مرسوم منح القدم مجددا: المساومة السياسية تهدم مبدأ القانون


2018-01-05    |   

مرسوم منح القدم مجددا: المساومة السياسية تهدم مبدأ القانون

الظاهر أن موضوع مرسوم منح القدم بات مسألة اعلامية وسياسية بالدرجة الأولى. وبالتالي، لم تعد للاعتبارات القانونية أهمية بالنسبة لمختلف أطراف الطبقة السياسية الحاكمة سوى تسجيل النقاط والمضي في سجالات تتجاهل الأجوبة الحاسمة التي يوفرها الفقه واجتهاد مجلس شورى الدولة.

ولما كان هدف الباحث هو دائما أن ينقل الحقيقة حتى لو لم يأبه أحد بها عملا بما قاله لنا ابن خلدون عندما كتب أنه “متى عرف امرؤ قصية أو استيقن أمرا وجب عليه أن يصدع به” بات من الضروري عرض كل المواقف التي تصدر عن الجهات السياسية وإخضاعها لحكم القانون كي نتبين مدى صوابها. ومن هذه الآراء الجديدة اقتراح يذهب إلى إعادة المرسوم إلى وزير المالية بغية توقيعه والخروج من “الأزمة”.

يطرح هذا الاقتراح مسألة معروفة في القانون الإداري تتعلق بإمكانية استدراك العمل (régularisation) المشوب بعيب شكلي. فالمرسوم في لبنان هو حصرا[1] العمل الذي يصدره رئيس الجمهورية سواء تطلب ذلك موافقة مجلس الوزراء أو لا. وبالتالي يعتبر المرسوم تاما عندما يقترن بتوقيع الجهة التي يصدر باسمها أي رئيس الجمهورية وذلك بغض النظر عن قانونيته إذ قد يتم إبطال المراسيم من قبل القضاء الإداري في حال تجاوزه لحد السلطة أو مخالفته للتشريعات النافذة.

 وهذا ما أكده مجلس شورى الدولة في أكثر من قرار له: “وفي مطلق الأحوال، فقد استقر اجتهاد هذا المجلس على اعتبار أن مشروع المرسوم الذي لم يقترن بتوقيع رئيس الجمهورية يبقى بدون أي مفعول قانوني بالرغم من اقترانه بتوقيع رئيس الوزراء والوزراء المختصين وأن توقيع الوزراء المختصين كسلطات يقتضي أخذ موافقتها لا تأثير له على الموضوع ما دام أن القانون لم يولِ الوزراء سلطة التصرف بالترقية أم عدمها بل أناط الأمر برئيس الدولة الذي عليه أن يتبع شكلا معينا للترقية فلا بد أن تتحقق الترقية بتوقيع رئيس الدولة كي تنتج مفاعيلها القانونية” (قرار رقم 535 تاريخ 13/5/1999).

 ومعنى ذلك أن توقيع رئيس الجمهورية يختم رحلة المرسوم القانونية ويجعله عملا مكتملا لا يمكن الرجوع عنه سواء عبر إلغائه (abrogation) أو سحبه (retrait) إلا ضمن شروط دقيقة جدا تحددها القوانين واجتهاد القضاء الإداري. لذلك لا يمكن إعادة المرسوم بعد توقيعه من رئيس الجمهورية إلى رئيس الحكومة أو أي وزير آخر من أجل توقيعه بل يجب من أجل استدراك العيب في حال وجوده إصدار مرسوم جديد[2].

وهذا ما أكده بشكل صريح مجلس شورى الدولة في لبنان إذ اعتبر “وبما أن المرسوم هو كيان قانوني متكامل يجب أن يصدر وفقا للأصول الجوهرية التي حددها الدستور وإذا كان توقيع الوزير المختص مرسوما ما يجب أن يكون متزامنا توقيع رئيس الدولة قبل صدور المرسوم ولا يمكن استدراك ذلك التوقيع بعدئذ بصورة من الصور، غير أنه يمكن إصلاح العيب الشكلي الجوهري (Vice de forme substantiel) بإصدار مرسوم آخر” (قرار رقم 83 تاريخ 8/11/1993).

وهكذا يصبح جليا لدينا أنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال إعادة مرسوم منح القدم لوزير المالية كي يوقع عليه هذا لو سلمنا جدلا أنه يحتاج إلى توقيعه. لكن وعلى سبيل الاستفاضة، نشير إلى نقطة مهمة إذ أكد الاجتهاد في فرنسا ولبنان أن استدراك العيب الشكلي في مرسوم يمكن أن يتم بصدور مرسوم لاحق يتناول موضوعا مختلفا لكنه يحيل في حيثياته إلى المرسوم المشكو منه شرط أن يقترن بتوقيع الوزير المختص. وهذا ما جاء في القرار نفسه لمجلس الشورى إذ صدر مرسوم دون توقيع أحد الوزراء ومن ثم صدر مرسوم آخر يحيل في حيثياته إلى المرسوم المشكو منه لكنه يحمل التوقيع الناقص “وبما أن المرسوم 7704 الموقع من الوزير المختص وفق ما نص عليه الدستور يطفي من حيث الشكل شرعيته على المرسوم المطعون فيه” (قرار رقم 83).[3]

أن مرسوم منح القدم وخلافا أيضا لما يتم نشره في وسائل الإعلام هو عمل إداري نافذ لا يحتاج إلى نشره في الجريدة الرسمية وقد سبق أن أكدنا في مقالاتنا السابقة على هذه النقطة. ولمزيد من النفع نورد هذه الفقرة من قرار لمجلس شورى الدولة كي تحسم النقاش بشكل نهائي: “وبما أن مرسوم الترقية لم ينشر ولم يبلغ وفق الأصول لا تأثير قانوني له، إذ أن الأعمال الإدارية غير التنظيمية الملائمة والمناسبة لأصحاب العلاقة لا سيما تلك التي تنشئ بعض الحقوق فهي نافذة منذ توقيعها دون حاجة لأي تدبير اعلامي مثل النشر أو التبليغ” (قرار رقم 138 تاريخ 11/12/1996).

 


[1]  باستثناء طبعا حالة الفراغ في رئاسة الجمهورية إذ يتولى حينها مجلس الوزراء صلاحية إصدار المراسيم.

[2] “Les actes qui en seraient entachés (d’une illégalité) ne seraient pas régularisables par la ratification de l’acte par l’autorité compétente ou par l’accomplissement a posteriori des procédures ou formes omises. Il n’ya de possible que l’édiction d’une nouvelle décision ». (R. Chapus, Droit administratif général, Tome 1).

 

[3]  على سبيل المثال لو كان مرسوم ترقية الضباط قد صدر حاملا توقيع وزير المالية وهو يشير في حيثياته إلى مرسوم منح القدم لكن هذا الأخير قد أصبح عملا مشروعا هذا أيضا لو افترضنا ان مرسوم منح القدم يحتاج إلى توقيع وزير المالية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، دستور وانتخابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية