محكمة التمييز ترد طلب استبعاد عقوبة الإعدام بالأكثرية: هذه هي وظيفة العقوبة في لبنان


2014-07-18    |   

محكمة التمييز ترد طلب استبعاد عقوبة الإعدام بالأكثرية: هذه هي وظيفة العقوبة في لبنان

بتاريخ 1-7-2014, أصدرت محكمة التمييز[1] حكما آل الى تجريم المتهم السيد ناصر الفارس بقضية قتل الراحل محمد الناتوت بمقتضى المادة 549 من قانون العقوبات والحكم عليه بعقوبة الإعدام. وقد صدر القرار بأكثرية أعضاء المحكمة، بعدما حررت المستشارة غادة عون رأيا مخالفا خلص الى استبعاد عقوبة الاعدام. أهمية هذا الحكم أنه جاء تبعا للدفاع الذي قام به محامون مناصرون لالغاء الإعدام (زياد عاشور ولينا العيا) بالتعاون مع نقيب المحامين في باريس Pierre Olivier Sur . فبخلاف الحالات الأخرى التي ربما تخلو من أي حيثيات حول مبدئية عقوبة الإعدام أو مدى ملاءمتها، جاء الحكم الصادر غنيا لهذه الجهة بحيث أن المحكمة اتخذت من الدفاع المدلى به أمامها مناسبة للتفكير بالسياسة الجنائية الأكثر ملاءمة وتاليا بوظيفة العقاب في لبنان ولابداء وجهات نظرها بهذا الشأن.
 
حماية المجتمع ممن هو متأصل في الاجرام
في معرض البحث في وظيفة العقوبة, خلصت محكمة التمييز الى أن "لفظ عقوبة الاعدام, وهي العقوبة الجنائية القصوى التي تزيل المجرم المحكوم عليه من الوجود, يعني ضمنا أن المحكمة وجدت ان المجرم متأصل في الاجرام لدرجة انه لا أمل في اعادة تأهيله ليعود عنصرا فاعلا في المجتمع, وأن بقاءه على قيد الحياة يشكل خطرا جسيما ودائما على المجتمع وقيمه وأفراده ومصالحه, وأنه ليس ثمة عقوبة اخرى يمكنها ان تحقق العدالة وتشكل قصاصا كافيا للمجرم, في ضوء ماهية جريمته وظروف اقترافها وما نجم عنها من تداعيات".

ومن خلال هذه الحيثية، تكون المحكمة اعتمدت المقاربة الجماعية للعقوبة (approche collective), والتي تنبني على وجوب حماية المجتمع من المجرمين الخطرين بهدف تخليصه من هذه البذرة الضارة عند الضرورة[2]. وانطلاقا من ذلك، اعتبرت المحكمة "ان المسألة محور البحث ليست عقوبة الاعدام في حد ذاتها (…) بل مدى امكانية ان تجد المحكمة ما يبرر منح اسباب تخفيفية لفعل جرمي بشع وشنيع أفضى الى تأثير عميق في المجتمع, وكيفية تبرير منح المتهم القاتل أسبابا مخففة امام أهل الضحية والمجتمع". أي معنى، أن مبدئية عقوبة الاعدام مكرسة بالنسبة الى المحكمة من منطلق وجوب حماية المجتمع ممن يثبت تاصله بالجريمة، وأن انزالها أو عدم انزالها يتوقف فقط على مدى توفر أسباب تخفيفية.

وتقابل هذه المقاربة مقاربة فردية حقوقية للعقوبة(Approche individuelle) , غايتها إعادة تكوين شخصية المحكوم عليه (la régénérescence du condamné) واعادة تأهيله. وقد اعتمدت مخالفة عون بالمقابل على هذه المقاربة بحيث رأت ان "توقيع العقاب يهدف ليس فقط الى اقامة العدل والتعويض معنويا وماديا على اهل الضحية, انما يرمي ايضا الى انفاذ سياسة جنائية يكون القصد منها على السواء حماية المجتمع وحقوق اولياء الضحية واصلاح الجاني".

وفي الاتجاه نفسه، ألزمت المحكمة الفارس بأن يدفع الى المدعين مبلغا ماليا طائلا قدره 500 مليون ل.ل. كعطل وضرر. ومن شأن ضخامة هذا المبلغ أن تمنع المحكوم عليه من إمكانية تخفيض عقوبته في أي وقت من الأوقات مهما كان سلوكه حسنا خلال فترة حبسه ومهما طالت هذه الفترة، بعدما اشترط المشرع للاستفادة من التخفيض قيام المحكوم عليه بتسديد التعويضات الشخصية للضحية أو ذويها أو الحصول منها على اسقاط عن الحق[3].
 
أيّها الجرائم الأكثر خطورة؟
ينص البند الثاني من المادة 6 من الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية للعام 1966 التي صادق لبنان عليها, على "أنه يجوز ايقاع حكم الموت في الأقطار التي لم تلغ فيها عقوبة الاعدام بالنسبة لاكثر الجرائم خطورة فقط". وقد كرست السادسة من الميثاق العربي الجديد لحقوق الانسان الصادر في العام 2004 الفكرة نفسها من خلال منع انزال عقوبة الاعدام "الا في الجنايات البالغة الخطورة". ومن دون الإشارة صراحة الى هذه النصوص، أوردت المحكمة أنه "من المسلم به ان الحق في الحياة يعتبر أثمن الحقوق ومتقدم على الحق في الملكية, ولذلك فان القتل يعتبر من اشد الجرائم خطورة, وبالتالي يستوجب تعاملا يتسم بالجدية مع كل من يقدم عليه او يشارك فيه". ويلحظ هنا أن المحكمة لم تميز من خلال ذلك بين القتل العمد أو القتل القصد، مما جعلها أكثر تشددا من قانون العقوبات اللبناني نفسه الذي هو عاقب القتل العمد وحده بالاعدام. 
كما تجدر الإشارة في هذا السياق الى أن المحكمة لم تعر أي اهتمام لاشارة النقيب SURالى وجوب استبعاد عقوبة الإعدام في الجريمة موضوع الحكم على ضوء الاتفاقية التي أنشأت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري. فقد اعتبر SURأنه لا يعقل ان تستبعد هذه العقوبة عن قتلة الرئيس رفيق الحريري الذين ارتكبوا جريمة منظمة عن سابق  الاصرار والرصد والتصميم كما يخرج من النظام التأسيسي لهذه المحكمة فيما تطبق العقوبة بحق قاتل بائس ارتكب جريمة عادية، تحت ظروف شخصية صعبة، بائس وحيد ليس له أحد ولا يملك شيئا[4].
 
شخصنة العقوبة وأنسنتها؟   
بمعزل عما رأته المحكمة لجهة وظيفة العقوبة أو مدى خطورة الجرم، هل سعت المحكمة الى تحديد العقوبة على نحو يتناسب مع شخصية المتهم أو خصائص الجرم موضوع المحاكمة؟

في هذا المجال، وردت عدد من الحيثيات التي ترشح عن هذا التوجه، علما أن المحكمة عادت وأغرقت حججها بمعطيات أخلاقية محددة مسبقا من شأنها نسف أي شخصنة أو أنسنة للعقوبة. وهذا ما تجلى بشكل خاص من خلال تعبير المحكمة عن فهمها ل"لغاية الدنيئة"، والتي تمثلت وفقها في اقدام المتهم على ممارسة الجنس مباشرة بعد ارتكابه جريمتي القتل والسرقة، حيث جاء بالحرف الواحد أن المتهم عند الى ("اشباع رغباته الجنسية حيث مارس الجنس لساعتين مع فتاتي هوى", "وذبح الضحية لاسباب انانية", "ممارسة الجنس وصرف المال المسلوب على ملذاته"). ويتضح من خلال قراءة هذه العبارات أن المحكمة وجدت في أفعال المتهم الجنسية ما يكفي لادانته، من دون إيلاء أي اهتمام لنفسيته أو وضعيته الاجتماعية اللتين لو أخذا بعين الاعتبار، لقرأت تصرفاته ربما على نحو مختلف تماما. وقد انتهت المحكمة تبعا لذلك الى استبعاد أي "تبريرات في اوضاعه العائلية او المادية او المهنية"، والى الجزم "بأن لا مجال منطقيا وضميريا وواقعيا لأي سبب يمكن ان يبرر الجريمة البشعة التي وقعت".

وبالطبع، من شأن هذا الامر أن يطرح اشكالية حيادية القاضي تجاه الآراء المجتمعية المسبقة التي رمت بثقلها في هذه القضية من باب القيم الاخلاقية والاجتماعية والدينية, والتي تدرج فكرة الرغبات الجنسية خارج الزواج بحد ذاتها, ضمن الفواحش. وهنا أيضا، ذهب الرأي المخالف في اتجاه آخر من خلال القول بوجوب "التحري عن العقوبة التي يراها الانسب والتي يقتضي ان تكون اكثر ملاءمة لوضع المتهم النفسي والعقلي والاجتماعي تبعا لدرجة خطورته على المجتمع ولأهمية الجريمة".

وما يجعل موقف المحكمة في هذا الخصوص أكثر قابلية للنقد هو اشارتها الى "أن الناس الآمنين والذين ينصرفون الى اعمالهم وحياتهم اليومية ضمن اطار القيم والمبادئ الانسانية والدينية والاخلاقية, هم أولى بالحماية والاستفادة من الضمانات التي نص عليها الحق الطبيعي والقوانين والمعاهدات الدولية. وهي بذلك أوحت بإمكانية التمييز من ناحية التمتع بحقوق الانسان والحق بالكرامة الإنسانية، تبعا لالتزامهم بقيم أخلاقية معينة, خلافا لمبدأ عدم التمييز المكرس في المادة السابعة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان للعام 1948.
 
غياب الضمانات الاجرائية لتقرير عقوبة الاعدام
وختاما، يجدر التساؤل مع اقرار المحكمة لعقوبة الإعدام رغم مخالفة أحد مستشاريها، حول مدى ملاءمة اعتماد ضمانات اجرائية معينة عند تقرير عقوبة الإعدام، على غرار ما يفرضه القانون المصري مثلا. فمن المفيد التذكير هنا أن القانون المصري (المادة 381 من قانون الاجراءات الجنائية المصري)، تفرض اجماع أعضاء المحكمة لاتخاذ عقوبات مماثلة، وهي قاعدة وضعت "تقديرا … لجسامة الجزاء في عقوبة الاعدام، وحرصا على احاطتها بضمان اجرائي يكفل أن ينحصر النطق بها في الحالات التي يرجح فيها الى ما يقرب من اليقين أن تكون مطابقة للقانون"[5].


تجدون ربطا نص الحكم الصادر عن محكمة التمييز بالاضافة الى نص المخالفة التي حررتها القاضية غادة عون



[1] الغرفة السادسة الجزائية وهي تتألف من القضاة جوزيف سماحة رئيسا وغادة عون وصبوح سليمان مستشارين.
[2]Claire Finance, Prison et Cour Européenne des droits de l’homme, mémoire, Université Panthéon-Assas, 2010
[3] قانون رقم 183 تاريخ 5/10/2011 القاضي بإمكانية تخفيض العقوبة على ألا يقل اجمالي العقوبة المخفضة تنفيذها عن 35 سنة وألا تزيد عن 40 سنة.
[4] راجع المرجع السابق
[5] منة عمر, اسئلة من وحي قرارا جنايات المنيا (1): الاعدام في منظومة العقوبات المصرية, موقع المفكرة القانونية الالكتروني, 14-4-2014
انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية