محكمة النقض بالمغرب تعتبر الزواج العرفي بقاصر جريمة هتك عرض


2023-12-20    |   

محكمة النقض بالمغرب تعتبر الزواج العرفي بقاصر جريمة هتك عرض

أصدرت محكمة النقض بالمغرب مؤخرا قرارا  مبدئيا يعتبر أن الزواج العرفي بطفلة يعتبر جريمة هتك عرض يعاقب عليها القانون الجنائي.

وتكمن أهمية القرار الذي تنشره المفكرة في كونه يعيد إلى الواجهة إشكالية الزواج العرفي بالمغرب والذي ينتهك حقوق عدة طفلات، ويؤدّي إلى ارتفاع نسب التسرّب المدرسي كما يعرضهن لمخاطر صحية جسيمة، إذ تسجل سنويا أزيد من 130000 حالة لتزويج الطفلات بشكل قانوني، إلى جانب حالات أخرى للزواج غير الموثق والتي يصعب حصرها.

ملخص القضية

تتعلق وقائع القضية في إقدام شخص طاعن في السنّ على إقامة حفل زواج عرفي بطفلة في إحدى قرى الأطلس الكبير بمدينة ورزارات، حضره عدد كبير من المدعوين، وذلك من دون سلوك مسطرة الزواج بالقاصر ومن دون احترام مسطرة زواج التعدد المنصوص عليها في مدونة الأسرة.

وبعدما قام بافتضاض بكارتها، فرت الطفلة من جديد إلى بيت أسرتها، ورفضت الالتحاق ببيت الزوجية.

وعند إشعار النيابة العامة، قررت متابعة الزوج من أجل هتك عرض قاصر بدون استعمال العنف، وأحالته على جلسة الحكم للمحاكمة أمام غرفة الجنايات، وخلال مناقشة القضية أثار دفاع المتهم انعدام الركن المادي والمعنوي في الجريمة، لكون المتهم تزوج بالفاتحة، بالمشتكية، بحضور ولي أمرها، ومباركته، وبحضور عدد كبير من المدعوين للوليمة التي أقامها بمناسبة حفل الزواج، موضحا بأن ارتباط المتهم بزوجة أخرى ورفضها منحه الإذن بالتعدد، جعله مضطرا للاكتفاء بالزواج العرفي، وهو زواج شرعي يعترف به القانون.

استمعت المحكمة لوالديْ الطفلة اللذين أكدا أنهما قاما بتزويجها للمتهم، بالفاتحة، لتعذر حصول الزوج على إذن المحكمة، كما أكدت الأم أن المتهم رافق ابنتها على متن سيارته إلى بيت الزوجية عقب حفل الزواج، واختلى بها، ومارس عليها الجنس،  وأنها عاينت بقع الدم بسريرها في صبيحة اليوم الموالي.

كما استمعت المحكمة لعدد من الشهود الذين أكدوا حضورهم لحفل الزواج، وعدم علمهم بما اذا كان الزوج قد حصل على إذن قضائي بالزواج بقاصر.

قررت المحكمة إدانة المتهم من أجل المنسوب اليه ومعاقبته بالسجن النافذ لمدة ثلاث سنوات، وأدائه للطفلة تعويضا قدره 40000 درهما، وهو القرار الذي طعن فيه المتهم لكون الشهود لم يعاينوا العملية الجنسية، وإنما حضروا فقط حفل الزفاف، ولكون الأمر يتعلق بزواج شرعي، لا يمكن اعتباره جريمة هتك عرض معاقب عليها.

موقف محكمة النقض

أيدت محكمة النقض القرار الاستئنافي فيما قضى به من إدانة المتهم من أجل جريمة هتك عرض قاصر، وذلك اعتمادا على العلل التالية:

  • تصريحات الطفلة بأن المتهم طاعن في السن ومتزوج بامرأة أخرى وقد تزوجها بالفاتحة دون عقد زواج، ومارس عليها الجنس وافتض بكارتها؛
  • تصريحات والد الطفلة بكون المتهم قام بنقل الطفلة إلى بيته على أساس أنها زوجته، بعد تلاوة الفاتحة، لتعذّر إجراء مسطرة التعدد لرفض الزوجة الأولى؛
  • تصريحات أم الطفلة بأن المتهم اختلى بابنتها بعد انتهاء حفل الزفاف ومارس عليها الجنس وقد عاينت في صبيحة اليوم التالي بقع الدم بسريرها؛
  • تأكيد المتهم أنه تزوج بالطفلة من دون سلوك المساطر القانونية اللازمة.

وعليه اعتبرت محكمة النقض أن محكمة الموضوع بينت بشكل واضح قناعتها واستعملت فيما انتهت اليه سلطتها في تقدير ما عرض عليها من وقائع وأدلة، وعللت قرارها بما فيه الكفاية، مما يجعل طلب النقض مرفوضا.

تعليق على القرار

يثير هذا الحكم الذي تنشره المفكرة القانونية من جديد مخاطر  استمرار الزواج العرفي بالمغرب، حيث يلجأ عدد من الأشخاص الراغبين في تعدد الزوجات أو الزواج من طفلات الى التهرب من القيود القانونية المفروضة على هذه الزيجات باللجوء إلى الزواج العرفي.

وقد تباين موقف القضاء في التعامل مع ظاهرة التحايل على مقتضيات تعدد الزوجات وتزويج الطفلات، ففي الوقت الذي اعترفت فيه بعض محاكم الأسرة بصحة هذه العقود، وعملت على توثيقها اعتمادا على أحكام الفقه، لجأت بعض النيابات العمومية إلى تحريك الملاحقات القانونية في حق الأشخاص الذين تزوجوا بشكل عرفي بطفلات، وهو ما طرح أمام القضاء إشكالية تكييف هذا الفعل أمام ما يفرضه النص الجنائي من ضرورة احترام مبدأ الشرعية الجنائية.

الملاحظ في هذه القضية أن:

  •  المتهم جمع بين مسطرتين استثنائيتين، حيث أبرم زواج تعدد، وتزوج بطفلة، مستغلا هشاشتها، دون سلوك المساطر القانونية اللازمة؛
  • المتهم أقام حفل زفاف علنيا حضره مجموعة من المدعوين من دون تدخل السلطات لمنعه، وهو ما يؤكد وجود تطبيع مع ظاهرة تزويج الطفلات بشكل عرفي في المجال القروي، عكس حالات أخرى تمّ رصدها في المدن واستدعتْ تدخل الشرطة لمنع الزواج؛
  • النيابة العامة كيفت الفعل على أساس أنه هتك عرض قاصر نتج عنه افتضاض دون استعمال العنف، وهو ما جعل الاختصاص ينعقد لمحكمة الجنايات، ورغم العقوبة السجنية المحكوم بها، والتي جعلتها المحكمة نافذة في حق المتهم، إلا أنها متّعته بظروف التخفيف بحيث لم تتجاوز المدة المحكوم بها ثلاث سنوات، علما بأن العقوبة المقررة قانونا للجريمة تتراوح بين خمس وعشر سنوات لأنها اقترنت بظرف تشديد وهو الافتضاض؛
  • رغم تمسك المتهم طيلة إجراءات المحاكمة بأن العلاقة التي ربطته بالطفلة هي علاقة زواج تمت بشكل عرفي، وبمباركة والديها، وبعد إقامة حفل حضره عدد كبير من المدعوين، وهو ما يتنافى مع الأركان التكوينية لجنحة هتك العرض، إلا أن المحكمة اعتبرت أن العلاقة الجنسية التي تمت بين راشد وطفلة تشكل جريمة  بغض النظر عن أي تبرير آخر لها في العرف أو في القانون.
  • ينضاف هذا الحكم إلى جملة مبادرات أخرى قامت بها محاكم أخرى ابتدائية من أجل العقاب على الزواج العرفي حيث اعتبرت محكمة القصر الكبير أن زواج التعدد المبرم بشكل عرفي يشكل عنفا نفسيا في مواجهة الزوجة الأولى. واعتبرت محكمة القنيطرة أنّ الزواج العرفي بطفلة يتيمة ضحية اغتصاب سابق هو إتجار بالبشر، كما أصدرت رئاسة النيابة العامة دوريات لتحثّ قضاتها على معارضة طلبات الزواج بقاصر، إلا أن أهمية هذا الاجتهاد تبرز بشكل خاص في كونه صادرا عن محكمة النقض مما قد يحسم الجدل حول طبيعة تكييف هذا الفعل من طرف محاكم الموضوع.

وتجدر الإشارة الى أن المغرب يعيش نقاشا موسعا حول مراجعة تعديل مدونة الأسرة، حيث شكلت لجنة موسعة تضم المجلس الأعلى للقضاء ورئاسة النيابة العامة ووزارة العدل والمجلس الوطني لحقوق الانسان ووزارة التضامن والمجلس العلمي الأعلى للقيام بمشاورات حول المواضيع ذات الأولوية في ورش تعديل المدونة، يفترض أن تنتهي من أعمالها خلال شهر مارس من العام المقبل.

للاطلاع على قرار محكمة النقض في المغرب

مواضيع ذات صلة

جلسة مساءلة حول تمكين المرأة في البرلمان المغربي: 13000 حالة زواج قاصرات سنويا

المغرب يفتح ورش مراجعة مدونة الأسرة بعد 18 سنة من صدورها

انطلاق ورش تعديل مدونة الأسرة بالمغرب: تشكيل لجنة قانونية وتقليص سلطة “العلماء

سابقة بالمغرب: حكم قضائي يعتبر الزواج العرفي بطفلة إتجارا بالبشر

سابقة حكم قضائي يعتبر زواج التعدد “العرفي” عنفا نفسيا ضد المرأة

محكمة النقض بالمغرب تمدّد أجل سماع دعوى الزوجية: تشجيع زواج الطفلات؟

جدل حقوقي بالمغرب حول تمديد أجل ثبوت الزوجية

مقترح قانون لمنع زواج القاصرات في المغرب

انتهاء الفترة الانتقالية لدعاوى إثبات الزيجات غير الموثقة بالمغرب

النيابة العامة تضبط الأذن القضائي بزواج القاصرات بالمغرب ومقترح نيابي بحظر الزواج دون 16 سنة

الشرطة تقتحم صالة أفراح لتمنع حفل تزويج طفلة عمرها 12 سنة في المغرب

دراسة جديدة في المغرب تدق ناقوس الخطر حول تزويج الطفلات

زواج الفاتحة بالمغرب: هل تصمد الأعراف أمام قوة القانون؟

الأطفال العرائس” بالمغرب… حينما يشرع القانون منافذ للتحايل عليه








انشر المقال



متوفر من خلال:

قرارات قضائية ، الحق في الحياة ، فئات مهمشة ، مقالات ، المغرب



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية