محكمة أكادير تطلق سراح متهم في قضية اغتصاب طفلة: تفعيل التنازل شرعنة لإفلات المغتصبين من العقاب


2020-06-12    |   

محكمة أكادير تطلق سراح متهم في قضية اغتصاب طفلة: تفعيل التنازل شرعنة لإفلات المغتصبين من العقاب

أثار قرار محكمة أكادير الصادر مؤخّرا بإطلاق سراح متّهم باغتصاب طفلة بعد تنازل والدها عن الشكاية، غضبا عارما لدى الجمعيات النسائية والحقوقية ورواد مواقع التواصل الاجتماعي. وأعادت القضية الجدل من جديد حول ضرورة مراجعة القانون الجنائي الذي وصفه نشطاء بأنه "متساهل بشكل مشين" مع المغتصبين ويشجّع على إفلاتهم من العقاب.

 

قضية إكرام نفس السيناريو يتكرر مع اختلاف الأسماء

تعود فصول القضية إلى حوالي أسبوع بإحدى القرى النائية باقليم طاطا جنوب المغرب، حينما اشتكت الطفلة إكرام ذات السنوات الستّ لأمها من آلام على مستوى مؤخرتها. وبعدما استفسرتها الأم عن سبب هذه الآلام، ظلت البنت تكرر عبارة، "ضربني والد صديقتي".

وبسبب تدابير الحجر الصحي، لم يتمكن والد الطفلة إكرام من التوجه إلى خلية العنف بالمحكمة، أو مراجعة المستشفى الإقليمي من أجل إجراء الفحوصات، إلا بعد أيام، ليتبين أن الطفلة تعرضت للإغتصاب، وهو الأمر الذي جعل الأب يقدم على تقديم شكاية مستعجلة أمام الدرك الملكي بالقرية، بعد إلحاح من الطبيب المعالج الذي منحه شهادة طبية تؤكد تعرض ابنته لاعتداء جنسي.

بعد فتح بحث قضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة، تم القاء القبض على المشتبه في ارتكابه للإعتداء الجنسي. وأمرت النيابة العامة بإحالة الملف على المستشار المكلف بالتحقيق بمحكمة الإستئناف المختصة في النظر في قضايا الجنايات، الذي أمر بالتحقيق مع المشتبه فيه في حالة اعتقال نظرا لخطورة الأفعال المنسوبة إليه.

 

تنازل الأب عن الشكاية، تفعيل الصلح على حساب حق الطفلة في الإنتصاف

بعد أيام قليلة، أدلى والد الطفلة بتنازله عن الشكاية، مؤكدا أن أعيان القرية تدخلوا من أجل تسوية الخلاف بين الأسرتين بشكل ودي في إطار الأعراف التي تحكم القرية. وقرر قاضي التحقيق أمام هذا المستجد رفع حالة الإعتقال على المشتبه فيه واستمرار التحقيق معه في حالة سراح مع تأخير القضية إلى ما بعد رفع حالة الحجر الصحيّ.

أثار قرار تمتيع المتهم بالسراح مقابل كفالة مالية غضب الفعاليات الحقوقية وشباب المنطقة، الذين اعتبروا تفعيل التنازل في قضية اغتصاب طفلة هضما لحقوقها، وتساهلا مع جريمة نكراء، متهمين شيوخ القبائل وأسماء سياسية بالمنطقة باستغلال قضية الصلح والوساطة كحملة إنتخابية سابقة لأوانها، على حساب حق الطفلة في الإنتصاف.

 

وسم "كلنا إكرام" يغزو صفحات التواصل الإجتماعي

أثارت القضية غضب النشطاء المغاربة، واحتل وسم #كلنا_إكرام، المرتبة الثانية ضمن قائمة الأكثر تداولا على موقع "تويتر" في المغرب. في نفس السياق، تمّ إطلاق حملة توقيعات على عريضة للمطالبة بإنصاف الطفلة ومعاقبة الجاني، سرعان ما انضم إليها فنانون وإعلاميون ومشاهير. وعلّق أحد المدونين قائلا: "إطلاق سراح المغتصب أو التنازل له هو اغتصاب آخر للطفلة ولنا جميعا، واغتصاب للقانون ومواثيق حماية الطفولة، بل هو تحريض كذلك على ممارسة هذا الجرم".

من جهتها، نظمت عدد من الجمعيات النسائية وفعاليات محلية في الإقليم وقفات إحتجاجية للمطالبة بمعاقبة المغتصب، في تحدّ لقيود الحجر الصحي رافعين لافتات تحمل عبارة "اغتصاب الأطفال أكثر فتكا من فيروس كورونا".

 

النيابة العامة تطعن في قرار السراح والغرفة الجنحية تقرر الإلغاء

تفاعلا مع الحراك الكبير الذي خلقته قضية الطفلة إكرام، قررت النيابة العامة الطعن في قرار قاضي التحقيق بالسراح. وبتاريخ 10 يونيو 2020، أصدرت الغرفة الجنحية بمحكمة الإستئناف بأكادير حكمها بإلغاء القرار، وتاليا إيداع المتهم من جديد بالسجن واستكمال إجراءات التحقيق معه في حالة اعتقال.

من جهتها، طالبت جمعية "ما تقيش ولدي" لحماية الطفولة، وهي عبارة باللهجة العامية المغربية تعني "لا تلمس طفلي أو طفلتي" –طالبت- بضرورة تعميق البحث في هذه القضية من أجل معرفة ما إذا كان هناك ضحايا آخرون للمتهم، مع التحقيق في ظروف حصول المتهم على التنازل من طرف والد الطفلة، وما إذا كانت الأسرة قد تعرضت إلى إغراءات أو مساومات أو تهديدات.

 

قضية الطفلة إكرام فرصة لاختبار مدى فاعلية القانون في ملاحقة مغتصبي الأطفال

أعادت قضية الطفلة إكرام إلى الواجهة ملف مراجعة القانون الجنائي، الذي مرّت أزيد من 70 سنة على إصداره. وقد اعتبر ناشطون أنه لا يكرّس حماية كافية للأطفال ضحايا الإعتداءات الجنسية.

وكانت فدرالية رابطة حقوق النساء قد طالبت في مذكرة بمناسبة مشروع مراجعة القانون الجنائي بضرورة التنصيص على مقتضى يمنع المحاكم من تمتيع المُدانين في قضايا الإغتصاب بظروف التخفيف، من أجل تجنيب الضحايا الضغوطات المعنوية التي قد يتعرضون لها لحثّهم على التنازل، وهو ما يؤدي إلى تشجيع إفلات الجناة من العقاب.

كما طالبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان المشرع بمراجعة النصوص القانونية لحماية الطفل والمجتمع، ومنح قاضي القاصرين حق الدفاع عن مصالح الأطفال الضحايا وحقوقهم، وإعطائه صلاحية التدخل لتنصيب محام له في إطار المساعدة القانونية بقوة القانون، في حال تنازل العائلة عن الإدعاء.

في نفس السياق، ناشدت مراكز شبكة الرابطة إنجاد ضد عنف النوع وشبكة نساء متضامنات

الدولة باعتبار "جبر ضرر الضحايا في القضايا الجنائية جزءاً لا يتجزأ من الحق العام ولا يمكن وضع حد له بالتنازل والصلح خصوصا في جرائم العنف والإغتصاب والاعتداء الجنسي والقضايا التي تكون فيها الضحايا قاصرات تماشيا مع اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها المغرب".

وجذير بالذكر أن فرق المعارضة سبق أن تقدّمت بمقترح قانون للبرلمان المغربي بشأن حظر ومعاقبة الإستغلال الجنسي والإعتداءات الجنسية على الأطفال يرمي إلى تدقيق الإطار والمفاهيم وتشديد العقوبات المقررة وتفعيل تدابير الحماية لضحايا جرائم الإعتداءات الجنسية على الأطفال. 

 

مواضيع ذات صلة

فرنسا تعتمد قواعد أكثر مرونة في إثبات الجرائم الجنسية: هكذا نحمي الضحايا

"الأطفال العرائس" بالمغرب… حينما يشرع القانون منافذ للتحايل عليه

قرار مبدئي لمحكمة النقض بالمغرب حول الإعتداء الجنسي على القاصرين

بدء مناقشة تعديل القانون الجنائي في المغرب:

مدونون بالمغرب يطلقون حملة:  "القانون الجنائي لن يمر"

جدل بخُصوص تأخر مصادقة البرلمان على تعديلات القانون الجنائي في المغرب

البرلمان المغربي يصادق على عدم افلات المغتصب من العقاب وأمل بان تعمّ هذه الخطوة نصوص الدول العربية الأخرى

إلغاء الفقرة الثانية من الفصل 475 من القانون الجنائي هل ينهي افلات المغتصب من العقاب؟

إدعاءات باختطاف واغتصاب وتشويه جسد قاصر مغربية .. تنديد، تضامن، واتهامات بالكذب

عودة نقاش حماية القاصرات في المغرب عقب اغتصاب جماعي لفتاة قاصر

انتحار خديجة قضية تلخص معاناة الناجيات من العنف بالمغرب

أمينة الفيلالي… حين يعاد اغتصاب المغتصبة

انشر المقال

متوفر خلال:

المرصد القضائي ، المغرب ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، لا مساواة وتمييز وتهميش



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *