مرافعة نموذجية للدفاع عن شخص مدمن على المخدرات


2016-12-21    |   

مرافعة نموذجية للدفاع عن شخص مدمن على المخدرات

مع تطور مقاربة العلوم الاجتماعية لمواضيع المخدرات والإدمان عليها وظهور العديد من الأبحاث في العلوم الطبيعية في هذا الشأن، تبدلت النظرة الاجتماعية والقانونية للأشخاص المدمنين على المخدرات مع فهم أوسع لمفهوم الإدمان. فالشخص المدمن لم يعد يُنظر إليه كـ”مجرم” خارج عن القانون يقتضي ملاحقته ومعاقبته، وإنما كشخص مريض ومهمش بحاجة الى علاج ومتابعة، فضلاً عن توعية للحد من مخاطر استخدام المواد المخدرة (ما يعرف بـ”Harm Reduction“)[1]. وقد واكب المشرع اللبناني هذا التطور من خلال إصداره سنة 1998 لقانون المخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف[2] حيث تمت مقاربة الشخص المدمن كشخص يستدعي المساعدة والحث لسلوك سكة العلاج. وبذلك يكون مشرع عام 1998 قد نقض المنطق العقابي الذي كان سائداً في العقود السابقة مكرساً إذ ذاك مبدأ العلاج كبديل عن الملاحقة والعقاب. غير أن مقاربة الجسم القضائي لملفات المخدرات في الواقع بدت جدّ مغايرة. فالقانون المذكور أوجد لجنة للإشراف على علاج الشخص المدمن والتثبت من إتمامه بنجاح. كما حمّل الحكومة مسؤولية ضمان علاج مجاني له، وذلك من خلال إيجاد مراكز للعلاج والرعاية. إلا أن هذا القانون بقي حبراً على ورق لأكثر من 15 سنة. فاللجنة التي أنشأها بقيت غير مفعلة لأمد طويل: فإذ عيّن وزير العدل بهيج طبارة للمرة الأولى أعضاء لجنة مكافحة الإدمان في 2004، فإنها سرعان ما أوقفت عملها لتعلن عجزها عن القيام بدورها نظراً لعدم توفر مراكز علاج معتمدة من قبل وزارة الصحة العامة من شأنها أن تقدم علاجاً مجانياً[3]. استمرت هذه الحالة رغم تشكيل لجنة ثانية سنة 2009، وبقيت هي الأخرى معطلة حتى أوائل 2013[4].

وإزاء ذلك، وجد القاضي نفسه أمام معضلة قانونية وضميرية: فمن يمثل أمامه هو شخص يعلن عن نيته بالخضوع للعلاج ويتعهد به من دون أن يكون العلاج متوفراً في الواقع، علما أن النص القانوني يعاقب من أدمن ورفض الإذعان للعلاج. وتالياً معضلة القاضي هي الآتية: إما أن يعاقب القاضي هذا الشخص المدمن دون إيلاء أي إعتبار لنيته وتعهده بالعلاج لغياب الآليات الضرورية لتطبيق بنود القانون بهذا الشأن، وإما أن يوقف ملاحقة هذا الشخص على أساس هذا التعهد، وتماشياً مع روحية القانون، ولكن دون أن يتلقى الشخص المدمن أي علاج، مما يبقيه بالنتيجة في حلقة مفرغة من الإرتهان والملاحقة. وللأسف فان أغلبية القضاة اعتمدت في مرحلة غياب اللجنة الخيار الأول، بحيث غلبت المنطق العقابي في مقاربتها لملفات المخدرات والإدمان عليها كما سنرى لاحقا.

ونظراً للتناقض الحاصل بين نص القانون من جهة وواقع تطبيقه من جهة أخرى، قامت جمعية “سكون”[5] بالتعاون مع مستشارها القانوني[6]، باعداد دراسة تحليلية للملاحقات القضائية في ملفات المخدرات عام 2010[7]، وذلك بهدف رصد أبرز المشاكل التي يتعرّض لها الأشخاص المدمنون خلال الملاحقة والمحاكمة. وقد أظهرت هذه الدراسة أن المشكلة الأساسية التي كانت تعترض تفعيل مبدأ العلاج كبديل عن الملاحقة والعقاب لم تكن تكمن في تفسير معين للنص، مثلما هي حالة تفسير المادة 534 من قانون العقوبات وتحديداً مفهوم المجامعة المخالفة للطبيعة بما يتصل بالمثليين، بل كانت تكمن بشكل أساسي في التطبيق المجتزأ لنص القانون والممارسات المعاكسة لروحيته، والتي كانت تؤدي إلى الإجحاف بحق الشخص المدمن. وإنطلاقا من ذلكا، بات من الضروري اللجوء إلى القضاء بغية الضغط لتطبيق فعّال ومتكامل وأمين للقانون نصاً وروحاً، أي وقف ملاحقة الشخص المدمن وإحالته إلى لجنة مكافحة الإدمان فور تعهده بالعلاج، ضماناً لحقه بالعلاج المجانيّ. ولهذه الغاية، تم إعداد المرافعة النموذجية هذه التي استخدمت أمام المحاكم بغية دعوة القضاة لملء الفراغ الذي أوجدته السلطة التنفيذية ولعب دور اللجنة غير المفعّلة، من خلال حثّ الشخص المدمن على سلك سكة العلاج ومواكبته في سلكها.

تطور الاجتهاد تدريجياً: مراحل قضايا المخدرات أمام المحاكم اللبنانية[8]
في ما يلي، نستعرض كيفية تطور الاجتهاد اللبناني في مقاربته لقضايا الإدمان على المخدرات وذلك منذ صدور القانون سنة 1998 حتى تفعيل لجنة مكافحة الإدمان في أوائل 2013 (أي خلال المرحلة التي سبقت استخدام المرافعة النموذجية).

ففي المرحلة الأولى، وذلك بين 1998-2007، بدا القانون وكأنه حبرٌ على ورق. فالمادة 194 منه تلزم القاضي بوقف السير بإجراءات الملاحقة وإحالة الشخص المدمن الى لجنة مكافحة الإدمان في حال تعهّد هذا الأخير بالعلاج. إلا أن الممارسة على الأرض لم تكن بمستوى طموحات القانون، فكان التيار القضائي السائد يتجه نحو معاقبة الشخص المدمن في ظل غياب أي نظرة علاجية له، فكان يعاقب كل شخص أقدم على استخدام المواد المخدرة وإن بقيت عموماً العقوبات مخففة بالنسبة إلى الحد الأقصى للعقوبة التي نصّ عليها القانون (وفق القانون، بإمكان العقوبة أن تصل الى حدّ ثلاث سنوات حبس وغرامة خمسة ملايين ل.ل. في حدها الأقصى). عام 2008، بدأت الأمور تتغير تدريجياً بحيث برز تيار قضائي أقل صرامة، فاعتمد تحفيز الشخص المدمن على العلاج وحثه على الانقطاع عن المخدرات وذلك من خلال اعتماد “وسائل ضغط” قانونية كربط قرارات إخلاء السبيل بتعهد الشخص المدمن بالعلاج و/أو إرجاء الدعوى من جلسة إلى جلسة، مع تكليفه إبراز فحوصات مخبرية في الجلسات القادمة. وبالرغم من أهمية هذه الخطوات لناحية تحفيز الشخص المدمن واستخدام الوسائل القانونية لملء الفراغ الحاصل جراء عدم تفعيل لجنة مكافحة الإدمان، إلا أن هذه الخطوات بقيت ناقصة: فالقاضي يقوم بإخلاء سبيل الشخص المدمن مقابل خضوع هذا الأخير للعلاج، لكنه لا يوقف الملاحقة ضده، وبالتالي تنتهي المحاكمة عموما في أحسن الأحوال (أي في حال تجاوب المدمن مع مطالب القضاء وأبرز على فترة طويلة عدداً من الفحوصات النظيفة) إلى إدانته مع وقف تنفيذ العقوبة. ويبقى إذ ذاك السجل العدلي للشخص المدمن موصوماً بالحكم عليه بإستخدام المخدرات، مع ما  يستتبع ذلك من تهميش وهشاشة لا سيما لناحية الصعوبة في إيجاد فرص عمل ومتابعة حياة إجتماعية سليمة. وكانت جمعية “سكون” عقدت في 2007 و2008 جلسات حوار مع عدد كبير من القضاة بهدف التباحث بشأن كيفية تطبيق قانون المخدرات وتحديداً مبدأ العلاج كبديل عن الملاحقة والعقاب. وقد تم تسليط الضوء، خلال هذه الجلسات، على دور القاضي في مواكبة الشخص المدمن في علاجه وحثه عليه.

إبتداءً من سنة 2011، طوّر بعض القضاة عملهم في هذا الإطار التنسيق مع بعض الجمعيات ومراكز العلاج، ومنها جمعية سكون. وقد نتج عن هذا التنسيق تحسّن في علاقة القاضي والشخص المدمن، اذ بات القاضي يواكب هذا الأخير  في علاجه. وقد ذهبت القاضية المنفردة الجزائية في طرابلس (القاضية نازك الخطيب) الى حد إيجاد ما أشارت له في أحكامها بـ”عقد ثقة” بينها وبين الشخص المدمن[9]، بحيث كانت توقف تنفيذ العقوبة على شرط أن يستتبع الشخص المدمن الماثل أمامها علاجه. ولكن اكتفت القاضية هنا أيضاً بتفعيل العلاج على أن يستتبع تجاوب الشخص المدمن معه وقف تنفيذ العقوبة وفق ما وصل اليه التيار سابق الذكر من دون أن تصل الى وقف الملاحقة. وقد انفرد القاضي المنفرد الجزائي في البترون (القاضي منير سليمان) خلال هذه المرحلة في الذهاب أبعد من ذلك بحيث أصدر في 7 أيّار 2012 حكماً قضى بوقف الملاحقة بحق شخص مدمن بعد تأكده من تحرر الشخص المعني من الارتهان الى المادة المخدرة[10]. لعب القاضي في هذا الملف الدور المناط قانوناً بلجنة مكافحة الإدمان، فواكب الشخص المدمن المدعى عليه أمامه خلال فترة علاجه ولحين تحرره بالكامل من إرتهانه الجسدي والمعنوي للمادة.

شكلت هذه الأحكام مشهداً مهماً في مفهوم سلطة القاضي الاستنسابية لا سيما لناحية تفسير النص القانوني مع الإلتزام بروحيته وعلى ضوءؤ أبعاده الإجتماعية، فيتمّ استنباط الحجج القانونية منه واتخاذ الإجراء العادل في ظل الفراغ القانوني أو استحالة تطبيقه.

وعليه، وفيما أسفر التقارب بين المنظمات المدنية المختصة والقضاء إلى تطوير أدوار القضاة وتعزيز تفهمهم لمسألة استخدام المخدرات، فإن النتيجة العملية أظهرت حاجة ماسة إلى تعميم النقاش ونقله إلى حلبة المحاكم في قضايا الإدمان المعروضة على القضاة. وعليه، تقرر اللجوء إلى استراتيجية “الإحراج” داخل المحاكم[11]، في وضع القاضي أمام مسؤليته في تطبيق المبدأ المذكور. وفي هذا السياق، عكف عدد من المحامين على صوغ مرافعة نموذجية تكون سنداً لعمل كل محام أو قاض في هذا الشأن. وثمة هدفان رئيسيان لهذه المرافعة:

  • الأول هو الضغط على القضاة لتطبيق مبدأ “العلاج كبديل عن الملاحقة والعقاب” المكرس في قانون المخدرات لعام 1998، وتالياً محاربة المنطق العقابي الكلاسيكي المهيمن على الإجتهادات القضائية.
  • والثاني هو الضغط على الدولة لتفعيل لجنة مكافحة الإدمان وإعتماد مراكز للعلاج المجاني، وتكريس اذ ذاك مبدأ العلاج كبديل عن الملاحقة والعقاب على الأرض.

المرافعة النموذجية أمام المحاكم: قضايا وأحكام
تم استعمال المرافعة النموذجية لأوّل مرة سنة 2012، إلا أنها تطورت وتعدلت منذ ذلك الوقت مرات عدة، لكي تستجيب لتطور الاجتهاد والتغيرات التي طرأت على معالجة الدولة لملف الإدمان على المخدرات وأبرزها تفعيل لجنة مكافحة الإدمان في أوائل عام 2013. أما على صعيد استخدام هذه المرافعات في خطة التقاضي الاستراتيجي، فقد تم الاتفاق مع جمعية “سكون” على بعض المعايير لاختيار الحالات، منها أن يكون الجرم المنسوب إلى الشخص المدمن هو استعمال المخدرات فقط دون أيجرم آخر مثل السرقة أو الإتجار بالمخدرات أو ترويجها. علماً أنه تم التوكل أحياناً عن أشخاص متهمين بالترويج أو بالإتجار حين ثبت عند الاطلاع على ملفاتهم أن التهمة الموجهة إليهم (الإتجار أو الترويج) تخلو من أي اثبات كأن تكون ناتجة عن كتاب معلومات مثلاً.

إلا أن تعزيز حظوظ نجاح هذه المرافعة كان يفترض تفعيل لجنة الإدمان والعلاج المجاني. ولهذه الغاية، نظّمت المفكرة القانونية ندوة في اذار 2012 عن “الهيئات القضائية التي لا تعمل” ومنها لجنة مكافحة الإدمان ومحكمة حماية المستهلك، فضلاً عن مجالس العمل التحكيمية. تبعاً لذلك، تفاعلت الإدارات الرسمية إيجابيا ولو بشكل غير كاف مع هذه المطالب[12].

وفي أوائل عام 2013، وفي خضمّ هذه النقاشات، تمّ تفعيل لجنة مكافحة الإدمان. وقد أعلن وزير العدل عن تفعيلها بعدما توفرت بعض فرص العلاج في المستشفيات الحكومية (مثل مستشفى ضهر الباشق). إلا أنه وبالرغم من تفعيل اللجنة وتالياً فتح المجال أمام القضاة لتكريس مبدأ العلاج كبديل عن الملاحقة والعقاب في قراراتهم وأحكامهم، بقي عدد هام من القضاة غير عالم بتفعيلها، فيما أصرّ قسم آخر منهم على ملاحقة الأشخاص المدمنين الماثلين أمامهم، فقاموا برد طلبات وقف الملاحقة والإحالة إلى اللجنة رغم إبراز المدعى عليهم إفادة عن اللجنة تثبت بدء عملها. وإنطلاقا من ذلك، بات الهدف الأساسي للتقاضي الاستراتيجي هو إعلام القضاة بوجود اللجنة والإلحاح عليهم بوجوب وقف الملاحقة وإحالة الأشخاص المدمنين إليها.

وقد تكللت هذه الجهود بتاريخ 3 تشرين الأوّل / أكتوبر 2013، عندما أصدرت محكمة التمييز اللبنانية (الغرفة الثالثة الجزائية المؤلفة من الرئيسة سهير الحركة والمستشارين غسان فواز وناهدة خداج) حكماً تاريخياً قضت فيه بوقف الملاحقة ضد شخص مدمن وإحالته الى اللجنة تبعاً لتعهده بالعلاج، على أساس قاعدة “أن النص القانوني وجد لإعماله وليس لإهماله”. واعتبرت المحكمة أن طلب الشخص إخضاعه للعلاج من الإدمان يشكل دفعاً شكلياً وبالتالي يلزم القاضي الواضع يده على الدعوى بوقف السير بالإجراءات بحقه وإحالته أمام اللجنة المذكورة دون أن يكون له أي سلطة استنسابية. وتجدر الإشارة إلى أن محكمة التمييز قد نقضت قراري القاضي المنفرد الجزائي في بيروت ومحكمة إستئناف الجنح في بيروت في الملف عينه واللذين كانا ردا طلب المدعى عليه بوقف الملاحقة بحقه وإحالته الى لجنة مكافحة الإدمان. فكان بالتالي من الضروري الذهاب إلى محكمة التمييز لنقض هذه الأحكام وتكريس المبدأ المذكور. 

وقد بدا أن لهذا القرار صدى في أروقة المحاكم. ففي أواخر أيار، أوائل حزيران – صدرت في اسبوع واحد ثلاثة أحكام مشابهة، في قضايا استخدمت فيها كلها المرافعة النموذجية:

  • الأول، صدر عن محكمة استئناف الجنح في بيروت بتاريخ 29 أيار / مايو 2014 (الغرفة العاشرة برئاسة القاضي طنوس مشلب وعضوية القاضيين ألبر قيومجي وفاتن عيسى)[13]، قضى بوقف السير بإجراءات المحاكمة الابتدائية بحق مدمنة وإحالتها إلى لجنة مكافحة الإدمان على أن تزود هذه الأخيرة المحكمة بالتقارير اللازمة وفقا للأصول المنصوص عنها في المادة 195 من قانون المخدرات؛
  • الثاني صدر بتاريخ 2 حزيران / يونيو 2014[14]، عن محكمة الجنايات في جبل لبنان (غرفة الرئيس عبد الرحيم حمود)، وآل الى وقف السير بإجراءات المحاكمة في حق شاب مدعى عليه على أساس تعاطيه مادة مخدرة وإحالته أمام لجنة مكافحة الإدمان لمتابعة علاجه تحت إشرافها، معتبراً هو الآخر، أن طلب إحالة الشخص المدمن الى اللجنة المذكورة يشكل دفعاً شكلياً[15]. واللافت في هذا القرار، هو أنه الأول الذي يصدر في هذا الاتجاه في قضية تضم الى جانب الشخص المدمن كبار تجار المخدرات ومروّجيها. ومن المعلوم في قضايا المخدرات، أنه غالباً ما تتم ملاحقة المروجين والتجار مع الأشخاص الملاحقين على أساس استعمال المخدرات التي حصلوا عليها منهم. وفيما يفرض القانون إفساح المجال أمام الشخص المدمن للعلاج قبل انتهاء المحاكمة (وقف الملاحقة ضده)، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للمروجين الذين تبقى الملاحقة قائمة ضدهم. وعلى ضوء ذلك، طلب الشخص المدمن في هذه القضية من محكمة الجنايات أن تفصل دعواه عن الأظناء والمتهمين الآخرين في الملف تمكيناً له من متابعة علاجه، فاستجابت المحكمة لطلبه هذا؛
  • أما الثالث فقد صدر بتاريخ 5 حزيران / يونيو 2014، عن محكمة الجنايات في جبل لبنان (غرفة الرئيس الخوري) في قضية شاب مدعى عليه لتعاطيه مادة مخدرة، كان قد طلب من المحكمة، من خلال مذكرة دفوع شكلية تقدم بها موكله، أن يتم وقف الملاحقة ضده وأن تتم إحالته الى لجنة مكافحة الإدمان على أن يتم فصل ملفه في الدعوى عن بقية الأظناء والمتهمين (ومنهم من هو من كبار تجار المخدرات). وفيما رفضت المحكمة فصل ملفه عن الدعوى الأساسية وقررت ضم مذكرة دفوعه الشكلية الى أساس النزاع (أي أنها اعتبرت أن طلب الإحالة الى اللجنة لا يشكل دفعاً شكلياً)، إلا أنها انتهت عند إصدار حكمها النهائي بحق المتهمين وسائر المدعى عليهم في القضية نفسها الى وقف السير في إجراءات المحاكمة بما يخصه وإحالته الى لجنة مكافحة الإدمان في الحكم النهائي.

من هنا، يتحدث أحد معدي هذه المرافعة عن مفعول “دومينو”[16]، حيث أن قرار محكمة التمييز قد تبعه القرارات الثلاث بعد فترة قصيرة. وبالتالي توسّع مفعول قضية واحدة على محاكم عدة. وقد انسحب لاحقا هذا المفعول على محاكم وهيئات قضائية أخرى: فصدرت قرارات مماثلة، من كل من محكمة الجنايات في بيروت (برئاسة القاضية هيلانة اسكندر)، بتاريخ 23 نيسان / أبريل 2015  ومن محكمة جنايات البقاع (الغرفة المؤلفة من الرئيسة غادة عون – منتدبة – والمستشارين ايلي لطيف ولما ايوب)، بتاريخ 18 أيار / مايو 2015. فضلا عن أحكام عدة صدرت عن قضاة منفردين وهيئات أخرى لا مجال لتعدادها في هذا المحل[17].

محاضرات ونقاشات: المناصرة خارج المحاكم
بالتزامن مع التقاضي الاستراتيجي المذكور، عملت كل من المفكرة القانونية وجمعية سكون خارج قاعات المحاكم على إعلام الحقوقيين والمنظمات المدنية بشأن كيفية تطور الاجتهاد في قضايا الإدمان على المخدرات وعمل لجنة مكافحة الإدمان، فضلاً عما هنالك من تحديّات ممارسات تطال الأشخاص المدمنين وتعزز من تهميشهم.

ففي 4 تموز 2013، نظمت كل من جمعيات “المفكرة القانونية” و”عدل ورحمة” و”سكون” مؤتمراً صحفياً لمناسبة اليوم العالمي للمخدرات[18]، وذلك داخل قصر العدل في بيروت للمطالبة بتفعيل وتطوير عمل لجنة مكافحة الإدمان التي كانت قد أعلنت وزارة العدل عن مباشرتها لأعمالها مثلما هو مذكور أعلاه. وقد أشار المؤتمرون إلى أن عدداً هاماً من القضاة ما زالوا يمانعون إحالة الأشخاص المدمنين إلى اللجنة لمتابعة علاجهم، هذا فضلاً عن عدم معرفة العديد من المحامين بتفعيل اللجنة ومباشرتها بالعمل. وقد تمت تغطية هذا المؤتمر بشكل ملحوظ جداً في الإعلام[19]، فضلاً عن أن المؤتمر شكّل مشهداً نادراً، لا بل فريداً من نوعه، داخل قصر عدل بيروت.

وبعد صدور قرار محكمة التمييز في 03/10/2013 (والمشار إليه أعلاه)، نظمت كل من المفكرة القانونية ومركز “سكون” [20] ندوة بعنوان “مبدأ العلاج كبديل عن الملاحقة والعقاب ‘في قضايا الإدمان على المخدرات” حيث تم تسليط الضوء على ما توصلت إليه محكمة التمييز على هذا الصعيد. وقد أسهمت طبعا هذه الندوة في نشر القرار على كل من القضاة والمحامين وأيضاً الأشخص المدمنين.  فضلاً عن ذلك، وفي الندوة عينها ، قامت المفكرة القانونية بتوزيع المرافعة النموذجية على عدد من المحامين لتحفيزهم على استعمالها، علّ ذلك يشكل تياراً جديداً أمام المحاكم ويؤدي إلى تطور الإجتهاد لهذه الجهة. وبالفعل، فقد آل ذلك إلى إستخدام عدد من المحامين لتلك المرافعة أمام المحاكم جزئياً أو كلياً، ما عزز من فرص نجاحها في الوصول إلى أكبر عدد ممكن من القضاة من جهة، وحوّلها إلى أداة للمساعدة والتمكين القانوني من جهة أخرى. 

فضلاً عما تقدم، وبتاريخ 26 حزيران / يونيو 2014 (بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة تعاطي المخدرات)، نظمت المفكرة القانونية بالتعاون مع جمعية “سكون” ندوة بعنوان “مأسسة الأوفردوز” تم التطرق خلالها إلى إشكالية تبليغ بعض المستشفيات عن الأشخاص المصابين بجرعات زائدة (أو ما يسمى بالأوفردوز – “Overdose“) والذين يقصدون خدمات الطوارئ. ففي لبنان تقوم بعض المستشفيات بإبلاغ مراكز الشرطة عن حالات تعاطي المخدرات التي يشتبه فيها لديهم[21]، وذلك بالاستناد إلى تعميم صادر سنة 2006 عن وزير الصحة العامة السابق محمد جواد خليفة، طلب من خلاله من نقابتي الأطباء في بيروت وطرابلس ومن نقابة أصحاب المستشفيات في لبنان أن يعمموا على الأطباء وعلى إدارات المستشفيات الخاصة والحكومية، موجب إعلام قوى الأمن الداخلي عن الحوادث الطارئة المتأتية عن فعل الغير عملاً بالمادة 400 من قانون العقوبات. وقد تم إلقاء الضوء خلال الندوة، من قبل الأطباء والمحاضرين، على مخاطر هذه الممارسات، حيث أن من شأنها أن تؤدي إلى حرمان الشخص المدمن من العلاج. بالفعل، يكون الشخص المدمن أو من بجانبه عند تعرضه لجرعة زائدة، أمام خيار صعب: فاما الذهاب إلى المستشفى وتلقي العلاج اللازم مع إحتمال أن يتم توقيفه، وإما تفادي الذهاب إلى المستشفى دون الحصول على العلاج المناسب مع احتمال فقدان حياته[22]. وما يزيد من صعوبة هذا الخيار، هو أن الإصابة بالجرعة الزائدة غالباً ما يصاب بها شخص ما وهو برفقة أشخاص مدمنين، يكونون جميعهم مع المصاب معرضين لخطر الملاحقة في حال تبليغ المستشفى عن الحالة الواردة إليها.

هذا النوع من الندوات الذي يعالج موضوع الإدمان من منظار متعدد للاختصاصات، أي الطب والقانون، ضروري جدا لتدعيم المعرفة القانونية لدى غير الحقوقيين من جهة، وإتاحة الفرصة لنقاش واسع حول الإشكاليات التي يتعرض لها الشخص المدمن في حياته اليومية. فهي تساهم بفتح النقاش حول السياسات العامة المتبعة حيال الأشخاص المدمنين وحيال حقوقهم، كما أنها تؤدي إلى تبادل الخبرات والآراء بين الهيئات المدنية والسلطات العامة من جهة، وبين هؤلاء والمهن الطبية من جهة أخرى.  

 أخيراً، تجدر الإشارة إلى أن فتح هذا النقاش في لبنان يساهم في إغناء نقاشات أخرى قد بدأت في بلدان عربية، أبرزها تونس، حيث تم مؤخرا طرح هذه الإشكالية مع توقيف أحد أبرز المدونين والناشطين الحقوقيين عزيز عمامو[23] الذي تم توقيفه مع أصدقاء له بتهم تتعلق بمسك واستهلاك مخدرات من صنف القنب الهندي “حشيش. وقد أثار هذا التوقيف مطالبات واسعة في الشارع الحقوقي التونسي، حيث أن قانون المخدرات يسلط عقوبات قاسية على المتعاطين أدناها سنة من السجن، وهي طبعا عقوبة مبالغ فيها إذ لا تتلاءم مع تطور التشريعات والواقع وتؤذي من يتعرض إليها.

للإطلاع على الملرافعة النموذجية:

مرافعة نموذجية دفاعاً عن مدعى عليه باستهلاك المادة المخدرة1.

مرافعة نموذجية دفاعاً عن مدعى عليه باستهلاك المادة المخدرة 2.
 

إقرأ/ي أيضاً:
مرافعات نموذجية للدفاع عن فئات مهمشة (مقدمة)
مرافعة نموذجية للدفاع عن اللاجئين المهددين بالترحيل والاحتجاز التعسفي
مرافعة نموذجية لإسقاط المادة 534 من قانون العقوبات

يمكنكم/ن الحصول على نسخة كاملة، مطبوعة من الكتاب (مجاناً) من مكاتب المفكرة القانونية في بدارو.


[1] United Nations Office on Drugs and Crime (UNODC) and International network of drug dependence treatment and rehabilitation resource centres (Treatnet), (2008). Strategies to Reduce Harm and HIV Infection among Drug Using Populations. [online] UNODC, pp.1-12. Available at: http://www.unodc.org/ddt-training/treatment/VOLUME%20D/Topic%204/1.VolD_Topic4_Harm_Reduction.pdf [Accessed 16 Nov. 2015].
[2]  قانون رقم 673، صادر في 16 آذار 1998.
[3] كريم نمّور، خمس مراحل للعمل القضائي في قضايا الإدمان: حالة نموذجية لتجاوز الآراء المسبقة، المفكرة القانونية (كانون الأول / ديسمبر  2013).
[4] بيسان طي، لجنة الإدمان فُعِّلت… لم تُفعّل: المحالون إلى العلاج قلة والقضاة آخر من يعلم بها، المفكرة القانونية (نيسان / ابريل  2013).
[5]  سكون، المركز اللبناني للعالج والوقاية من اإلدمان. للإطلاع على أعمال المركز، راجع: www.skoun.org
[6]  مكتب صاغية للمحاماة
[7]  يراجع نزار صاغية، الشرطي والقاضي والأشخاص الذين يتعاطون المخدرات، دراسة بالتعاون مع جمعية “سكون”، 2011، نشر على موقع المفكرة القانونية. 
[8] كريم نمّور، خمس مراحل للعمل القضائي في قضايا الإدمان: حالة نموذجية لتجاوز الآراء المسبقة، المفكرة القانونية (كانون الأول / ديسمبر 2013).  
[9] القاضية نازك الخطيب، هل أصبح’ حق المدمن بالعلاج كبديل عن الملاحقة ‘نافذا؟ تخلفت الحكومة عن تنفيذ موجبها طوال 15 سنة، فهمشت وهجرت آلافا من المواطنين، المفكرة القانونية، نيسان / ابريل 2013).
[10]  نزار صاغية، قاض ينقض المنطق العقابي في معاقبة الادمان: لماذا نطبق قانون المخدرات مجتزأ على قاعدة أن ’لا اله‘؟، المفكرة القانونية (أيار / مايو 2012).
[12] على هذا الصعيد، تجدر الإشارة إلى أن كل من وزارتي العدل والاقتصاد قد اتخذت إجراءات لتفعيل محكمة حماية المستهلك، راجع:
نرمين السباعي، محكمة حماية المستهلك في لبنان: الإعلان عن نية تفعيلها يسبق الخطوات العملية للقيام بذلك، المفكرة القانونية (نيسان / أبريل 2014).
كما صدر مرسوم تعيين أعضاء مجالس العمل التحكيمية إصافة إلى مرسوم حال دون تعطيل المجالس في حال عدم تعيين أعضاء، راجع:
المفكرة القانونية، مرسوم يحمي “مجالس العمل التحكيمية” من الشلل: تنذكر ما تنعاد، المفكرة القانونية (تشرين الأول / أكتوبر 2012).  
[13] كريم نمور، استئناف بيروت تقر مبدأ “العلاج كبديل عن الملاحقة” مفعول الدومينو يبدأ في قضايا الإدمان بعد القرار التاريخي لمحكمة التمييز، المفكرة القانونية (أيار / مايو 2014).
[14]  كريم نمور، مفعول الدومينو في قضايا الإدمان، تابع… مبدأ “العلاج كبديل عن الملاحقة” أمام جنايات بعبدا أيضاً، المفكرة القانونية (حزيران / يونيو 2014).  
[15]  الدفوع الشكلية هي تلك التي يتقدم بها المدعي عليه قبل إستجوابه من قبل القاضي وهي تتعلق عموما بشكل النزاع (مثلا إنتفاء الصلاحية للنظر في القضية) وليس بمضمونه.
[16] كريم نمور، مفعول الدومينو في قضايا الإدمان على المخدرات: مبدأ “العلاج كبديل من الملاحقة” يتقدم في المحاكم بعد قرار محكمة التمييز التاريخي، المفكرة القانونية ( تموز / يوليو  2014
[17]
[18] بيسان طي، مؤتمر صحفي داخل قصر العدل، والموضوع: انهاء ثقافة معاقبة المدمن، المفكرة القانونية (تموز / يوليو 2013).
[19]  المفكرة القانونية، التغطية الإعلامية الخاصة بالمؤتمر الصحفي في قصر العدل لإنهاء ثقافة معاقبة المدمن، المفكرة القانونية في 10  تموز / يوليو 2013.
[20]  المفكرة القانونية ومركز سكون، ورشة عمل بعنوان: ’مبدأ العلاج كبديل عن الملاحقة والعقاب‘ في قضايا الإدمان على المخدرات (على ضوء القرار التمييزي الصادر في 3/10/2013)، الدعوة منشورة على موقع المفكرة القانونية في 11 شباط/فبراير 2014.
[21]  كريم نمور، مأسسة الأوفردوز في حالات الإدمان: عندما يصطدم الحق في الحياة بحرب الدولة على المخدرات، المفكرة القانونية ( آب / أغسطس  2014).
[22]  سعدى علوه، الخوف من طلب الرعاية الصحية للمدمن يقتله، المفكرة القانونية (اب/ أغسطس 2014).   
[23] راجع: محمد العفيف الجعيدي، إيقاف ناشط تونسي في قضية استهلاك مخدر: اعتراضات بالجملة على قسوة قانون لم تعد مقبولة، المفكرة القانونية (أيار/مايو 2014).

انشر المقال

متوفر من خلال:

استخدام المخدرات ، دراسات ، قضاء ، لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *