مختارات من أعمال حلقة الدراسات القضائية (2): التشكيلات القضائية، هذا البازار السياسي المفتوح


2012-07-12    |   

مختارات من أعمال حلقة الدراسات القضائية (2): التشكيلات القضائية، هذا البازار السياسي المفتوح

تواصل المفكرة القانونية نشر بعض أعمال حلقة الدراسات القضائية[1]، وهي حلقة أنشأها القضاة في اواخر الستينات[2]. وهي تنشر هنا محاضرة القاضي الراحل نسيب طربيه عن التشكيلات القضائية والتي وصفها بالبازار السياسي. وهذه المحاضرة ما تزال تحتفظ اليوم بكامل حيويتها. ونذكر أن المفكرة بدأت نشر هذه الأعمال تذكيرا بالدور الذي كان يؤديه القضاة اللبنانيون في الاصلاح القضائي منذ أربعين سنة على نحو يتنافى مع اقصائهم عن أي دور في هذا المجال في الحقبة الراهنة بحجة أن القضاء صامت”.   

وثائق ندوة حلقة الدراسات القضائية
حول موضوع
“التشكيلات القضائية”

بتاريخ 5/6/1971 عقدت حلقة الدراسات القضائية في قاعة محكمة التمييز حول موضوع “التشكيلات القضائية”

اشترك في الندوة عدد كبير من الزملاء القضاة، جاوز الثمانين وفي مقدمتهم الرئيس الاول لمحكمة التمييز رئيس مجلس القضاء الاعلى السيد امين ابو خير، ورئيس هيئة التفتيش القضائي السيد ممدوح خضر والمدير العام لوزارة العدل السيد هشام الشعار,

افتتح الندوة، الامين العام لحلقة الدراسات القضائية، الرئيس عبد الباسط غندور، بكلمة قصيرة حول ندوات حلقة الدراسات القضائية، وقدم فيها المحاضر الزميل نسيب طربيه، ومن ثم ألقى الزميل طربيه محاضرته عن “التشكيلات القضائية” وكان كعادته صريحا غير مجامل لم يمضغ كلماته وهو يتحدث عن “بازار التشكيلات” وعن “المأساة التي طالما شهدنا فصولها المفجعة..” وكانت المحاضرة كما أرادها الزميل طربيه، تعبيرا عما يختلج في ضمير كل منا، نحن “السذج نحن البسطاء ذوى الاحلام الكبيرة” الذين نتطلع الى “بناء غد للقضاء عظيم”.

وفيما يلي محاضرة الزميل طربيه مع ملخص للمناقشة التي اعقبتها.

التشكيلات القضائية

اسارع في مستهل هذا الحديث الى ابداء ملاحظتين:

الاولى :انني لا اقصد في ما سأقوله التحرر لاحد او الاساءة الى احد، فانا لست هنا لا ننتقد ما كان الا من اجل ان اتطلع واياكم الى ما تشتهي ان يكون، فاذا قسوت، عذرى في اننا بقدر ما نقسو على انفسنا نتجنب قسوة الآخرين.

الثانية : ان بعد ما سأقوله قد يضحكك “الواقعين” اولئك الذين قد تكون التجارب جعلتهم يتنازلون عن احلامهم فلم يعد يثيرهم ان يظل الطموح يحبو وراء الواقع التافه او الموجع. لهؤلاء اردد كلمة للجنرال دي غول :

“peut être la politique est-elle l’art de mettre les chumères à leur place. On ne fait rien de sérieux si on se soumet aux chiméres, mais que faire de grand sans elles ? »

فليغفر الواقعيون لنا تطلعنا- ولو عبر الحلم الواهم- الى بناء غد للقضاء عظيم.

وبعد لم الحديث عن التشكيلات وفي رؤيانا للبناء العظيم ما هو ابدى واهم؟ اليست التشكيلات آخر حلقة من سلسلة، تبدأ باختيار القاضي الصالح ثم بتدريبه وصقله وازكاء الروح الرسولية فيه، ثم بتطوير وتحديث وسائل العمل التي بين يديه وتنتهي بالتشكيلات؟

الجواب:

اولا-في ان موسم التشكيلات اطل على ما يبدو. فالكل يتحدثون عن تشكيلات ستجرى خلال هذا الصيف وغدا عندما يفتح رسميا بازار التشكيلات يخيل الينا ان المأساة التي طالما شهدنا فصولها المفجعة ستعود الى المسرح. سيبدأ الاخذ والرد، والمشاريع التي تتسرب الى الى الصحف والى الاسماع فتثير حولها العاصفة، ويحتدم اصطراع المصالح والاهواء ويتفرق طلاب المغانم على ابواب الساسة والمقامات ومعاقل النفوذ.

ويعيش القضاء اشهرا على هاجس التشكيلات، من من يضع مشاريعها، من يعد لها، من يوقفها من يمشيها، اية مصالح تتجاذبها ولا يخرج مرسوم التشكيلات، وقد عبثت به الف يد وتناهشه الف ناب واثيرت حوله الف اشاعة، الا ووجه القضاء قد بدا … ملطخا.

ثانيا-في ان الوقت قد حان لنسمع صوتنا- نحن السذج، نحن البسطاء ذوى الاحلام الكبيرة- مطالبين بوضع حد لفوضى التشكيلات، لنفكر جديا في ايجاد قواعد وضوابط يلتزم بها المسؤولون عن هذه التشكيلات ايا كانوا.

الغرض من هذه الندوة ايها السادة التفتيش عن هذه القواعد والضوابط.
انا لا ادعي الاحاطة بها وحصرها، ولا ازعم انها، مهما بالخنا في الحرص على ابرازها شاملة كاملة الدقة، ستفي بالغرض المرجو فاية قواعد يمكنها ان تضبط عمل الانسان وهو في خلوة ضميره ان لم ترفدها يقظة الضمير وقدسية الواجب ورهبة المسؤولية؟

غير ان لا بد من محاولة توضح ولو معالم السبيل. فلنحاول معا، معتمدين التفريق الذي الفناه بين قواعد الشكل وقواعد الاساس وهي الاهم.

1.القواعد المتعلقة بالشكل :

1-اولى هذه القواعد: ضرورة حصر اجراء التشكيلات بمرجع واحد، التشكيلات في النظام الحالي تتولاها رسميا اربعة مراجع: وزير العدل، رئيس مجلس الوزراء، رئيس الجمهورية ومجلس القضاء الأعلى.

البادرة- ولصاحبها تعود دائما حصة الاسد- لوزير العدل وهو غالبا رجل سياسة. الوزير لا يعرف القضاة اولا يعرف الا القليل منهم. فالذين يضعون مشروع التشكيلات للوزير اصدقاؤه وقد يكونون قضاة او محامين او موظفين. ولكي “يمشي” مشروع التشكيلات لا بد من ان يعرضه الوزير على رئيس مجلس الوزراء الذي لا يقرأ منه غالبا الا ما يتعلق بمن يعتبرهم اصدقاءه او اصدقاء اصدقائه وبمن يعتبرهم اخصامه او اصدقاء خصومه. ومرة ثانية يقف المشروع في رئاسة الجمهورية حيث تكون قد تجمعت الشكاوى والمطالب اثر ما تسرب من المشروع او المشاريع المعدة. والتشكيلات بحاجة الى موافقة مجلس القضاء. عادة تؤخذ موافقة الثلاثة الدائمين او موافقة بعضهم سلفا. وعندما يعرض المشروع على المجلس يتهيب مسه لئلا تختل الدوزنة الصعبة والمعقدة فتتوقف التشكيلات. حتى اليوم لم يرفض مجلس القضاء على ما نعلم- اي مشروع تشكيلات عرض عليه، ولم يتمكن من تعديل اي مشروع الا تعديلا ثانويا طفيفا.

بين الوزير واصدقاؤه ورئيس مجلس الوزراء والدائرين في فلكه ورئيس الجمهورية وملتمسيه والدائمين في مجلس القضاء، تتسع التشكيلات وتضيق ويفسح في المجال لكل تدخل وترجي واحتجاج ومطالبة….

التشكيلات يجب ان يحصر اجراؤها بمرجع واحد- ولو الشيطان الرجيم- على الاقل تتجنب ثلاثا من اربع جولات للالتحاق وبذل ماء الوجه والارتهان والمهانة.

من يجب ان يتولى التشكيلات؟ انا شخصيا اتمنى لو تولاها مجلس القضاء لاسباب لعل اهمها بقاء غسيلنا النظيف منه والقذر منشورا على سطحنا لا على سطوح السياسيين والنافذين واصحاب المقامات واصحاب المصالح…. ولانه ليس لمجلس القضاء- ان اساء عذر الجهل، ولان اعضاء مجلس القضاء قضاة يحكمون بالعدل بين الناس في توافه الامور وجسيمها ولا بد انها يشعرون وهم يولون الغير مناصب الحكم ان على ضميرهم هم صلاح هذا الغير او فساده ولانهم كلهم يعرفون حكم
Loisel: qui peut et m’empêche pêche

ولكني في الوقت نفسه اتمنى لو يكون مجلس القضاء الاعلى- من حيث تعيينه- اكثر استقلالا عن السلطة التنفيذية فيتمثل فيه من يختارهم القضاة انفسهم والا يكون مجلس ملل يؤتى باعضائه وفق توزيع طائفي محكم كانما يقال لهم ان اولى مهامهم بسط الحماية وتوزيع المنافع على ابناء طوائفهم، كما اتمنى الا يكون في مجلس القضاء كبار وصغار دائمون وموقتون.

مسألة تشكيل مجلس القاء الاعلى معقدة وبحثها طويل قد تكون لنا اليه عودة من على منبر هذه الحلقة.

على كل حال وبانتظار ان يناط بمجلس القضاء وحده اجراء التشكيلات كم يبدو فوريا- رأفة بسمعة القضاء وهيبته ومظاهر استقلاله:

1.ان توضع التشكيلات في جلسة واحدة لا تنقطع بعقدها جميع المسؤولين معا ويصدرون المراسيم في نهايتها.

2.ان تعاد اعمال “مجمع” التشكيلات التحضيرية منها والنهائية، بسرية مطلقة وان يمنع على الصحف ووكالات الانباء نشر اية معلومات عنها قبل صدورها وان يقطع المعنيون بها على انفسهم عهد شرف بالا يسربوا شيئا منها لا جهرا ولا همسا.

2.والقاعدة الشكلية الثانية:

ضرورة اجراء التشكيلات في فترة ما بين اول تموز والخامس عشر منه. فالقضاة ليسوا حجارة شطرنج تنقل ساعة يشاء مزاج اللاعب ان تنقل اكثر القضاة ارباب عائلات اولادهم في المدارس ومساكنهم مستأجرة. فاية مدرسة محترمة تقبل طلابا في آخر الصيف او ابان فصل الدراسة، واى مؤجر يقبل انهاء عقد الاجارة ساعة يشاء واضعو التشكيلات ان ينقلوا المستأجر؟

ثم من منا لم يلاحظ اية بلبلة واي اضطراب في عمل المحاكم تحدثه التشكيلات القضائية؟

التشكيلات في مطلع المسالة القضائية على ان يبدأ مفعولها في تشرين تتسع الفرصة ليتهيأ القاضي نفسيا وعمليا لعمله الجديد دون ان تتوقف العجلة فلا يأتي اليوم الاول من السنة القضائية الجديدة الا ويكون كل في مكانه.

2-القواعد المتعلقة بالاساس:

ملاحظـة اوليـة:

كل مرة يتغير رئيس او تتبدل حكومة يبدأ الحديث عن تشكيلات في الادارة والقضاء كأنما القضاء كالادارة اداة تنفيذ يجب ان تنسجم مع سياسة كل رئيس وكل حكومة.

اظن انه حان الوقت لنظامنا الديموقراطي وقد جاوز سن الرشد، ان يدرس هذه الحقيقة البديهية اللازمة لطبيعته وهي ان القضاء سلطة لا ادارة. وهي سلطة تتميز عن السلطتين الدستوريتين التنفيذية والتشريعية في انها لا تتبدل وتتغير ولا تتحزب او تتسيس بل تبقى في بناء الدولة الديموقراطية العنصر الاثبت والاكثر استقرارا كي تتمكن من البقاء سورا منيعا يحمي الحريات والحقوق الاساسية التي لا تتأثر في النظام الديموقراطي الصحيح بتقلبات السياسة وتصارع الاحزاب.

وعليه لا يجوز- ما لم نستبدل نظامن السياسي باحد النظم الكلية- ان يأتي الحاكم الى الحكم بقضاته كما يأتي بوزرائه ومستشاريه او حتى بمدرائه وبمحافظيه. لا يجوز ضنا باستقلال القضاء والقضاة وبسمعة النظام الديموقراطي الذي تنتسب اليه ان تربط التشكيلات القضائية بتبدل الوجوه على مسرح السياسة.

والحقيقة الثانية التي آن لنا ان ندركها بالاختبار هي ان كل تشكيلات عامل تشل عمل المحاكم فالمناخ المشحون بالترقب والقلق…. ثم بالخيبة والتذمر الذي تخلقه التشكيلات العامة قبل اجرائها وبعده. ثم الاضطراب في الاجتهاد وتبدل أساليب العمل في المحكمة الواحدة، فضلا عن عاصفة “الغبار الملوث” التي تثيرها التشكيلات العامة حول القضاء ومؤسساته كل هذا يدعو الى المطالبة بالحاح بالاقلال من اللجوء الى مثل هذه التشكيلات العامة.

التشكيلات العامة يجب ان تعمل مرة واحدة على اسس سليمة وكل ما تفرضه الحاجة فيما بعد او يفرضه اصلاح خلل ما يتم في حينه وضمن حدود الحاجة الطارئة.

ما هي هذه الاسس السليمة وكيف تبنى؟

اولا– يجب ان يسبق التشكيلات العامة نوع من الفحص الدقيق الشامل للجسم القضائي بمجمله وتفاصيله لتبين مواضع الضعف او الخلل او المرض فيه فتأتي التشكيلات علاجا للداء وقطعا للتشكي.

غاية التشكيلات القصوى تدعيم ثقة المواطن بالقضاء، يجعله يطمئن الى ان لحقوقه ولحرياته ملاذا امينا تفيء اليه كلما تعرضت لعبث او ضياع. ثقة المواطن بالقضاء هي كل العدل. مثل بسيط- واستمحيكم عذرا ان ذكرت الاسماء- نرى ايهما اكثر قناعا وادعى الى الثقة حيثيات احكام عاطف النقيب المستفيضة مع كل ما فيها من علم ومنطق ام توقيعه؟

هم واضع التشكيلات الوحيد وارقه لا يجوز الا ان يكون الجواب على السؤال الكبير لم يشكو المواطنون واي تدبير يعيد الى نفوسهم الطمأنينة والرضى؟ وتبدأ عملية الفحص قطعا قطعا.

لنكن صريحين. ولتكن لنا شجاعة الملاحظة. ان القطاع العدلي الاكثر اتصالا بالمواطنين والا بعد اثرا في حياتهم والاكثر اهمية بالنسبة الى ما يوحيه اولا يوحيه من ثقة هو القطاع الجزائي يليه قطاع الاجور والعمل فالقطاع التجاري فقطاع التنفيذ فالقطاع المدني والعقاري.

القاعدة الاساسية في التشكيلات العامة اجراء الاصلاح في هذه القطاعات وفق اولوية اهميتها بالنسبة الى تدعيم الثقة بالقضاء.

ثانيا– ثم لا بد كقاعدة ثانية من النظر في ما تحتاج اليه كل مهمة قضائية من صفات خاصة تؤهل صاحبها القيام بها على الوجه الافضل. فالقاضي المنفرد في الاقضية مثلا- وهو الذي يجمع مهمة القاضي الجزائي والمدني والتجاري والعقاري وقاضي الاجور ورئيس دائرة الاجراء الخ وهو الذي رغم خلو النصوص يستطيع ان يلعب دور المصلح والمرشد في الكثير من الحالات، يطالب منه التحلي بصفات قد لا يحتاجها جميعها زميله في العاصمة المتخصص في نوع معين من الدعاوى. هذا القاضي المنفرد في الاقضية هو وجه العدالة المطل على الناس هو الصورة التي ينبغي ان تكون الاصفى. ولقاضي التحقيق مثلا صفات خاصة اخرى ليس علم القانون الا اقلها اهمية، منها الذكاء الحاد ونفاذ البصيرة وخبرة الناس ومشاكل الحياة الصعبة ومنها طول الاناة والروية وتقديس الحرية. هذه الصفات قد لا تطلب كلها من ممثل النيابة العامة مثلا. وهكذا دواليك.

ثالثا-مقابل هذه المواصفات الدقيقة والخاصة بكل مهمة قضائية لا غنى عن عملية مسح شاملة ودقيقة للطاقات البشرية المتوافرة في القضاء. ملف القاضي الشخصي يجب ان يضم اكثر من مرسوم تعيينه واجازاته المرضية. الملف الشخصي- وهو اداة التشكيلات الاكثر اهمية- يجب ان يكون المرآة التي تنعكس عليها بامانة جميع نواحي شخصية عامة، خبرته، نشاطه، منطقه، رغبته في البحث والتنقيب والجدل ذكاؤه، عمق وشمول نظره، تصرفه في حياته العامة وما يظهر من حياته الخاصة، مفهومه لمهمته مناقبيته، متانة خلقه، ورصيد الثقة الذي يتمتع به في اوساط عارفيه… الخ غير ان وضع هذا الملف مهمة خطيرة وشاقة ودقيقة.

لعلها ارضى واعمق واحدى مهمة يمكن ان يضطلع بها تفتيش قضائي ايجابي ومنزه ويضطلع بها معه الرؤساء الاولون… ومجلس القضاء الاعلى.

رابعا-على ضوء عمليتي تحديد المواصفات ومس الطاقات المتوفرة لا بد من تكوين رؤيا عامة للهرم القضائي بغية وضع تصميم التشكيلات. هذه الرؤيا يعتمها كون الطاقات الخيرة المتوفرة قد لا تكفي لبناء هرم كامل التناسق فلا بد من توزيع الطاقات المتعددة الكفاءات على طبقات الهرم وفق اختيارات معينة. ايحسن ان نجعل قاعدة الهرم اكثر متانة من وسطه او قمته او العكس هو الافضل؟

شخصيا ارى الافضل ارساء القاعدة لانها الاكثر تعاطيا بشؤون الناس، ثم تدعيم هيكل الوسط (رؤساء غرف الاستئناف) وابقاء عناصر كافية من النخبة لتتويى البناء. فدور محكمة التمييز كمرجع قضائي اخير ودورها في تركيز وتوحيد الاجتهاد وتطويره واكماله عمل المشترع يحتمان تخصيصها بالعدد الوافر من الصفوة.

خامسا-بعد كل هذا التحضير وما يتطلبه من دقة وشمول معا تأتي عملية التوزيع اي التشكيلات بالمعنى الحصري.

القاعدة الاساسية هنا، هذه التي تبدو بديهية الى آخر حدود البداهة ومع ذلك تعترضها الف عقبة هي: وضع القاضي المناسب في المكان المناسب.

اهم العقبات التي كثيرا ما تعترف تطبيق هذه القاعدة البديهية:

الاولى- تدخل السياسة والنفوذ والمصالح:

جل اهل السياسة والنفوذ عندنا تعودوا مع الاسف، ان ينظروا الى القضاء نظرتهم الى باقي مرافق الدولة. هو ايضا مجال لترسيخ الزعامة وتوطيد الوجاهة. ينادون في الصحف وعلى المنابر باستقلاله وابعاده عن المؤثرات وهم انفسهم يتوسلونه في الخفاء لخدمة اغراضهم قدر ما يوفقون.

التشكيلات القضائية وما تفسحه من مجالات الالتماس اخصب حقل لتدخل النافذين وما …باعهم في هذا البلد وما اقرب ضعفاء النفوس اليهم…….
فهل لنا ان نحلم بتشكيلات قضائية ينحسر عنها مد السياسة وسلطان النافذين وذوي المقامات الى غير رجعة وفي اذهاننا صدى الرسالة الشهيرة التي وجهها فخامة رئيس الجمهورية الى سلفه معلنا ايمانه بلزومية استقلال القضاء؟

الثانية- الطائفية:

قيل فيها ما لم يقله مالك في الخمر، وما قيل فيها قليل. اشار اليها الدستور يخفى وكأن واضعيه خجلوا بها امام العالم المتمدن فجعلوها موقتة ظانين- على سذاجتهم- ان العلم والرقي والمعاصرة ستقضي سريعا عليها.

وغلبوا عليها- في النص- المصلحة العامة (المادة 95 من الدستور)
ثم طبقة طويلا بخفر وظل القضاء في منأى عن مساوئها.

الا ان شيطان الطائفية ما لبث ان عش وبان وافرع فاستشرى في جسم الدولة حتى طال القضاء فتمدد وتمطى. واذا به لا يكتفي بالتوزيع عند التعيين بل ان المناصب القضائية وزعت على الطوائف اوقافا، اوقافا محبوسة لا تباع ولا يقايض بها ولا تستبدل. كل منصب لطائفة معينة ومن يدري فقد يفرض غذا ان تصدر الاحكام لكل طائفة عدد معين معيب. اليس مخجلا، بعد ان جعل القانون القضاة فئة واحدة ان تأتي الطائفية الاقوى من القانون فتوزعهم فئات فئة يبلغ طموحها اعلى المراتب وفئة لا يجاوز طموحها عتبة محكمة الاستئناف؟ هل يجوز ان يسند منصب الى قاض لا يؤهله لتبوئه الا انتماؤه الطائفي؟ وعندما يصبح هذا الانتماء قاعدة الترقي الاهم افلا يخشى المسؤولون من ان يصبح القاضي مشدودا بالولاء الى من بوسعهم ان يقيموا الدنيا ويقعدوها تحت شعار الحقوق المهضومة؟

لنتساءل بكل بساطة: لم الطائفية في القضاء؟ ما الفائدة التي تجنيها الطائفة كطائفة من قاضي صالح؟ وهل يميز القاضي الصالح بين من هم من طائفته ومن هم من طوائف اخرى اباسم الطائفة نحكم ام باسم الشعب؟

ايها السادة، في القضاء حيث لا يمكن تصور ولاء لغير القانون والضمير والشرف لا يمكن ان توجد سوى طائفتين: طائفة الصالحين الذين يعم نفعهم الناس جميعا وطائفة غير الصالحين الذين لا يجوز اصلا ان يولوا القضاء بين عباد الله الى اي دين انتسبوا.

الحقبة الثالثة: الحقوق المكتسبة والاقدمية.

تصطدم احيانا قاعدة وضع القاضي المناسب في المكان المناسب باشخاص تبؤوا مراكز يعتبرونها عالية حيث ظهر فشلهم او قصورهم او حامت حولهم الشبهات ولو كاذبة- والقاضي كأمرأة قيصر يجب ان يبقى فوق الشبهات. هؤلاء يتهيب واضعو التشكيلات معهم او اذا نقلوا فهم ناقلهم ان يجد لهم منصبا لا يقل اهمية عما هم فيه وكأن لهم حقوقا مكتسبة لا تمس.

نتساءل: لم الغي المشترع فئات القضاة؟ اليس لانه اراد التدليل، عن حق على ان مهمة القاضي واحدة ورسالته واحدة وما يطلب منه في اي منصب او مكان واحد، وان تنوعت اشكال عمله، وعلى ان لا فضل لقاضي على آخر الا بالعلم والفضيلة وما يوحيه من ثقة للمتداعين.

فما معنى الحقوق المكتسبة سوى تكريس الفشل وسد المنافذ امام الناجحين؟

ثم نحن لا نكرر، ما للخبرة من فضل فهيصفو العلم ومكملته. الا ان الخبرة، وان اكتسبت بطول المراس تبقى متصلة بالزمن ولكنها متميزة- فعدد السنين ليس الخبرة.

ومن هنا ان الاقدمية اذا اكسبت صاحبها الخبرة تصبح عنصرا هاما من عناصر الكفاءة فمرحى لها. اما ان تعتبر بذاتها قيمة فذاك تجن على الكفاءات.

ان النظام الوظيفي الذي يساوى في التدرج بين العالم والجاهل، بين الناشط والخامل وبين الصالح وضده يكاد يشل عزيمة العناصر المتفوتة ويقعدها عن كل مزيد من الجهد بل اكثر. انه يكاد يفرغ الادارة والقضاء مع الزمن من العناصر المتفوقة التي يحملها القنوط على النزوح الى القطاع الخاص كلما تهيأت لها الفرص.

التشكيلات هي المجال لتشجيع العناصر الصالحة وتقدير عملها الصامت لا خدمة لها بل استزادة من عطائها. كما انها احد المجالات لاخذ المقصر بتقصيره والمسيء باساءته بعد ان تعطل في القضاء بالنسبة الى القضاة انفسهم ميزان الثواب والجزاء.

والحقبة الرابعة: التصحب.

تذليل هذه العقبة رجولة بالبطولة. وهل من بطولة اروع من التغلب على هوى النفس والتضحية باحب واعذب ما في علائق البشر الصداقة؟

هذه البطولة بوسعنا ان نطلبها من قضاة مجلس القضاء الاعلى فمن منهم لم تمر به في ممارسة عمله القضائي ظروف وجد نفسه فيها ممزقا بين عاطفته وواجبه فلم يتردد في تغليب الواجب- اكثير عليهم- عندما يفر الواجب توزيع العدل على النطاق الاوسع- ان يضحوا ببعض اصدقائهم وان يتناسوا حبهم وكرههم على السواء؟

الصداقة والوفاء للاشخاص ليسا فضيلة عند من يتولى الشأن العام حيث لا وفاء الا للواجب.

في اعقاب ما حدث اثر، اخماد ثورة الجنرالات في الجزائر اولئك الذين كانوا قبل سنتين قد حملوا الجنرال دي غول الى الحكم اسر الجنرال العظيم الى احد ندمائه: هذا نصيبي الشخصي من السياسة، ان افقد اصدقائي من اجل مجد فرنسا.

وضع القاضي المناسب في المكان المناسب هو كل عبقرية التشكيلات وكل عقبة تحول دونه ينبغي ان تذلل مهما كانت التضحية وايا كان السبيل.

القاعدة الخامسة:

وتبقى قاعدة خامسة هي اعطاء فرص متساوية لذوى الكفاءات المتساوية الواقع ان في القضاء اشخاص يبدو انهم دخلوا تحت برج السعد فكان لهم – ولا ننكر فضلهم- انهم منذ تعيينهم ما عرفوا غير بيروت او بعبدا في حين ترك من قد لا يقل عنهم كفاءة في المناطق النائية سنوات وسنوات يعملون في صمت منتظرين اليوم الذي يتاح لاولادهم فيه المدرسة الصالحة والمستشفى الصالح و……. الخ.

في فرنسا يعطى القضاة المتخرجون من المعهد الوطني للدروس القضائية حق اختيار مركز عملهم بالافضلية وفقا لترتيب نجاحهم في امتحان التخرج ثم ان القاضي لا يعين في باريس الا بعد قضائه سنوات معينة في الملحقات.

لم يسأل القاضي هنا عن اختياراته فلعلها لا تتعارض مع المصلحة العامة وتلبي في الوقت نفسه حاجته ولم لا يخدم القضاة في الملحقات مناوبة؟

هذا ايها السادة بعد ما توصل اليه تأملي واختباري من قواعد وضوابط لا بد من اعتمادها في التشكيلات القضائية علّ بعض النظام والعلم يحل محل الفوضى والاعتباط.

غير ان الجوهر يبقى رغبة المسؤولين وجديتهم وشجاعتهم المعنوية في مواجهة معضلة تطوير وتحديث مؤسساتنا العامة وفي طليعتها القضاء.

فاذا كان اللبنانيون جادين في ما يدعونه من ان الحرية والديموقراطية ولبنان توائم فالبعدل وحده تصان الحرية وتحمى الديموقراطية ويبنى ازدهار لبنان.

والسلام عليكم

بعد القاء الزميل طربيه محاضرته، تولى الرئيس الاول لمحكمة استئناف بيروت السيد يوسف جبران ادارة المناقشة.

كان اول المتكلمين السيد امين ماليع، رئيس غرفة في محكمة التمييز، الذي سأل اذا كان” يمكن تحقيق شيء من المشاريع او التمنيات ما لم يحصل القضاء على استغلاله التام”.

وعلى ذلك اجاب المحاضر بقوله “ورد في البحث تشديد على استقلال القضاء وبكل تأكيد نتمنى ان يكون احد مظاهر استقلال القضاء ان يتولى مجلس القضاء الاعلى وحده التشكيلات وقد ذكرت الاسباب. وانا لا اعتقد انه يمكن ان يتم ذلك بدون استقلال القضاء”.

وهذا ما جعل الزميل فيليب خير الله يتساءل “تعقيبا على ما جاء على لسان الرئيس ماليع والزميل طربيه، هل يمكن لمجلس القضاء الاعلى في ظل التشريع الحالي ان يكون مستقلا في امر التشكيلات” وكان جواب الزميل طربيه “وفقا للنصوص السائدة حاليا لا يمكن لمجلس القضاء الاعلى ان يعدل التشكيلات” فالمبادرة تعود للوزير وللمجلس ان يوافق اولا يوافق. ويمكن للمجلس ان يتمنى، كما يستطيع ان يرفض التشكيلات، فتقف ولكن خشيته من تسهيل العمل في المحاكم تحون دون وقوفه بوجه اقتراحات الوزير”.

وفي نطاق نفس الفكرة لاحظ الزميل محمد علي صادق ان “لا مقاييس ولا اسس ترعى حاليا مسألة التشكيلات القضائية، فمجلس القضاء الاعلى يكون في اكثر الاحيان مغلوبا على امره مما يجعل الضمانات في الوضع الراهن غير موجودة”.

واستنكر الزميل ادوار عيد، متسائلا عما اذا كان “الوضع القائم حاليا، بالنقص في المعلومات عن القضاة ليس مسؤولا عن عدم اجراء تشكيلات مثالية اذ كيف ترد المعلومات عن القضاة الى المسؤولين؟ بواسطة المحامين، وربما النافذين (من وزراء ونواب) وقد يكون بينهم من خسر دعواه. وهؤلاء يطعنون ببعض القضاة فيكون نصيب هؤلاء عدم الانصاف، كما قد يحصل العكس فتعطى عندها افضل المراكز لمن هو حائز على رضى النافذين. وكملاك لهذه المسألة يرى الزميل عيد “ان المهم هو توفير معلومات دقيقة وواضحة عن كل قاض. ولربما، حين تعطى هذه المعلومات الصحيحة عن كل قاض، تخجل السلطات غير القضائية من تدخلها او عدم اخذها بالمعلومات الصحيحة، واما المراجع المسؤولة عن اعطاء هذه المعلومات، فهي كما ذكرها الزميل طربيه: هيئة التفتيش والرئاسات الاولى ومجلس القضاء الاعلى. وبوسع هذه المراجع ان تعطي معلومات صحيحة عن كل قاض، بالنسبة لمسلكه واجتهاده وعلمه. الا ان هذه المراجع هي المسؤولة حاليا عن الوضع الراهن.

وهنا لاحظ الرئيس الاول جبران معقبا، ان هناك ملفات في التفتيش وقد تكون غير كاملة كما ان هناك ملاحظات بشأن كل قاض، وعندما تطلب هذه المعلومات من السلطات القضائية المذكورة، فانها تعطيها.

وفيما يتعلق بالاسس التي عرضها المحاضر، فقد كان من رأى الزميل فوزي عويدات انها بعيدة المدى ويستلزم تطبيقها وقت طويل، ولكن هناك ما هو قابل للتحقيق فورا، وهو كما قال المحاضر، ان تصدر التشكيلات القضائية في جلسة واحدة من مجلس القضاء الاعلى ويصدر المرسوم فورا. وهذا ما جعل المحاضر يونس قائلا ان المقصود هو جلسة لكل المعنيين من المؤولين (رئيس الجمهورية، مجلس القضاء الاعلى والوزير) الايضاح الذي وافق عليه الزميل عويدات.

واتضح جليا من المناقشة ان ما جاء في حديث الزميل طربيه كان ترجمة صادقة لشعور القضاة وتطلعاتهم، الامر الذي ابرزه الزميل غبريال المعوشي حين قال: “اننا نوافق جميعا على الاسس التي عرضها المحاضر. فهكذا ينبغي للقضاء ان يكون، ومن الضروري تهيئة الاسس التي تمكننا من الوصول للأهداف التي شار الزميل سامي يونس في النهاية ان يقترح، تعبيرا عن هذه الموافقة الاجتماعية، ان يتبنى مشروع قانون الاسس التي وردت في محاضرة الزميل طربيه”.

 

 

 


[1] المفكرة القانونية تنشر أعمالا لحلقة الدراسات الدراسات القضائية (1969-1972): هذا الزمن الجميل، حين كان القضاة اللبنانيون يجهرون بإستقلاليتهم: https://legal-agenda.com/study.php?id=15&folder=studies&lang=ar
[2] سامر غمرون ونزار صاغية، التحركات الجماعية للقضاة في لبنان، في “حين تجمع القضاة”، صادر للمنشورات الحقوقية، 2009 
انشر المقال



متوفر من خلال:

قضاء ، استقلال القضاء ، لبنان ، دراسات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية