محاولة ناقصة لوضع نظام شامل لمكافحة تضارب المصالح

محاولة ناقصة لوضع نظام شامل لمكافحة تضارب المصالح
رسم رواند عيسى

يمكن تعريف تضارب المصالح في مرحلة أولى، كأي عامل من شأنه أن يدفع شخصاً ما إلى تفضيل مصلحة شخصيّة على المصلحة التي يفترض أن يعمل من أجلها. وتشكّل مكافحة تضارب المصالح إحدى أبرز آليات مكافحة الفسّاد، ويتجلّى ذلك مثلاً في اتفاقيّة مكافحة الفساد التي أبرمها لبنان عام 2008 والتي نصّت في مادّتها السابعة على واجب الدوّل الموقعّة في “ترسيخ وتدعيم نظم تعزّز الشفافيّة وتمنع تضارب المصالح”. وقد أعادت الاتفاقيّة التشديد على مركزية هذه الفكرة في مادّتها الثامنة المتعلّقة بقواعد سلوك الموظفين العموميين، بحيث أوجبت على الدول “وضع تدابير ونظم تلزم الموظفين العموميين بأن يفصحوا للسلطات المعنيّة عن أشياء منها ما لهم من نشاطات خارجيّة وعمل وظيفي واستثمارات وموجودات وهبات أو منافع كبيرة قد تفضي إلى تضارب في المصالح مع مهامهم كموظّفين عموميين”.

ويشكّل تضارب المصالح انتهاكاً لاستقلال الموظّف وحياديّته. من هذا المنطلق، يمكننا أن نعتبر أنّ أوّل وأبرز الأنظمة الموضوعة لمكافحة تضارب المصالح هي القواعد المتعلّقة بتنحّي القاضي أو ردّه، والتي توجب على القاضي ألّا ينظر في نزاع قد لا يحكم بشأنه بحياد بسبب تضارب بين مهامه القضائية ومصلحته الشخصيّة[1]. ويقتضي تطبيق المنطق نفسه على الموظفين العموميين أو القيّمين على الشأن العام، بطريقة تمنعهم من اتخاذ قرارات ليست بالضرورة غير قانونيّة، لكنها قد تكون خضعت لتأثيرات مصلحة متعارضة مع المصلحة العامّة. فتصبح هنا قرارات قانونية من حيث الشكل ولكن غير قانونية بفعل خلفيتها وأهدافها.

آثار لمكافحة تضارب المصالح في القوانين النافذة اللبنانية

تتضمّن مكافحة تضارب المصالح شقيّن: الأوّل قمعي والثاني وقائي.

يهدف الشقّ القمعي إلى محاسبة ومعاقبة كلّ من يستعمل وظيفته لتحقيق مصلحة خاصّة، وهذا الشقّ موجود حالياً في القانون اللبناني في المادة 364 من قانون العقوبات التي تعاقب “كل موظف حصل على منفعة شخصية من إحدى معاملات الإدارة التي ينتمي إليها سواء فعل ذلك مباشرة أو على يد شخص مستعار أو باللجوء إلى صكوك ظاهرية” بعقوبة تصل إلى سنتَي حبس[2]. كما نجده في المادة 354 من قانون العقوبات المتعلّقة بصرف النفوذ والتي تعاقب “من أخذ أو التمس أجراً غير واجب أو قبل الوعد به سواء كان لنفسه أو لغيره بقصد إنالة آخرين أو السعي لإنالتهم وظيفة أو عملاً أو مقاولات أو مشاريع أو أرباحاً غيرها أو منحاً من الدولة أو إحدى الإدارات العامّة أو بقصد التأثير في مسلك السلطات بأية طريقة كانت” بالحبس من شهرين إلى سنتين وبغرامة أقلّها ضعفا قيمة ما أخذ أو قبل به. لكنّ هاتين المادّتين غير كافيتين للتّصدي لحالات تضارب المصالح بخاصّة في ظل التطبيق العملي لنظام الحصانات والسرية المصرفية واللتين غالباً ما تمنعان مباشرة الملاحقة الجزائية على أساسهما أو توفير الإثباتات الكافية للإدانة.

أمّا الشقّ الثاني، أيّ الشقّ الوقائي الرامي إلى تجنّب حالات تضارب المصالح قبل أن تترك آثارها السلبيّة على القرارات العامّة، فهو غير مطوّر في لبنان، أو على الأقّل غير شامل.

فهناك بعض القواعد التي من شأنها استبعاد تضارب المصالح، أهمّها إنشاء نظام عدم التوافق incompatibilité بين وظيفة عامّة وغيرها من الوظائف، كالقاعدة التي تكرّسها المادة 15 من نظام الموظفين التي تحظّر على الموظّف “أن يمارس أية مهنة تجارية أو صناعية أو أية مهنة أو حرفة مأجورة أخرى في ما عدا التدريس ضمن شروط تحدد بمرسوم”، أو “أن يكون عضواً في مجلس إدارة شركة مغفلة أو شركة توصية مساهمة أو أن تكون له مصلحة مادية مباشرة أو بواسطة الغير في مؤسسة خاضعة لرقابته أو لرقابة الإدارة التي ينتمي إليها، أو أن يجمع بين وظيفته والوظائف الانتخابية النيابية والبلدية والاختيارية كما هو مبيّن في القوانين الخاصّة بهذه الوظائف”. لكن هذا الحظر لا يطبّق إلّا على الموظّفين العموميين دون سائر القيّمين على خدمة عامّة. كما أنّ القانون لا ينصّ على عقوبة معيّنة في حال مخالفة هذا الحظر، إلّا عقوبة تأديبيّة يمكن أن تقتصر على اللوم.

كما تلحظ بعض القوانين المتعلّقة بوظائف معيّنة قواعد متعلّقة بحظر الجمع بين هذه الوظائف ووظائف أخرى. هذا هو الحال مثلاً بالنسبة إلى حاكم مصرف لبنان ونائبيه، حيث تنصّ المادة 20 من قانون النقد والتسليف على حظر الجمع بين “وظائفهم وأي عضويّة نيابيّة أو وظيفة عامّة أو أي نشاط في أيّة مؤسسة مهما كان نوعها أو أي عمل مهني سواء كان هذا العمل مأجوراً أو غير مأجور”. كما تنصّ المادة 23 من القانون على عدم إمكان الحاكم أو نائبيه “طوال مدّة سنتين من تاريخ انتهاء وظائفهم في المصرف المركزي، أن يدخلوا في مجلس إدارة أي مصرف أو أيّة مؤسسة ماليّة خاضعين لهذا القانون أو أيّة مؤسسة يشرف عليها المصرف أو المؤسسة الماليّة المشار إليها، ولا أن يشغلوا لديها أيّة وظيفة أو يساهموا فيها بشكل من الأشكال”، من دون أن يحدّد القانون الجهة المختصّة لمراقبة احترام هذا المنع.

من جهة أخرى، وخارج قانون الموظّفين، نجد أحكاماً متعلّقة بتضارب المصالح في قانون دعم الشفافيّة في قطاع البترول[3].

إذاً، وإن وُجد في لبنان وجه من أوجه الوقاية من تضارب المصالح، فإنّه يبقى غير كافٍ، بخاصّة في ظلّ غياب نظام تصريح شامل عن المصالح يطال جميع القيّمين على خدمة أو وظيفة عامة وجميع الأشخاص البارزين سياسيّاً politically exposed persons.

وكان من شأن وجود نظام كهذا أن يسمح بالتخفيف من حدّة الفساد المستشري خلال الأعوام الثلاثين الماضية ومن مساوئه التي بلغت أوجها مع الانهيار المالي والاقتصادي، أقلّه لجهة التخفيف من المزاوجة بين المصالح السياسيّة ومصالح المصارف.

محاولة لوضع نظام شامل لمكافحة تضارب المصالح: اقتراح قانون فضل الله-جابر

بناء على كل ما سبق، تكتسب دراسة اقتراح القانون المقدّم من النائبين حسن فضل الله وياسين جابر والرّامي إلى إنشاء نظام تضارب مصالح أهمية خاصّة. وسنعمد هنا إلى مقارنة النظام الذي يضعه مقترح القانون مع أنظمة مكافحة تضارب المصالح الموجودة في تونس[4] وفرنسا[5].

1- نطاق التصريح الشخصي والزمني عن حالة تضارب المصالح

يضع الاقتراح موجباً على “كلّ موظّف أنّ يقدّم تصريحاً إلى المرجع المختصّ عن كلّ نشاط أو عمل خاص مهما كان نوعه أو طبيعته يعود له أو لزوجه أو لأولاده القاصرين، من شأنه أن يشكّل تضارب مصالح”. وتعرّف المادة الثانية من الاقتراح تضارب المصالح كحالة “تعارض المهام الرسميّة مع المصالح الخاصّة، حين يكون للموظّف مصالح خاصّة من شأنها التأثير من دون وجه حقّ على قيامه بواجباته ومسؤولياته، أو أن يتيح له موقعه تغليب مصالح خاصّة له أو لعائلته أو لأشخاص توجد له مصلحة معهم على حساب المصلحة العامّة”. ويشكّل هذا التعريف واشتراط تغليب مصلحة خاصّة “على حساب المصلحة العامّة” تقييداً لمكافحة تضارب المصالح.

ويبتعد الاقتراح في تعريفه المعتمد بعض الشيء عن تعريفات تضارب المصالح المعتمدة في بلدان أخرى، فيعرّفها مثلاً القانون التونسي[6] بأنّها “الوضعية التي يكون فيها للشخص الخاضع لأحكام هذا القانون مصلحة شخصية مباشرة أو غير مباشرة يستخلصها لنفسه أو لغيره، تؤثر أو من شأنها أن تؤثر على أدائه الموضوعي والنزيه والمحايد لواجباته المهنية”. ويعتمد القانون الفرنسي تعريفاً مشابهاً، إذ يشير إلى موجب الموظف في اعتماد الحياديّة والموضوعيّة في تنفيذ موجباته، في تشابه مع موجبات القاضي كما ذكرنا أعلاه.

من حيث النطاق الشخصي، يعتمد الاقتراح لتعريف الأشخاص المشمولين في موجب التصريح عن المصالح، التعريف المُعتمد للـ”موظّف” في قانون حماية كاشفي الفساد رقم 83/2018 تاريخ 10/10/2018. فيعرّف القانون الأخير الموظّف بأنّه “أيّ شخص يشغل منصباً تشريعياً أو قضائياً أو تنفيذياً أو إدارياً أو عسكرياً أو أمنياً أو استشارياً سواء أكان معيّناً أم منتخباً، دائماً أم مؤقتاً، مدفوع الأجر أم غير مدفوع الأجر، وأي شخص يؤدّي وظيفة عامّة، بما في ذلك أيّ مركز من مراكز السلطات الدستورية أو في أية وظيفة أو خدمة عامّة أو عمل يؤدّى لصالح ملك عام أو منشأة عامة أو مرفق عام أو مؤسّسة عامّة أو مصلحة عامّة لصالح منشأة عامّة أو مرفق عام، سواءً تولّاها بصورةٍ قانونية أم واقعية”. يعتمد إذاً الاقتراح تعريفاً مطّاطاً وواسعاً للموظف، من شأنه أن يشمل جميع الموظفين والقيمّين على خدمة عامّة[7].

من حيث النطاق الزمني، وحسب ما جاء في الاقتراح، يجب أن يجري التصريح خلال مهلة الشهرين التي تعقب مباشرة العمل أو المهام. كما يتوجّب التصريح خلال مهلة شهرين بعد نفاذ القانون. ولا يلحظ الاقتراح، بعكس القانون التونسي، دوريّة التصاريح، إنّما يوجب تقديم تصريح جديد خلال مدّة شهرين في حال طرأ أيّ جديد، أي عند حصول تبدّل في الوضع الوظيفي، أو في حال تعديل المعلومات المتعلّقة بمصالحه الخاصّة أو مصالح زوجه أو أولاده القاصرين. ويعتمد إذاً الاقتراح في هذا المجال المقاربة الفرنسية التي تهدف إلى تجنّب القيام بإجراءات إداريّة غير ضروريّة.

ولا يوجب الاقتراح إجراء تصاريح في السنوات التي تعقب نهاية الخدمة، إنّما يشدّد على نظام عدم التوافق بين الخدمة العامّة والوظيفة الخاصّة. فهو يحظّر على الموظّف خلال ثلاث سنوات من تاريخ تركه الوظيفة أو الخدمة، العمل في مؤسّسة خاصّة أو شركة خضعت لرقابته أو لسلطته عندما كان في القطاع العام، أو أن يكون له مصالح في أيّ من هذه المؤسّسات أو الشركات. ويلحظ الاقتراح معاقبة الموظّف الذي يخالف هذا الحظر بغرامة ماليّة تساوي المنفعة التي جناها من عمله غير المشروع، على ألّا تقلّ عن عشرة ملايين ليرة، وتضاعف العقوبة عند التكرار. ومن شأن هذه الغرامة أن تزيد من فعاليّة الحظر.

2- غياب فعاليّة موجب التصريح عن المصالح

لا يلحظ اقتراح القانون قاعدة عامّة تشير إلى العواقب المترتّبة على الموظّف الذي يتمتّع بمصالح تتعارض مع وظيفته العامّة أو منصبه. فلا يوجب مثلاً أن يتخلّى الموظّف عن هذه المصالح أو عن إدارتها. وكان بإمكان الاقتراح أن ينظّم التوفيق بين متطلّبات الوظيفة العامّة التي تفترض التخلّي عن بعض المصالح، ووجود بعض المصالح التي قد لا يستطيع الموظّف التخلّي عنها، بخاصةّ بالنسبة إلى بعض الموظّفين الذين قد لا يشغلون منصبهم إلّا لفترة محدودة، كالوزراء مثلاً. ويلحظ القانون المقارن هكذا إمكانيّة، إذ يسمح القانون التونسي مثلاً لبعض الأشخاص المشمولين بموجب التصريح كأعضاء الحكومة ورئيسها، الحفاظ على أسهم في شركات أو شركات يمتلكونها شرط تكليف الغير بإدارتها، ولهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد أن تراقب هذه الإدارة المفوّضة[8]. ويلحظ القانون الفرنسي القاعدة نفسها[9].

من جهة أخرى، وفي حال امتناع الموظف عن تنفيذ هذا الموجب، ينصّ الاقتراح على قيام المرجع المختص بتوجيه تنبيه إليه، وأمام الموظّف مهلة 15 يوماً من تبلّغه التنبيه لإجراء هذا التصريح تحت طائلة اعتباره مستقيلاً[10]، من دون أنّ يفنّد الاقتراح آليّات الاستقالة، لا سيّما بالنسبة إلى القيّمين على خدمة عامّة من رئيس الجمهوريّة أو النوّاب المنتخبين.

كما لا يمنح الاقتراح المرجع المختصّ بجمع التصاريح قبل إحالتها إلى الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد (ديوان المحاسبة بالنسبة لمن يتولّى خدمة عامّة في إحدى السلطتين التنفيذيّة والتشريعيّة، ديوان المحاسبة أو التفتيش المركزي أو الرؤساء التسلسليون بالنسبة للموظفين وسائر الأسلاك العسكريّة والقائمين بخدمة عامّة، والتفتيش القضائي بالنسبة للقضاة) صلاحية التدقيق في مضمون هذه التصاريح، بل يكتفي المرجع بالتأكّد من تنفيذ كلّ الموظّفين شكلياً موجب تقديم التصريح.

وينسحب هذا الواقع على الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد المناطة بصلاحيّات التحقيق في حال وجود شكوى أو إخبار، والتي لا تقوم بالتدقيق في مضمون هذه التصاريح إلّا في حال تسجيل شكاوى أو إخبار ضدّ الشخص المعني[11]، على عكس هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد التونسيّة مثلاً التي من المفترض حسب المادة 15 من القانون التونسي أن تقوم بالتقصّي والتحقّق من صحّة التصاريح بالمصالح.

وينظّم الاقتراح اللبناني آلية تقديم الشكاوى إلى الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد حول وجود تضارب مصالح ما. وعند تسجيل الشكوى، يقوم مقرّر تعيّنه الهيئة بتحقيق يضع في إثره تقريراً يُبلَّغ إلى الموظّف الذي يبدي ملاحظاته بهذا الشأن، وفقا لمبدأ الوجاهيّة. وتتّخذ الهيئة على أساس ذلك قراراً: في حال ثبوت تضارب مصالح، تحيل قرارها إلى المرجع المختصّ مع التوصيات التي تراها ضروريّة. فللهيئة أن تطلب التوقّف أو التخلّي عن نشاط أو مصلحة خاصّة أو تصفية المصلحة الخاصّة، كما لها أن تطلب تنحية الموظّف عن إنجاز معاملة، أو فرض اتخاذ قرار على المرجع المختصّ بالحدّ من اطّلاع الموظّف على معلومات قد تفيد مصلحته الخاصّة، أو نقل الموظّف إلى وظيفة أخرى أو منصب آخر.

3- سريّة التصاريح وتقويض مقتضيات الشفافية

تشكّل الشفافيّة أهمّ وسائل مكافحة الفساد والوقاية منه. وقد دفع هذا الأمر فرنسا إلى اعتماد نظام علنيّة التصاريح المتعلّقة بمصالح القيمين على خدمة عامّة[12] ونشرها، وهذا أيضاً ما فعله المشرّع التونسي الذي فرض نشر التصاريح على موقع هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد التونسية.

وتشكّل التجربة الفرنسيّة مثالاً على صعيد التوفيق بين علنية التصريح وحقّ كلّ فرد في حرمة الحياة الشخصيّة المصانة في المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وهذا ما نستشفه من قرار المجلس الدستوري الفرنسي[13] لجهة قوله إنّ نظام التصاريح لا يمسّ بشكل غير مبرّر بالحقّ في حرمة الحياة الشخصيّة نظراً لما يحقّقه على صعيد تطهير القطاع العام، باستثناء بعض المعلومات غير الضروريّة لتحقيق هذا الهدف، كالنشاط المهني لزوج الموظّف أو شريكه.

وعلى عكس القانونين التونسي والفرنسي، يضع اقتراح فضل الله-جابر نظام تصاريح سريّاً، إذ يفرض على هيئة مكافحة الفساد التي تُحال إليها التصاريح الالتزام “بالحفاظ على سريّة المعلومات الواردة في(ها)”. وما يشدّد من هذا التوجّه، إشارة الاقتراح إلى قانون الإثراء غير المشروع، إذ يقترح “تقديم التصريح وفق النماذج المعتمدة في قانون الإثراء غير المشروع”، أي تقديم التصريح “ضمن غلاف سرّي مغلق”[14]. وتجدر الإشارة إلى أنّ تعديل قانون الإثراء غير المشروع الذي صدّق عليه البرلمان في أيلول 2020 لا يعالج هذه الثغرة حيث بقيت التصاريح سرّية.

4- حالة تضارب المصالح المتعلّقة بالشراء العام في اقتراح فضل الله-جابر

يشكّل الشراء العام أحد أهمّ مداخل الفساد، وأرضاً خصبة لتضارب المصالح في القطاع العام، مما يبرّر أهميّة وضع قواعد لتفادي هكذا وضعيّات ومعاقبتها تحديداً في هذا الإطار. ويلحظ اقتراح القانون المقدّم من النائبين حسن فضل الله وياسين جابر مادتين تتعلّقان بحالة تضارب المصالح في نطاق الشراء العام. وتكون عادة القواعد المتعلّقة بتضارب المصالح في الشراء العام منصوصاً عليها في القانون المتعلّق بالشراء العام، كما هي الحال مثلاً في القانون الفرنسي. لكن فضّل النائبان تضمين الاقتراح هاتين المادتين، ربما في انتظار إقرار قانون عصري حول الشراء العام يلحظ قواعد تتعلّق بهذا الموضوع.

ويقوم الاقتراح بوضع موجب على عاتق كلّ من يتقدّم بعرض، بأن يرفق عرضه بتعهّد بانتفاء حالة تضارب المصالح. ويلزم الاقتراح المسؤولين عن إجراء الشراء العمومي بإقصاء أيّ مرشّح يكون عرضه مشوباً بتضارب مصالح، وذلك بقرار معلّل. وفي حال مخالفة هذا الحظر وإبرام صفقة رغم وجود حالة تضارب مصالح، يضع الاقتراح سلسلة من العقوبات.

فأولاً، ينصّ الاقتراح على البطلان المطلق لكلّ الإجراءات حتّى بعد إبرامها. ومن شأن هذا الاقتراح إذاً إنشاء عيب جديد بالنسبة إلى صحّة الصفقات العامّة.

من جهة أخرى، على الإدارة إجراء صفقة جديدة على نفقة المخالف. كما ويعود للإدارة طرح مسؤوليّة المخالف وطلب التعويض عن الضرر الذي لحق بالقطاع العام.

هذا إلى جانب معاقبة الموظّف الذي كان على علم بالعيب مسلكياً وجزائياً، إذ يشير القانون إلى المادة 364 من قانون العقوبات التي أشرنا إليها أعلاه والتي تعاقب كلّ موظّف حصل على منفعة شخصيّة في إطار إحدى معاملات الإدارة. فيعمد الاقتراح إذاً إلى توسيع نطاق جريمة المادة 364، إذ يسمح بمعاقبة موظّف لم يحصل بالضرورة على منفعة شخصيّة من خلال إبرام صفقة مشوبة بعيب تضارب المصالح، بل فقط على أساس علمه بوجوب هذا العيب.

أبعد من ذلك، يشمل الاقتراح مقدّم العرض بالعقوبة نفسها التي تطبق على الموظّفين والمنصوص عنها في المادة 364 ضمن الفصل المتعلّق بالجرائم المخلّة بالوظيفة [العامّة] في قانون العقوبات.

 

نشر هذا المقال في العدد 68 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان. احتكارات المحاصصة الشاملة

 

  1. Pierre le Coz, Le conflit d’intérêt : nouvelle figure du péché originel ? Études, vol. avril, no. 4, 2016, pp. 51-60
  2. تطبّق هذه المادّة لمعاقبة الموظّفين، على سبيل المثال مراجعة قرار محكمة التمييز 61/2010 الصادر بتاريخ 03/03/2010
  3. قانون رقم 84 تاريخ 10/10/2018 الذي يمنع في مادته السادسة الاستثمار بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في الشركات صاحبة حقوق بتروليّة أو شركات مرتبطة بها أو الشركات المؤهلة لانتقال حق بترولي إليها والمقاولين، أو تولّي منصب مجلس إدارة أو مدير عام في إحدى هذه الشركات، على بعض الأشخاص أو الجهات المحدّدة بطريقة مفصّلة في المادّة، والذين يشكلون بصورة عامّة القيمين على خدمة عامّة، وذلك طيلة فترة تولّيهم منصبهم ولمدّة ثلاث سنوات بعد تركهم هذا المنصب. تجدر الإشارة إلى أنه جرى خلال مناقشة هذا القانون توسيع نطاق الأشخاص المعنيين ليشمل زوج وأصول وفروع أولئك الأشخاص حتى الدرجة الأولى، وأي شريك أو وكيل لأي من هؤلاء“. وقد نصّت المادة نفسها على واجب هؤلاء الأشخاص في حال تولّيهم منصباً أو استثماراً في شركة قبل تاريخ تأهيلها المسبق أو قبل تاريخ انتقال الحق البترولي إليها، بالتصريح عن الاستثمار أو عن تولّي المنصب إلى هيئة مكافحة الفساد – أو النيابة العامّة الماليّة إلى حين إنشاء الهيئة – فور تأهيل الشركة للمشاركة في دورة الترخيص. وعلى هؤلاء الاختيار بين متابعة الاستثمار أو البقاء في المنصب وإشغال وظيفة متعلّقة بالشأن العام. لكن يبقى هذا النظام غير فعّال في ظلّ غياب آلية تعاقب باعتبار الشخص مستقيلاً فورياً وحكمياً في حال لم يقم بالاختيار ضمن مهلة محدّدة، كما أنّ القانون لا يرتّب أي نتيجة في حال الاستثمار أو تولّي منصب إداري في الشركات خلال فترة الثلاث سنوات التي تعقب ترك المنصب العمومي.
  4. قانون رقم 46/2018 يتعلّق بالتصريح بالمكاسب والمصالح وبمكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح
  5. قانون 907/2013 المتعلّق بالشفافيّة في القطاع العام
  6. قانون رقم 46 الصادر بتاريخ 01/08/2018
  7. وهو التعريف المقصود كلمّا استخدمنا كلمة “موظّف” في المقالة
  8. المادة 18 من القانون التونسي.
  9. المادة 8 من القانون الفرنسي.
  10. المادة الرابعة من الاقتراح.
  11. المادة الخامسة من الاقتراح
  12. Article 5 de la loi n° 2013-907 du 11 2013 relative à la transparence de la vie publique
  13. Conseil constitutionnel n° 2013-676 DC du 9 octobre 2013
  14. مادة 4 من قانون الإثراء غير المشروع رقم 154/1999

 

انشر المقال



متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، البرلمان ، تشريعات وقوانين ، حقوق العمال والنقابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سلطات إدارية ، سياسات عامة ، عمل ونقابات ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مجلة ، مجلة لبنان ، ملكية خاصة ، نقابات



لتعليقاتكم