ جلسة. لكن المشكلة الأصعب، بالنسبة إليها، هو العلاج الدائم الذي تتناوله على شكل حبوب، وهو دواء أجنبي يبلغ ثمنه 6 آلاف و500 دولار أميركي، تحتاج إلى جرعتين منه كل شهر، وكل علبة تؤمن لها جرعة واحدة، ما يعني أنّها في حاجة إلى 13 ألف دولار شهريا للعلاج. “الدوا مقطوع بلبنان، وتكلفته خارج إمكانياتي وإمكانيات عائلتي مجتمعة” تؤكد. 

تواصلت حنان مع أشخاص يؤمنون الأدوية من تركيا أو إيران بسعر أقل، وبالفعل، حصلت عليه مقابل 50 دولارًا، “بس صرت عم بتعب كتير، وقوي كتير وجع عضامي”. بناء على تدهور وضعها، أجرت حنان فحوصات جديدة ليتبيّن أنّ نشاط مرضها ارتفع كثيرًا. تشرد قليلًا قبل أن تنقل لنا ما قاله لها طبيبها “وضعك يزداد سوءًا كما حال معظم المرضى الذين استبدلوا  الدواء الأساسي بدواء بديل”. وتضيف بمرارة: “عندها عرفت أنني سأبقى محاصرة بالألم. نحن نعيش في بلاد لا يتمتّع بحق العلاج فيها إلّا من يملك المال، وبالتالي حياتنا رهن لما نملكه من أموال”.

بالقرب من حنان، تقف المعالجة النفسية كارولين سكّر التي أنهت جلسات علاجها من سرطان المبيض قبل نحو عام، بعد استئصال الورم، وخوضها رحلة علاج كيمائي مرهقة. ما زالت كارولين تحتاج إلى العلاج بالدواء الذي تمكّنت من تأمينه من مصر عبر معارف وأصدقاء.
تقول كارولين: “كلّنا ضحايا السرطان، لكن لا يجب أن نكون ضحايا السكوت والخضوع للأمر الواقع”. بعد تشخيص إصابتها بالسرطان، عاشت كارولين وعائلتها تروما الصدمة: “لم نكن نبحث عن الأدوية اللازمة للعلاج فقط، بل أيضًا تحديد تكلفة العلاج والأهم كيفية تأمينها”، مشيرة إلى أنّه بعد كل هذه الصعوبات “لم أجد أي مساعدة من الجهات المعنية، لا نفسية ولا مادية”.
وإلى الوقفة حضر الأستاذ المتعاقد في التعليم المهني حسين قانصو، هو المصاب بسرطان العظام في الورك. المربّي الذي يناضل على جبهتي تحصيل حقوقه كأستاذ، وحقه في العلاج كمريض، يرفض الاستسلام واليأس: “وزارة الصحة وإدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي قطعا عنّا سبل العلاج، والسلطة حوّلتنا إلى مشروع ضحايا إبادة جماعية حين قرّرت حرماننا من إكمال العلاج وسلبنا حتى حقّنا في الحصول على حبّة الدواء”. وبابتسامة صفراء يسأل قانصو: “كيف يخطر على بال أحد أنّني أنا الأستاذ المتعاقد الخاضع للصندوق الوطني للضمان الإجتماعي، يمكنني تحمّل تكاليف علاجي، وشراء علبة دواء بسعر 5 آلاف و750 دولارًا للجرعة الواحدة كل 15 يومًا؟”.

الحق في العلاج بكرامة

في ساحة الاعتصام القريبة من السرايا الحكومية، سادت مشاعر القلق والإحباط والخيبة والعجز واليأس والخوف من الاستسلام، على أجواء المعتصمين والمتضامنين معهم. كيف لا والمرضى محرومون من الرعاية الصحية والنفسية، وارتفاع تكاليف العلاج بما يفوق قدراتهم المادية ومن عدم انتظامه. وفي مقابل ذلك، تتقاعس الدولة عن توفير العلاج والأدوية لهم، وسط غياب أي خطط لإنقاذهم أو حل أزمتهم، فيما يتفشى السرطان ويأكل أجساد بعضهم إما بسبب عدم قدرتهم على تلقي العلاج أو عدم فعالية بعض الأدوية البديلة.

وطالبت المعتصمات مع جمعية بربارة نصّار بـ “حق مرضى السرطان في نيل علاجهم بكرامة”، فالأدوية، بحسبهنّ “إنْ وجدت، فهي ليست متوفّرة للجميع، وتوَّزع من دون عدل، ما يدفع العديد من المرضى إلى اللجوء إلى السوق السوداء، ودفع مبالغ طائلة تفوق إمكانياتهم لتأمينها، عدا عن التكاليف الاستشفائية التي أصبحت خيالية، ما يجعل كثيرين في مهبّ الموت، بسبب عدم قدرتهم على تأمينها”. 

ودعت المعتصمات إلى إنشاء صندوق بإدارة مستقلّة يُغذّى من أموال ضرائب تفرض على مسبّبات السرطان كالدخان والكحول والسكّريات والشركات والمعامل الملوّثة. فبحسب هاني نصار، رئيس جمعية بربارة نصار لدعم مرضى السرطان “أظهرت دراسات أنّ مجموع الضرائب التي تُفرض على مسبّبات السرطان قد تصل إلى مليار و400 مليون دولار في السنة، وأن وزير الصحة طرح الموضوع في مجلس الوزراء للسير به، وبدورنا طرحنا هذا الملف أكثر من مرة في الإعلام للاضاءة عليه، لأنّ هذه الضرائب قادرة على معالجة مرضى السرطان في لبنان، وهذا الملف يجب أن يكون أولوية”. 

تأمين علاج المرضى يجب أن يكون أولوية الدولة

ينقل نصّار عن وزير الصحة د. فراس الأبيض توجّه الوزارة إلى اعتماد لائحة الأدوية الأساسيّة وبروتوكول منظمّة الصحّة العالميّة التي تعتمدها الدول الفقيرة، وهو إجراء يشمل مرضى الوزارة فقط. وبحسب البروتوكول، ستؤمّن لهم الأدوية التي كان قد رُفع عنها الدعم، باعتبار أنّها بخسة الثمن، وسيحرمون من معظم الأدوية التي كانت مدعومة بسبب نقص التمويل. كما ستعمل وزارة الصحّة، وفق ما نقل نصّار عن الوزير، على تسهيل تسجيل أدوية “الجينيريك” ليتمكّن المواطن من شرائها بدلًا من الأدوية التي كانت معتمدة سابقًا. ويشرح نصّار أنّه “بدل أن يدفع المريض على سبيل المثال، ثمن Palbociclib 125mg نحو 2800 دولار من الشركة الألمانيّة، يمكنه شراؤه بـ 800 دولار من شركة أخرى أو بـ 300 دولار من شركة هنديّة… وبالطبع على نفقته الخاصّة”. لكنه في المقابل يسأل: “ماذا عن جودة هذه الأدوية؟ وهل ستخضعها الدولة اللبنانيّة لفحوصات مخبريّة؟ مع العلم أنّها لا تملك مختبرًا لذلك في لبنان. وماذا عن مرضى الجهات الضامنة الأخرى؟ وعن مرضى الضمان الاجتماعي مثلًا؟”.

ويرى نصّار أنّ “السبب الأساسي للأزمة يكمن في عدم وضع الحكومة ومجلس النواب خطة إنقاذ لمرضى السرطان، وذلك منذ نحو 4 أعوام”. ويشير إلى أنّ “المعنيين يواصلون تأكيدهم أنّ الأدوية مدعومة، لكن ما الفائدة من دعمها إذا كانت مقطوعة وغير متوفّرة للجميع”. ويلفت إلى أنّ “النفقات كانت تصل إلى حدود 20 مليون دولار شهريًا وانخفضت إلى 15 مليونًا، وأصبحت اليوم 5 ملايين دولار في الشهر على أدوية الأمراض السرطانية”.
 
ويلفت نصّار إلى أنّ “هناك 12500 مريض مسجّل على منصّة أمان المخصّصة للأدوية المدعومة، وحياة هؤلاء مهدّدة مباشرة بالخطر، كما هناك نحو 30 ألف مريض يخضعون حاليًا للعلاج ويواجهون مصيرًا مجهولًا”. 

في السياق نفسه، اعتبر نقيب الصيادلة جو سلّوم في بيان أنّ “ما يُرتكب اليوم في حق مرضى السرطان والأمراض المستعصية هو بمثابة إبادة جماعية”. وقال إنّ “فقدان المدعوم من تلك الأدوية أو توفّرها بشكل متقطّع أو استبدالها بأدوية أقلّ جودة أو اضطرار المرضى إلى اللجوء إلى السوق السوداء، يحرم آلاف المرضى من العلاج الناجع، ويرسم لهم قدرهم الحتمي”.

واعتبر نقيب الصيادلة أنّه “من أقلّ واجبات السلطات أن تضع هذا الموضوع الإنساني والأخلاقي على رأس الأولويات، وتدعو فورًا إلى مؤتمر دولي للمانحين، وتستنهض الضمير العالمي لمساعدة مرضى لبنان، فالأموال المطلوبة سنويًا لدعم وتأمين كل أدوية مرضى السرطان والأمراض المستعصية لا تتعدّى الـ 360 مليون دولار سنويًا”.

من جهتها، أوضحت وزارة الصحة العامة أنّ الوزير الأبيض قدّم مقترحات لحل هذه المشكلة في الاجتماع الأخير الذي عقد برئاسة رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي وحضور وزير المالية الدكتور يوسف خليل وحاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري، وأسفر البحث عن وعد بإصدار المراسيم المطلوبة لفتح الاعتمادات في أوّل جلسة مقبلة لمجلس الوزراء، ما يؤمّن التمويل اللازم لهذه الأدوية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

سياسات عامة ، تحقيقات ، الحق في الحياة ، الحق في الصحة ، لبنان ، مقالات ، الحق في الصحة والتعليم



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية