محامو الحراك (7): النقابة، تقنية التفاوض وتجنَب معارك الشأن العام

،
2016-04-19    |   

محامو الحراك (7): النقابة، تقنية التفاوض وتجنَب معارك الشأن العام

تراوحت آراء المحامين في مقابلات أُجريت خلال إعداد تقرير “المحامون المناصرون للقضايا الاجتماعية في لبنان، دراسة أولية لعالم مهني هامشي”، بين من اعتبر النقابة “حامية للحريات” ومن وجدها “متقاعسة عن أداء دورها”. محامو الحراك هم نظروا إيجاباً إلى دور النقابة وإن اعتبروه عموماً غير كافٍ. ف “دعم النقابة عبر التكليفات يبقى دعماً خجولاً”. ويبدو هؤلاء وكأنهم تخلَوا عن المقاربة التقليدية لدور النقابة، والتي تقتصر على وصفه بشكل عام أو مفترض، لمناقشة سلوك النقابة في واقعه، ونقده وطرح تمنياتهم. في هذا المجال، نركَز على فكرتين: الأولى، ترحيب المحامين بتعاون النقابة معهم في ما يخصَ التكليفات، والثاني، آراؤهم المتفاوتة حول دور النقابة في قضايا الشأن العام. وتجدر الإشارة إلى أن علاقة المحامين المناصرين بالنقابة تتضمَن إشكاليات أخرى تمَت مناقشتها في الفصول السابقة، وأهمَها ظهورهم في الإعلام وعلاقتهم بالقضاء.

أ‌.       التعاون النقابي والتكليفات

يُثني أغلبية المحامين على أهمية دور النقابة في إعطاء التكليفات للدفاع عن موقوفي الحراك، حيث أنَ ذلك سهّل عملهم من حيث توفير الوقت والمصاريف.

“النقابة ساعدتنا كتير بموضوع التوكيلات، وذلك مهم لأن التوكيل مكلف ويتطلَب وقت إذا كان الشخص موقوف “.

وكانت لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين قد ناقشت في إجتماعها الأول إشكالية العلاقة مع النقابة. فتمَ طرح أسئلة عن طبيعة هذه العلاقة، فتقرَر بالإجماع الإصرار على إستقلالية اللجنة على أن يتمَ إرسال كتاب للنقابة لإعلامها بإنشائها وطلب المساعدة من خلال التكليفات. تبعاً لهذا الكتاب وللتواصل مع النقيب، تمَ الإتصال برئيس لجنة المعونة القضائية الأستاذ جورج فيغاني، لإتخاذ قرار بموضوع التكليفات. فطلب أسماء الأشخاص المطلوب تكليف محامين للدفاع عنهم، وتمَ تسليم التكليفات في وقت قصير.

أشار بعض المحامين إلى أن إعطاء هذه التكليفات تطلَب تفاوضاً معيَناً مع النقابة، ليظهر أولاً أنها، أي التكليفات، لم تأت  نتيجة مبادرة نقابية أو شعور نقابي بضرورة التدخَل، بل في إطار جهد بذله المحامون الذين حازوا على التكليفات أخيراً.

“الدعم من النقابة جاء في المرحلة الأخيرة عندما تمَ إعطاء التكليفات وذلك بناء على زيارة أحد المحامين. لم أسمع أي ردة فعل للنقابة بالنسبة للمحامين قبل ذلك، لا سلبي ولا إيجابي”.

والحال أن إعطاء النقابة لهذه التكليفات لم يكن سهلاً، إذ كانت الأجواء النقابية قد تأثَرت إلى حد ما بالأفكار السلبية والشائعات التي انتشرت عن الحراك، كالمتلقي العادي، من دون أي تمحيص إضافي أو حساسية تجاهها تصبَ في مصلحة الحقَ في التظاهر.

“النقيب السابق جورج جريج لم يكن معجباً بما يحصل في الحراك، وكان لديه موقف ممن أطلق عليهم تسمية المندسين، فقد اعتبر أنهم يريدون أن يخربوا البلد. اضطررت الى طمأنته بالقول إنه إذاكان في مندسين فعلاً وإذا كان في ناس هدفن  انو يأذو الحراك او هدفن  الشغب نحنا ما مندافع عنهن نحنا مندافع عن حق كل شخص انو ينزل يتظاهر”.

وبالتالي، فإن المحامية قد لجأت مرة جديدة الى أسلوب التفاوض. ومردّ ذلك إلى  رأي النقابة السلبي في الحراك أو على الأقل في الأشخاص الموقوفين. كما أن المحامية، تبدو في المفاوضات وكأنها اضطرت الى التظاهر بالتنازل عن تمسَكها بمبدأ تأمين حق الدفاع للجميع، في إطار شروط ضمنية طرحتها النقابة، لجهة الإمتناع عن الدفاع عن مثيري الشغب. في هذا المجال تُضيف المحامية أنها إضطرت الى إعلانموقف رافض من “”اعمال الشغب”، على الرغم من أنها تجد أن “البلد في حالة مزرية” تبرَرها.

من جهة ثانية، فإن مسألة التكليفات من خلال لجنة المعونة القضائية، وتخطي المسائل الإجرائية المتعلقة بحصول طالب المعونة على إثبات فقر حال، يُحيل الى ما توصَلت اليه الدراسة سابقة الذكر. وتشير الدراسة الى الشروط القانونية للحصول على المعونة القضائية، والتي تجعلها محصورة بجرائم معيَنة، بالنسبة للمعونة في القضايا الجزائية، بالإضافة الى شرط التحقَق من الملاءمة المالية لطالب المعونة. والحال أن هذه الشروط لم تُطبَق بالنسبة للناشطين في الحراك، الأمر الذي يمكن الاستناد اليه للتساؤل عن إمكانية نشوء بُعد جديد للمعونة القضائية، يصبَ مباشرة في الدفاع عن قضايا الحريات العامة والحق بالتظاهر إثر الحراك.  فهل يشكَل تجاوب اللجنة مع طلب المحامين خطوة إضافية نحو تعزيز الثقة بمؤسسة المعونة القضائية في نقابة المحامين، وإعطائها دوراً أوسع من الذي كانت تقوم به؟

ب‌.  النقابة ومعارك الشأن العام: التفاوض سيد الموقف

قد يصحَ القول بوجود توجَه إيجابي لدى النقابة بإعطاء التكليفات للمحامين، لا سيما بعد المبادرة الفردية للنقابة بتكليف محامين للدفاع عن الناشطين الذين تمَ اعتقالهم خلال شهر كانون الثاني الفائت في وزارة البيئة وكان من بينهم المحامي واصف حركة. يجد حركة أن تحرَك النقابة هذا، أدَى الى “تعزيز فكرة أن دور النقابة ليس فقط العمل لأجل المحامين بل أيضاً أن تكون لجميع الناس، من بينهم على وجه الخصوص أصحاب الرأي”.
ولا يُخفي حركة أن توقيفه مع باقي الناشطين، كان نقطة إيجابية لناحية التدخَل السريع للنقابة، وهذا تحديداً ما أراد أن يوضحه بالنسبة لدور النقابة يجب أن يكون لمصلحة “جميع الناس”. وفي إطار متصل، كان قد “سارع النقيب لإجراء اتصالات للتأكَد من احترام الأصول المتَبعة في توقيف محام، كما ضغطت النقابة للإسراع بتركي”.

إلا أن هذه التدخلات التي نفَذتها النقابة بهدوء تامَ، تصبَ في النهاية في تفضيلها لدورها كمفاوض، على دورها كجهة مناصرة. هذا مع العلم أن النقابة مثلاً لم تتوانَ عن الإضراب لساعة من الوقت، بالإضافة الى ظهور النقيب في مؤتمر صحفي، على خلفية استدعاء أحد المحامين للاستماع الى أقواله بخصوص  إشكال وتضارب وقع بينه وبين أحد الأفراد على خلفية حادث سير، وذلك خلال فترة وجيزة على توقيف حركة في 14 كانون الثاني 2016، خلال تحرَك لمجموعة “بدنا نحاسب” من داخل وزارة البيئة[1]. وهنا يبدو موقف النقابة متناقضاً، لا سيما أنه قد تمَ الاستماع الى حركة من قبل رجال الضابطة العدلية والزامه بالتوقيع على سند اقامة.

التزام النقابة بدور المفاوض، من دون أن تنجح في إلزام الضابطة العدلية باحترام الأصول الشكلية في حالة حركة، يجد مثيله في الحراك من خلال تبني بعض المحامين المناصرين للأسلوب التفاوضي في العمل من خلال الإعتماد على المعارف الشخصية داخل الدوائر، بالأخصَ لناحية العلاقة مع القوى الأمنية، التي سبق وتطرَقنا إليها.

لكن القول إن بعض المحامين انتهجوا نهج النقابة في استخدام أسلوب المفاوضات، لا يحتمل بأي شكل المساواة في الموقع بين المحامين كأفراد وبين النقابة كمؤسسة. وتُحيل هذه المفارقة الى السؤال، هل كان المحامون ليضطروا الى المفاوضة لو تبنَت النقابة موقفاً حقوقياً أقوى وأشد حزماً؟ كذلك الأمر، هل كان حركة ليمثل أمام الضابطة العدلية ويضطَر لقبول المخالفات لو لجأت النقابة إلى مناصرته علناً بدل التفاوض على حقوقه؟ هل التفاوض خيار بالنسبة للمحامين، أم شرّ لا بدّ منه في ظل واقع تعامل المحامين مع مناصرة القضايا الاجتماعية؟

يُعبَر بعض المحامين عن رفضهم لأسلوب المفاوضات، وعن إنزعاجهم من الإضطرار لاستخدامه للتمكَن من حماية الموقوفين وتأمين حقوقهم بالقدر الممكن. والقدر الممكن هو القدر الذي يستطيع أن يصل اليه المحامي كفرد. بالتالي الإنتقاد هنا موجَه من هؤلاء المحامين الى الحدود التي التزمتها النقابة. وقد عبَر محامون عن تمنيهم أن يروا النقابة تعلن موقفاً ثابتاً حول عدم قانونية الممارسات بالأخصَ تلك التي مسَت المحامين.
“الحاجة الأساسية والبديهية كانت تمتَع المحامي بالقدرة على الوصول إلى المخافر، وليس اضطراره للاتصال بمعارف في قوى الامن الداخلي ليتمكن من الوصول الى أماكن تواجد الموقوفين والاطمئنان على وضعهم الصحي فقط، من دون تمكَنه من لعب دوره الحقيقي والقانوني”.

من هنا يجد العديد من المحامين أن النقابة تركَز على احتياجات المحامين لناحية التقاعد والضمان. ولكنها تبقى بعيدة عن المطلب الأساسي للعديد من المحامين المناصرين لقضايا الشأن العام.

“تكريس دور المحامي للدفاع عن حقوق موكليه، وتحسين ظروف وصول المحامي الى الإدارات، وحقه بحضور التحقيق مع الموكل لحمايته من أي امكانية للتعرَض للتعذيب“.

مقابل هذه التوجَهات، نجد قلَة من المحامين الذين لا يعتبرون أنه يجب أن يكون للنقابة أي دور في الشأن العام، ويعتبرون أن دورها محصور نتيجة الواقع السياسي والإجتماعي.

“تحت سقف الواقع القانوني والاجتماعي والسياسي، ولا يُنتظر من النقابة أن تقوم بثورة، ذلك أن الثورة لا تنشأ في إطار تنظيمي، فالنقابة لا تحتمل ثورة في صفوفها، فدورها محدَد ومعيَن وهو الدفاع عن شؤون المحامين، والقانون أولاها ما عليها أن تفعله. فإذا تخلَت النقابة عن هذا الدور لا تعود نقابة”.

يتبين إذاً أن المحامين المتطوعين يُجمعون على تقييم دور النقابة في إعطاء التكليفات إيجاباً. بالمقابل، تراهم ينقسمون بين غالبية ترى أن دورها لم يكن كافياً وأن على النقابة تطوير مواقف أكثر حسماً على صعيد مناصرة قضايا الشأن العام وتأمين الظروف المناسبة للمحامين المناصرين، وأقلية ترى أنه ليس بإمكان النقابة بهيكلها ومصدر وجودها أن تقوم بالمزيد.


[1] حسين مهدي،  قمع في وزارة البيئة، جريدة الأخبار، 15 كانون الثاني 2016، العدد ٢٧٨٨.
انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية