محكمة النقض المغربية تسقط حضانة زوجة “خرجت مساء بلباس عصري”


2023-11-30    |   

محكمة النقض المغربية تسقط حضانة زوجة “خرجت مساء بلباس عصري”

أثار قرار حديث لمحكمة النقض صدر بتاريخ 17/01/2023 جدلا واسعا داخل مواقع التواصل الاجتماعي بالمغرب، يتعلق بإسقاط حضانة زوجة، حيث اعتبرتْ المحكمة أن خروجها من منزلها مساء وهي ترتدي لباسا عصريّا، يمكن أن يمسّ بشرطيْ الاستقامة والأمانة، ويكون سببا لإسقاط حضانتها. القرار المنشور ضمن الأحكام المبدئية التي أصدرتها محكمة النقض والمتاحة عبر موقعها الرسمي، يعيد الى الواجهة سؤال استمرار العقلية الذكورية المحملة بصور نمطية في الأحكام القضائية التي تصدرها المحاكم، رغم تعديل قوانين الأسرة.

ملخص القضية

تعود فصول القضية إلى تاريخ 04/09/2020 حينما تقدم زوج بدعوى للتطليق للشقاق أمام المحكمة الابتدائية بانزكان، جنوب المغرب، يعرض فيها بأنه متزوج من المدعى عليها، وله منها ثلاثة أبناء، وأن الحياة الزوجية بينهما أضحت مستحيلة، لكونه يشكّ في تصرفاتها، نظرا لأنها تتكلم مع أصدقاء لها من الرجال في الهاتف، ملتمسا تطليقه منها. وأضاف أنه قدم شكاية في مواجهتها من أجل التحريض على الفساد، وأنها أدينتْ زجريا من أجل ذلك ملتمسا، إسقاط حضانة الأبناء.

وبعد فشل إجراءات الصلح بين الطرفين، قضت المحكمة الابتدائية بتطليق المدعي من المدعية، وإسقاط حضانة الأطفال عنها، وإسنادها لأبيهم، مع حفظ حقّ الأم في الزيارة خلال العطلة الأسبوعية، وخلال النصف الأول من العطل الدينية والوطنية والمدرسية.

استأنفت الزوجة الحكم في الشق المتعلق بإسقاط الحضانة، وركزت في مذكرتها الاستئنافية على أن جنحة التحريض على الفساد التي أدينت بها ابتدائيا، تمّت تبرئتها منها، من طرف محكمة الاستئناف، مدليةً بنسخة من قرار المحكمة، وأضافتْ أنّ كلام زوجها عارٍ عن الصحة، وأنه كثير الشكّ والارتياب في تصرفاتها، وهو ما حوّل حياتهما إلى جحيم، ملتمسةً إلغاء الحكم الابتدائي وتمكينها من حضانة الأبناء.

فقضت محكمة الاستئناف بإلغاء الحكم الابتدائي وإسناد حضانة الأبناء من جديد للأم، وتحديد مواعيد الزيارة للأب كلّ يوم أحد من الأسبوع، والنصف الأول من العطل المدرسية، إلى جانب الحكم عليه بأدائه للمدعى عليها مبلغ المتعة محددا في 10.000 درهم، ومستحقات الأبناء.

فتقدم الطليق بطعن بالنقض في قرار محكمة الاستئناف.

موقف محكمة النقض

قضت محكمة النقض بنقض القرار الاستئنافي فيما قضى به من تمكين الأم من حضانة الأبناء بعد الطلاق، معتمدة على العلل التالية:

  • من شروط الحضانة الاستقامة والأمانة؛
  • الثابت من وثائق الملف أن الزوجة من خلال ما أثبتته كاميرا المراقبة خرجت من المنزل على الساعة السادسة مساء بلباس عصري، وتزامن ذلك مع تبادلها لرسائل قصيرة في الواتساب مع أحد الأشخاص، حيث طلبت منه أن يؤكد حضوره، أو عدم حضوره لملاقاتها. كما اتصلت به وعبرت له عن إعجابها بعطره، وطلبت منه أن يحضر لها عطرا مثله، كما ربطت اتصالات مع أشخاص آخرين؛
  • ما قامت به الزوجة من أفعال تقدح في المروءة والعفة الواجب توافرها في الحاضنة؛
  • محكمة الاستئناف لم تناقش موضوع الطلب على ضوء الوقائع المادية المذكورة، والتي لا تأثير لقرار البراءة من جنحة التحريض على الفساد فيها، مما يكون قضاؤها غير مؤسس ومعرضا للنقض.

وعليه قضت محكمة النقض بنقض القرار الاستئنافي بإسناد الحضانة للأم واحالة القضية من جديد على نفس المحكمة للبتّ فيها بهيئة أخرى طبقا للقانون.

تعليق على قرار محكمة النقض

يعتبر هذا القرار الذي تنشره المفكرة القانونية نموذجا لاستمرار القوالب النمطية في النظام القضائي في المغرب، حيث يؤدي اعتماد القضاة على آراء ومعــايير مسبقة بشــأن ما يعتبرونه السلوك المناسب للنساء، إلى التمييز في حقّ أولئك اللاتي لا يتوافقن وهذه القوالـب النمطيـة. وتعتبر قضايا الأسرة والأحوال الشخصية عموما، والنزاعات المتعلقة بالحضانة على وجه الخصوص مجالا خصبا لاستمرار هذه القوالب النمطية داخل النظام القضائي. فمن المعلوم أنّ الحضانة بالمغرب تؤول بعد انحلال العلاقة الزوجية إلى الأم، ثم للأب، ويحدد القانون عددا من الشروط الواجب توفرها في الحاضن من بينها الاستقامة والأمانة؛ القدرة على تربية المحضون وصيانته ورعايته دينا وصحة وخلقا وعلى مراقبة تمدرسه..

ويطرح شرط الاستقامة والأمانة إشكالية في تفسيره على مستوى الواقع العملي، حيث يلجأ بعض الأزواج الى الطعن في سلوك زوجاتهم بغية إسقاط الحضانة عنهن.

يتضح من خلال هذا الحكم أن الزوج أثار كون طليقته ترتبط بعلاقات صداقة مع مجموعة من الأشخاص وتبادلهم الحديث عبر الهاتف، وأدلى بتسجيل صوتي لمحادثات عادية بين زوجته وبين أحد الأشخاص، وبفيديو يظهرها وهي تمتطي سيارة صديقها، وبالرغم من أن المحكمة الزجرية قامت بتبرئتها من جنحة التحريض على الفساد، وهو ما اعتبرته محكمة الاستئناف سندا لإلغاء الحكم الابتدائي القاضي بإسقاط حضانة الأم، إلا أن محكمة النقض اعتبرت أن محكمة الموضوع لم تناقش ما أثاره الزوج من ادعاءات تتعلق بسلوك طليقته، خاصة ما أثبتته كاميرا المراقبة من كون الزوجة قد خرجت من المنزل مساء وهي ترتدي لباسا عصريا، وتزامن ذلك مع تبادلها لرسائل قصيرة في الواتساب مع أحد الأشخاص، وهو ما يقدح في سلوك الزوجة ويمس بشرطي الأمانة والاستقامة.

تؤكد دراسة حديثة لمنظمة العفو الدولية حول الصور النمطية القائمة على أساس النوع الاجتماعي السائدة بالمغرب أن لباس المرأة وتصرفاتها في الشارع العام تعتبر قنوات رئيسية لإنتاج وإعادة إنتاج الصور النمطية، بحيث ينظر إلى النساء اللواتي يلبسن ملابس عصرية ويظهرن بعضا من أنوثتهن وجمالهن في الفضاء العام، كأنهن نساء لا يلتزمن بالأعراف وللأخلاق داخل الفضاء الخاص، وهي صور نمطية تتأثر بها بعض المحاكم، وتبرز بشكل غير مباشر في طريقة تعليل بعض الأحكام القضائية.

تؤكد اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة أن للقوالب النمطية والتحيز ضدّ المرأة في النظام القضائي آثـار بعيـدة المـدى علـى تمتـع النساء بكامل حقوقهن الإنسانية. فهي تعوق وصولهن إلى العدالة في جميع مجـالات القـانون، ويمكـن أن يكون لها تأثير سلبي، بوجه خاص على ضحايا العنف من النسـاء والناجيـات منـه. فالقولبـة النمطية تشوه المفاهيم والنتـائج في اتخـاذ القـرارات الـتي تسـتند إلى معتقـدات وأفكار مسـبقة ، بــدلا مــن اســتنادها إلى حقــائق ذات صــلة.[1]

للاطّلاع على قرار محكمة النقض، إضغطوا هنا

مواضيع ذات صلة

جدل حقوقي حول قرار فريد لمحكمة النقض يسمح للزوج بالتعدد لإنجاب مولود ذكر

محكمة النقض بالمغرب تمدّد أجل سماع دعوى الزوجية: تشجيع زواج الطفلات؟

محكمة النقض بالمغرب تحسم سلباً في بنوة الطفل الطبيعي

محكمة النقض المغربية تعتبر القبلة خيانة زوجية: غلبة الأفكار المحافظة على مبادئ جزائية راسخة

محكمة أكادير تطلق سراح متهم في قضية اغتصاب طفلة: تفعيل التنازل شرعنة لإفلات المغتصبين من العقاب

الإم بتلمّ”: الحضانة قضية رأي عام

حلقة جديدة من مسلسل المحكمة الجعفرية والحضانة: حين تعاقب الأمومة

أمّ تدافع عن حقها بالحضانة بعد وفاة زوجها: أي قانون للعائلات المختلطة؟

الطفل، العنصر المغيّب في قضية الحضانة

السلطة الأبوية والحضانة في قوانين الأحوال الشخصية اللبنانية

تطبيق جديد لاتفاقية حقوق الطفل بالمغرب: زواج الحاضنة لا يسقط حضانتها

حقّ الرؤية للأجداد أيضا عملا بمصلحة الطفل الفضلى

زواج الأم الحاضنة لا يسقط حضانتها: سابقة قضائية تغلب مصلحة الطفلة الفضلى في المغرب

أمر قضائي ضد العنف المعنوي في قضايا السفر بالمحضون

تعديل قانون حماية النساء وأفراد الأسرة من العنف: الآداب العامة التي تحجب روابط الاستغلال

دعوى لإرجاع زوج ل “بيت الطاعة” في المغرب: خطوة لتغيير الصور النمطية؟

بعد المغرب، زوجة توجه إنذاراً لزوجها بالنشوز في مصر: التقاضي كوسيلة لتغيير الصور النمطية


[1]  اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضدّ المرأة، التوصية العامة رقم 33 بشأن لجوء المرأة إلى القضاء، وثيقة الأمم المتحدة رقم CEDAW/C/GC/33  (2015)، الفقرة 26.

انشر المقال



متوفر من خلال:

قرارات قضائية ، مقالات ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، المغرب ، قضاء ، المرصد القضائي



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية