محكمة النقض الفرنسية تقر بسمو الحرية في الزواج على الاتفاقيات الدولية


2015-02-09    |   

محكمة النقض الفرنسية تقر بسمو الحرية في الزواج على الاتفاقيات الدولية

بعدما أثار زواج محمد المغربي ودومينيك الفرنسي جدلاً قانونياً طوال سنة ونصف في ردهات المحاكم, صادقت الغرفة المدنية الاولى لمحكمة النقض الفرنسية في قرار لها رقم 96 الصادر في 28012015,على شرعية زواج المثليين المقيمين في فرنسا بمعزل عن جنسياتهم. وقد جاء هذا القرار ليقر ما وصلت اليه محكمة الدرجة الاولى ومن ثم محكمة الاستئناف في شامبيري في 2013.

وكانت النيابة العامة قد طعنت في القرار الاستئنافي أمام محكمة التمييز معتبرةً ان تشريع هذا الزواج يشكل انتهاكاُ  للاتفاق الثنائي الفرنسي- المغربي الذي ينظم الزواج والعلاقات الشخصية منذ سنة 1981. وبشكل تفصيلي، استند الطعن  على المادة الخامسة من الاتفاقية المذكورة والتي تنص على ان الزواج بين المغاربة والفرنسيين يتم وفقاً لقوانين البلدين، مع العلم ان القانون المغربي يمنع زواج المثليين خلافاً للقانون الفرنسي الذي سمح ب"الزواج للجميع" منذ 17052013. كما استند الطعن على التعميم الصادر عن وزارة العدل تبعاً لاقرار قانون الزواج للجميع والذي يستثني المواطنين المنتمين ل 11 بلداً من بينها المغرب من الزواج المثلي احتراماً لاتفاقيات ثنائية تربط هذه الدول مع فرنسا. وبالطبع، ارتكزت حجج النيابة العامة على سمو الاتفاقات الدولية على النصوص الداخلية.

وفي ردّها على الطعن، أثارت محكمة النقض الفرنسية المادة الرابعة من الاتفاقية التي تنص على امكانية عدم تطبيق القوانين المخالفة للانتظام العام الذي يرعى الحقوق والحريات الاساسية للافراد. وخلصت تبعا لذلك الى عدم جواز تطبيق القانون المغربي لتعارضه مع  حرية أساسية هي حرية الزواج ومن ضمنها حرية زواج المثليين. ف"لا يمكن ان تمنعها (أي ممارسة حرية الزواج) اتفاقية سابقة تجمع فرنسا بالمغرب اذا كان الزوج المغربي تربطه صلة بفرنسا" طالما أن الشاب المغربي مقيم في فرنسا,كما أعادت المحكمة التأكيد على الطابع الأساسي لحرية الزواج في بيان للناطق باسمها في 4-02-2015[1]. و قد اشار محامي الزوجين الى "تغير قانون الزواج بالنسبة للسياسة العامة الدولية الفرنسية التي لن تسمح باي تمييز في الزواج سواء اكان ذلك على اساس الجنس او الجنسية".

تكمن اهمية قرار محكمة النقض على صعيد الاجتهاد بأنه قلب المعايير القانونية، وتحديدا مبدأ التسلسل الهرمي للقواعد القانونية الذي يقضي بحسب المادة 55 من الدستور الفرنسي بسمو الاتفاقيات الدولية على القوانين الداخلية على أساس أن الحريات الاساسية الفردية من بينها الحرية في الزواج, تسمو على الاتفاقيات الدولية. كما ان التوسع في مفهوم الانتظام العام الدولي الذي تبنته المحكمة في هذا القرار يعكس رغبة القضاة في توسيع نطاق تطبيق قانون الزواج للجميع, ليشمل ايضاً المواطنين الاجانب بما فيهم المواطنين الذين جردتهم قوانين بلادهم من هذه الحرية.
ويندرج هذا القرار في سياق مساعي الدولة والقضاء الفرنسي لحماية حقوق الانسان وتكريس الحريات الفردية الأساسية. فقد سجل مؤخراً في 9-7-2014 للقضاء الاداري الفرنسي سابقة في تكريس حرية الزواج، حيث أمر قاضي الامور المستعجلة لدى مجلس شورى الدولة الادارة المختصة بمنح مواطن سنغالي يرغب بالزواج من مواطن فرنسي تأشيرة دخول الى فرنسا بعدما رفضتها القنصلية الفرنسية في المغرب بسبب قرار ترحيله من الاراضي الفرنسية في 2007. وقد اعتبر القاضي ان هذا الرفض يشكل انتهاكاً فاضحاً للحرية في الزواج, مقراً علو الحريات الفردية على الاعتبارات الادارية و الدولية.[2]

بقي أن نشير ان من شأن تنامي الخطاب الفرنسي حول حرية الزواج واعتباره حقا طبيعيا كرسته الطبيعة الانسانية والمعاهدات الدولية الراعية لحقوق الانسان أن يمدّ ناشطي الزواج المدني في لبنان بحجج اضافية. فان يكون الزواج حقا طبيعيا للفرد, يمنع حصره في الأطر الطائفية. كما أن الاعتراف بحرية  الزواج كحق طبيعي للانسان يمكّن الافراد من ممارستها من دون الحاجة الى قانون مسبق بتنظيم مفاعيله. فالمبدأ هو الحرية التي يمكن ممارستها بمعزل عن ارادة المشرع، على أن يكون للمشرع اذا أراد أن ينظم ممارستها من دون أن يكون له منعها.

الصورة منقولة عن موقع barlamane.com



[1] www.courdecassation.fr, Communiqué relatif à l’arrêt dit du « mariage franco-marocain entre personnes de même sexe » du 28 janvier 2015
[2] Conseil d’Etat, arrêt n° 382145, 7-9-2014. 
انشر المقال

متوفر من خلال:

أوروبا ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *