مرافعات نموذجية للدفاع عن فئات مهمشة (مقدمة)


2016-10-04    |   

مرافعات نموذجية للدفاع عن فئات مهمشة (مقدمة)

مرافعات نموذجية للدفاع عن فئات مهمشة: مدمنين، لاجئين ومثليين
ينطلق هذا العمل من رغبة في جمع سلسلة من المرافعات النموذجية التي تم اعدادها وعرضها أمام المحاكم اللبنانية في قضايا تتعلق بحقوق فئات تعاني من تهميش قانوني واجتماعي. وقد تم اللجوء الى هذه الأداة أملا بتغيير الممارسات والسياسات العامة المتبعة. يشمل هذا العمل أربع مرافعات نموذجية، الأولى هي مرافعة لإستبعاد عقوبة ترحيل اللاجئين، والثانية لوقف ممارسة التوقيف الإداري للأجانب تعسفاً في نظارة المديرية العامة للأمن العام أو لحسابها، والثالثة لإعادة تفسير المادة 534 من قانون العقوبات اللبناني ووقف تجريم المثلية الجنسية، والرابعة لوقف التعقبات عن مدمن مدعى عليه لاستهلاك المادة المخدرة وكان قد أذعن للعلاج.
 
وقد حصر هذا العمل عمدا بالمرافعات التي تم استخدامها فعليا، وتاليا تم استبعاد المرافعات التي لم تستخدم كالمرافعات الآيلة الى منع المحاكمة عن عاملات المنازل مثلا، وذلك بهدف رصد مدى فعاليتها وأبعادها المباشرة والغير مباشرة على اجتهادات المحاكم. كما حصر في المرافعات المقدمة في قضايا كان يجابه فيها مهمشون عقوبات جزائية أو ممارسات إدارية، وذلك بهدف قياس مدى جهوزية القاضي لتجاوز الأحكام المسبقة القانونية أو الإدارية إزاء هذه الفئات التي تعاني من غبن قانوني واجتماعي مزمنين.
بالمقابل، تم استبعاد المرافعات النموذجية التي استخدمت أمام المحاكم اللبنانية لإقرار حق اجتماعي لإحدى الفئات المهمشة[1] والتي تعرض في جزء منفصل يتم فيه التركيز على دور القاضي في تكريس حقوق جديدة، كحق عائلات المفقودين بمعرفة مصائر أبنائهم.
 
ويلحظ أن كلا من هذه المرافعات سبق تقديمها عمل بحثي لرصد أعمال المحاكم وتوجهاتها ولجهة إمكانية احداث تحول في هذه التوجهات. كما نلحظ أنها تبقى محل تطوير دائم، فهي ليست مرافعات جامدة وصلبة، لا بل تحتمل التعديل بناء على كيفية تفاعل المحاكم معها والأحكام القضائية الصادرة في هذا الخصوص. إلا أنه وبهدف فهم روحية هذه المرافعات والخلفية التي تنطلق منها، كان من المهم بدء هذا العمل بمقدمة تشرح أولا “الفلسفة” الكامنة وراء دور القضاء في حماية الفئات المهمشة، ومن ثم عرض كيفية استعمال هذه المرافعات من خلال التقاضي الاستراتيجي أو المساعدة القانونية وإبراز أهميتها في تحسين أوضاع المهمشين وتأمين وصولهم إلى القانون والقضاء.
 
المهمشون والقضاء 
في مؤتمر انعقد في أواخر 2011، فتحت المفكرة القانونية النقاش في لبنان حول دور القضاء في حماية الفئات المهمشة، من مدمنين ونساء ولاجئين ومثليين ومعوقين وعاملات جنس وغيره… إزاء الأحكام الاجتماعية المسبقة الصادرة بحقهم. فالفئات المهمشة هي الفئات التي تعاني من تمييز تاريخي ضدها على أساس اللون والجنس والجنسية والمستوى الاقتصادي والعقيدة والدين والميل الجنسي، وهي فئات غالبا ما تكون الأكثر عرضة للإجحاف داخل المجتمع لأسباب عدة، تقليدية ودينية وسياسية وأيديولوجية. فمن جهة، نلاحظ أن النظرة الاجتماعية للأشخاص المدمنين هي نظرة عقابية، حيث يظهر المدمن كشخص خارج عن القانون، له عوائد خطيرة، يجب معاقبته. أما بالنسبة للمثليين، فإنهم يخالفون النموذج الرسمي للعلاقات الحميمة والعائلية التقليدية، فيشكلون إذا صورة مغايرة لما يسمى “العلاقات الطبيعية”، وبالتالي يصبحون “مخالفين” لهذه الطبيعة التي حددها المجتمع والدين. أما فيما يخص اللاجئين، فإشكالية التهميش هنا تنطلق ليس فقط من أسباب اقتصادية وطبقية، حيث أن أغلبية هؤلاء هم من الفئات الفقيرة، بل أيضا من منطلقات سياسية. فبفعل النظام الطائفي الحالي، ثمة هاجس دائم ازاء تعكير التوازن الديمغرافي بين المكونات اللبنانية، وازاء تدفق أعداد كبيرة للاجئين من دول محيطة ذات أغلبية سنية واضحة. وقد تجلى هذا الهاجس في عدد من التدابير التعسفية ضد اللاجئين وفي تنامي الخطاب العام عن “أن لبنان ليس بلد لجوء”. ويسجل هنا أن هذا الخطاب قد بدأ تصاعده منذ الأزمة العراقية في 2003 حيث تم الحديث في 2007 عن وجود حوالي 50 ألف لاجئ عراقي في لبنان. وبالطبع، أدت الأحداث في سوريا الى مضاعفة عدد اللاجئين غير الفلسطينيين الى ما يزيد عن عشرين مرة عن هذا العدد بأقل تقدير.  
في ظل هذا الجو من التهميش والتمييز المتجذر اجتماعيا، طرحت فكرة المناصرة عبر القضاء كاستراتيجية عمل على تغيير السياسات العامة حيال الفئات المهمشة عامة. وقد جاء هذا الخيار خاصة في ظل غياب تام لأي توجه إصلاحي أو حقوقي لحماية حقوقهم من قبل المجلس النيابي[2].
تتناقض آراء الباحثين بشأن فعالية دور التقاضي في المناصرة لحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. فجزء كبير من البحوث في القانون والحركات الاجتماعية يشكك في فعالية التقاضي للحركات المناصرة على اعتبار أنه هدر للوقت والمال، بالإضافة إلى أن المحاكم قد لا تكون الأكثر تقدما وليبرالية، مشككين فيما إذا كان القضاء قادرا على احراز تغيير اجتماعي فعلي، أم أنه يبقي على الفوارق الاجتماعية محققا تقدما على الصعيد النظري البحت.[3]

Much of the literature on law and social movements is skeptical of the value of litigation for social movements. Some sociolegal scholars believe that social movements squander time and money when they seek legal change. They argue that, by pursuing change through the courts, rather than through the political system, movements cede decision-making to lawyers, impair mobilization efforts, and make their missions more conservative (…) Many question whether law and legal institutions can ever produce progressive social change given that the courts are unlikely to be much ahead of public opinion.”[4]

يعتبر كريشنان مثلا أن التقاضي قد يشكل تغييرا على صعيد القاعدة القانونية، إلا أنه لا يؤثر بالضرورة على الصعيد المجتمعي أو “على الأرض[5]. وهذا ما نقرأه أيضا في مقال شهير لتوماس ستودرد حول تحقيق العدالة الاجتماعية عبر القانون يعبر فيه عن تفضيله للمناصرة من خلال المؤسسات السياسية على المناصرة من خلال القضاء. ففي دراسته، ميّز ستودارد بين هدفي القانون: الهدف الأوّل وهو يكمن في وضع أو تغيير قواعد معينة وتنظيم عمل السلطات والمواطنين والأشخاص المعنويين. وقد سمّى هذا الهدف “تغيير القاعدة القانونية” (Rule Shifting). أما الهدف الثاني الذي يطمح اليه القانون فهو التعبير عن معايير أو قيم معنوية جديدة، أو تغيير تصرف ثقافي معين، (Culture Shifting).

“We have, in the last half of this century, adapted the law’s traditional mechanisms of change to a newfangled end: making social change that transcends mere rulemaking and seeks, above and beyond all the rules, to improve the society in fundamental, extralegal ways. In particular, we have sought to advance the rights and interests of people who have been treated badly by the law and by the culture, either individually or collectively, and to promote values we think ought to be rights. I will call this concept the law’s “culture-shifting” capacity (….)The law has always been an instrument of change, of course, but in recent decades it has become, through the deliberate, indeed passionate, efforts of a new breed of lawyer-activists, a favored engine of change. The law has thus become increasingly “culture-shifting.”[6].

واعتبر ستودارد أنه لكي يؤدي القانون إلى تغيير ثقافي فعلي، يجب أن تجتمع أربعة مكونات، وهي تباعا تغير شامل وعميق، ووعي عام لهذا التغيير، وحس عام بشرعيته وتطبيق مستمر وصارم له. من هنا، يعتبر الباحث أن هذه المكونات الأربعة يمكن تحقيقها من خلال المناصرة عبر المؤسسات الرسمية، معتبرا أنه لا يمكن الوصول لهذه النتائج عبر التقاضي[7].
إذا، للتقاضي حدود واضحة، أهمها أن القضية قد تستغرق سنوات عديدة قبل صدور حكم مبرم،فضلا عن الضغوطات التي يتعرض إليها الموكل، بالإضافة إلى أن هذه الاستراتيجية قد تكلف الموكل مبالغ باهظة، فيما خلا حالات التطوع. فمع وجود جميع هذه التحفظات على استعمال القضاء كوسيلة للتغيير، ومع حدوده في إحراز هذا التغيير، ماذا يبرر اللجوء إليه في هذه المرافعات، والحديث عن القضاء كمسرح؟
تنطلق هذه النظرة من خصائص الوضع اللبناني البحتة، حيث يواجه الناشطون صمتا تاما يصل الى حدود العقم من قبل السلطات العامة. وإن أهم ما يبرز هذه الخصائص، الأمور الآتية:

– أن حظوظ إقناع قاض فرد[8]، أو هيئة مكونة من ثلاثة قضاة[9]، أكبر بكثير من حظوظ إقناع البرلمان وما يمثله من أطراف سياسية وعقائدية مختلفة، خاصة وأن البرلمان تتحكم فيه قاعدة التوافق بين الأطراف كافة فيصبح أشبه من المستحيل إحراز أي تقدم في القضايا التي ترفضها الجهات المحافظة، وخاصة القضايا التي تتصل بأسباب تهميش معينة

– سهولة الوصول إلى القضاء وصعوبة الوصول إلى السلطات التشريعية: إن الوصول إلى القضاء يتطلب من المدعين رفع دعوى أمام القضاء[10]، فيما المنابر الأخرى قد تبدو غير متاحة للأشخاص خاصة للمهمشين.

– جواب من الخصم: في الدعوى، على الخصم المثول أمام القضاء وتقديم حججه. وبالتالي، عندما تكون الدولة أو النيابة العامة هي الخصم (كما هي الحال في جميع الحالات التي يتضمنها هذا التقرير)، يبدو أن القضاء هو المؤسسة الوحيدة التي يمكن من خلالها إجبار هذا الخصم على تقديم حججه من جهة، و من جهة أخرى اسناد هذه الحجج على القانون، مما يؤدي بالنتيجة الى تجريد حججها السياسية أو الشعبوية من أي مشروعية.

– موجب القاضي في إصدار حكم معلل قانونا: تنص المادة الرابعة من قانون أصول المحاكمات المدنية على أنه “لا يجوز للقاضي تحت طائلة اعتباره مستنكفا عن احقاق الحق ان يمتنع عن الحكم بحجة غموض النص او انتفائه، ان يتأخر بغير سبب عن اصدار الحكم. وعند غموض النص يفسره القاضي بالمعنى الذي يحدث معه اثرا يكون متوافقا مع الغرض منه ومؤمنا التناسق بينه وبين النصوص الاخرى. وعند انتفاء النص يعتمد القاضي المبادىء العامة والعرف والانصاف.” انطلاقا من ذلك، يكون القاضي مرغما بحكم وظيفته على اصدار الحكم وإعطاء جواب للمتقاضين، على عكس السلطات السياسية التي يمكنها أن تتجاهل هذه المطالب، دون أن يكون هنالك أي آلية لإجبارها على الرد أو اتخاذ موقف. ويكون جواب القاضي مهما أيا تكن نتيجة الحكم. ففي حال قبوله للقضية، من شأن جوابه أن يشكل اجتهادا يمكن أن يحتذى به. وفي حال ردها، يمكن التعليق على الحكم ومناقشة مدى سدادته، مع إبقاء القضية مفتوحة أمام محكمة الاستئناف أو من خلال قضايا مشابهة أخرى.وأهم ما يؤدي هذا الموجب اليه هو وجوب تعليله قانونا. والفائدة من ذلك تكمن في ارغام القاضي على إيلاء حجج الدفاع أمامه ما تستحق من نقاش ووزنها بمنأى عن الأحكام المسبقة. وقراءة المرافعات النموذجية يبين بوضوح المقصود لهذه الجهة

– عرض الإشكالية القانونية من خلال أشخاص معينين وحالات حقيقية، مما يستدعي تعاطفا أكبر مع القضية المطروحة التي تغلب عند طرحها بشكل عام المشاعر السلبية التي يأخذ بعضها طابعا غرائزيا (رهاب المثلية Homophobiaمثلا).
من هنا، فإن الهدف الأول من إعداد هذه المرافعة تمثّل في استخدامها أمام القضاء في دعاوى تقاضي استراتيجي تحدث أثرا في تغيير السياسات العامة. إلا أنه، وبالإضافة إلى هذا الدور، يمكن استخدام هذه المرافعات النموذجية كمستند للمساعدة القانونية للأشخاص الذين لا يتمثّلون بمحامٍ، فضلا عن دورها في رفع الثقافة القانونية حيال مواضيع المهمشين كما سنرى فيما يلي.

للإطلاع على المرافعة النموذجية: مقدمة – مرافعات نموذجية للدفاع عن فئات مهمشة.

إقرأ/ي أيضاً:
مرافعة نموذجية للدفاع عن اللاجئين المهددين بالترحيل والاحتجاز التعسفي
مرافعة نموذجية لإسقاط المادة 534 من قانون العقوبات
مرافعة نموذجية للدفاع عن شخص مدمن على المخدرات

يمكنكم/ن الحصول على نسخة كاملة، مطبوعة من الكتاب (مجاناً) من مكاتب المفكرة القانونية.
الطلب عبر الإيميلinfo@legal-agenda.com
الطلب عبر الهاتف01383606


[1] غيدة فرنجية، شورى الدولة اللبناني يكرّس حقاً طبيعياً لذوي المفقودين في المعرفة،المفكرة القانونية، العدد 15 ( نيسان / أبريل 2014).  “شورى الدولة اللبناني ينتصر لذوي المفقودين ويحصن حكمه التاريخي: رئاسة الوزراء أمام استحقاق التنفيذ”، المفكرة القانونية، منشور على موقع المفكرة القانونية، 13-6-2014.
[2] نزار صاغية، “”أعمال القضاة اللبنانيين في 2012: أين نجح القضاة في حماية الحقوق الأساسية والحريات العامة؟”، المفكرة القانونية، العدد 7 (ملحق)، كانون الثاني 2013.
نزار صاغية، “قاض ينقض المنطق العقابي في معاقبة الإدمان: لماذا نطبق قانون المخدرات مجتزأ على قاعدة أن “لا إله”؟” منشور على موقع المفكرة القانونية، 28-5-2012.
نزار صاغية، ” أجمل الأحكام 2010: القضاء يعلن بهدوء حقوقا أساسية” العدد صفر، نيسان 2011.
[3] Rosenberg, G. “The hollow hope: can courts bring about social change?. 2nd ed. Chicago and London: The University of Chicago Press, 2008. Chicago press.
[4]Bernstein, M. “Perry and the LGBTQ Movement. N.Y.U. Review of Law & Social Change, 37, pp.23-28, 2013.
[5]Krishnan, J. “Lawyering for a Cause and Experiences from Abroad”. California Law Review, p.575, 2016.
[6]Stoddard, T. “Bleeding Heart: Reflections On Using The Law to Make Social Change”. N.Y.U Law Review, 72, 1997.
[7]Stoddard, T. Ibid, 1997.
[8] القاضي الناظر في قضايا إقامة علاقات مثلية أو ادمان هو القاضي المنفرد الجزائي، أما القاضي الناظر في قضية الاحتجاز التعسفي فهو قاضي الأمور المستعجلة. وكلاهما قاض فرد.
[9] هذه هي حال محاكم الاستئناف الناظرة في الأحكام الصادرة عن القضاة المنفردين الجزائيين وقضاة الأمور المستعجلة.
[10] لا ينفي هذا الطرح وجود معوقات عدة لوصول الفئات المهمشة إلى القضاء وأهمها الآراء المسبقة السائدة بالإضافة إلى المعوقات المادية والمعرفية التي قد يعانون منها. إلا أنه، يبقى الوصول إلى القضاء، خاصة بمساعدة محامي، أقل صعوبة من الوصول إلى المؤسسات السياسية وإحراز أي تقدم فيها

انشر المقال

متوفر من خلال:

جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، دراسات ، فئات مهمشة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، مساواة



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *