محامو الحراك (4): العلاقة مع القوى الأمنية

،
2016-04-14    |   

محامو الحراك (4): العلاقة مع القوى الأمنية

شكلت الأجهزة الأمنية والعسكرية أدوات القمع المباشر بوجه المتظاهرين خلال الحراك المدني. وبرزت علاقات متنافرة بينها وبين الناشطين على خلفية حملات الإعتقال التي تمّت بشكل واسع. وقد عبّر المحامون في أكثر من مرة أن حملات الإعتقال والعنف ضد المتظاهرين شكلت بالنسبة إليهم الدافع الأول للانخراط في الحراك. وقد أدّى هذا الإنخراط إلى نشوء علاقة غير اعتيادية بينهم وبين القوى الأمنية. فكانت في الوقت نفسه: “علاقة حب وعلاقة كراهية”.

يرسم المحامون هذه العلاقة في المقابلات ضمن خطوط عريضة، أهمها تأثير تبدلات المواقف السياسية إزاء الحراك على سلوك القوى الأمنية، المفاهيم التي تتبناها قوى الأمن والتي تعكس “هوة بين الواقع والقانون”، والإختلاف غير المبرر بين مخفر وآخر. يضاف الى هذه العناوين موقفان يخصان كلا من المحامي واصف حركة الذي تم توقيفه مع ناشطين آخرين في وزارة البيئة، وشريف سليمان الوكيل الشخصي عن وارف سليمان.

أ‌.        التبدل في العلاقة خلال مراحل الحراك

لاحظ المحامون بشكل عام خلال المرحلة الأولى من الحراك تساهلاً في التعامل معهم. فقد أبدت الأجهزة الأمنية تعاوناً تمثل في تسليم أسماء الموقوفين للمحامين وتسهيل أمور التواصل معهم. ويخرج عن هذا التعاون فرع المعلومات ومخابرات الجيش، حيث اختارت هذه الجهات منذ البداية إخفاء أسماء الموقوفين لديها. وكان للعلاقات الشخصية بين المحامين وأشخاص داخل السلك الأمني أثرٌ هامّ على تسهيل التعامل، حيث تمكن بعض المحامين من الدخول الى المخافر بفضل هذه العلاقات.

“علاقة جيدة مع كل آمري الفصائل، فهم فتحولنا بوابهم، ونحن كمحامين كان لدينا علاقات خاصة استفدنا منها”.

فيما بعد، أي في المراحل الأخيرة للحراك تغير أسلوب تعامل القوى الأمنية مع المحامين، بشكل خاص بعد توقيفات 8 تشرين الأول. فلم يتمكنوا في هذه المرحلة من معرفة أسماء الموقوفين وأماكن تواجدهم وأسباب التوقيف. يسجل هنا أن حتى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية صقر صقر رفض اعطاء الأسماء للمحامين. يرى أحد المحامين أن التعامل معهم خلال هذه الفترة أظهر وكأنه هناك “علامة حمرا علينا”، حيث بات يتم منع المحامين المتطوعين من الدخول الى المخافر. بالمقابل “”المحامي العادي” أي الذي له وكالة شخصية عن أحد المتظاهرين، “كان يدخل بشكل طبيعي الى المخافر ويلتقي بموكله”. ويلتقي هذا التقييم مع تأكيد الوكيل الشخصي لأحد الناشطين بأن العلاقة مع العناصر الأمنية كانت “جيدة جداً” طيلة فترة الحراك. يرد المحامون أسباب التبدل في هذه العلاقة لأكثر من سبب واحد. وفي حين أن أغلبيتهم يعتبرون خلفية التبدلات سياسية، يرد أحدهم هذه التبدلات إلى تأثير الإعلام وضغط العمل الذي يرزح تحته عناصر القوى الأمنية.

“بتعمد الأجهزة إخفاء معلومات، نكون أمام ترهيب وتهويل على الأشخاص وأعتقد أن الخطوات التي كانوا يقومون بها كانت لهذا الهدف، بالأخص لجهة الموقوفين لدى مخابرات الجيش وفرع المعلومات، فهاتان الجهتان امتنعتا منذ البداية عن إعطاء أي معلومات”.

في السياق عينه هناك توجه لتفهم سلوكيات القوى الأمنية من منطلق أن “العسكر ينفذ أوامر”. فلا فضل لهم في حال كانت العلاقة جيدة ولا تبرّم منهم في حال لم تكن كذلك، فهم ينفذون “الأوامر”. فهذه العلاقة ليست إلا واجهة للعلاقة بين القوى السياسية صاحبة “الأمر” والمحامين كجهة حامية للحراك. والحال أن هذا الرأي يتناول القوى الأمنية كأنها فئة ضعيفة مغلوبة على أمرها، وليس كفئة فاعلة. ويميز هنا بعض المحامين بين العناصر الأمنية التابعة لمؤسسات الدولة والعناصر الأمنية الموضوعة في خدمة بعض الزعماء.

“قوت عيش العسكريين وعناصر الأمن وعائلاتهم مرتبط بإلإلتزام بأوامر مرؤوسيهم ولكن هذه القاعدة لا تنطبق على العناصر المدافعين عن زعيم طائفي، بل فقط على أولائك المقتنعين بالدولة ومارسوا الأوامر التي تلقوها”.

” أحداً لم يكن ضد المطالب ولكن عنصر قوى الأمن كان ينزل 16 ساعة على الأرض”.

من جهة أخرى، يربط أحد المحامين التبدل في العلاقة مع القوى الأمنية بالتغطية الإعلامية لا سيما بعد توقيفات 22 آب والتركيز الإعلامي على مسألة فحوصات البول التي أجريت للموقوفين.

“الإعلام زرك القوى الأمنيةبعد توقيفات 22 آب والجدل الذي دار بعد إجراء فحوصات البول، وتغير بعد ذلك تعاملهم معنا 180 درجة. برأي القوى الأمنية ظلموا (…) قبل ذلك كان التعاطي ايجابياً، وكنا نستطيع الدخول الى المخافر، وهناك مراحل أصبح التعاطي فيها مع الموقوفين لين ولم يكن هناك ضرب”.

بشكل عام ينطلق المحامون في قراءاتهم من واقع الأجهزة الأمنية وليس من دورها القانوني. فأن تقوم الأجهزة الأمنية بتسليمهم أسماء الموقوفين والتعامل بـ”ليونة” مع هؤلاء في الفترة الأولى، هو الحد الأدنى القانوني الذي يفترض بها القيام به، بحيث يصبح مجرد الإلتزام ببعض أحكام القانون ولو في موازاة ارتكاب عدد من المخالفات كفحص البول موضع تقدير. أياً يكن، تناول العديد من المحامين عند الإستماع إليهم ضرورات ظرفية تتعلق بالسعي لإخراج الموقوفين بأسرع وقت وتأمين حق الدفاع لهم، وهي ضرورات فرضت إنتاج علاقة ذات طبيعة تفاوضية بين قوى الأمن والمحامين.

ب‌.  الهوة بين القانون والواقع

لا تجد إحدى المحاميات العلاقة مع القوى الأمنية إيجابية في أي من نواحيها، كما تعكس شهادتها لجوء القوى الأمنية الى الضغط على المحامين من خلال الموقوفين.

“في البداية كانت علاقة حذر وتسكير كامل ما بدن يخلونا نعمل شي. هناك إنطباع أول تجاه المحامين هو إستغراب وجودهم للدفاع عن المتظاهرين (الزعران). ويكون على المحامي أن يبدأ هنا بالتبرير للقوى الأمنية انو في شي إسمو حق الدفاع وما في شي اسمو زعران ومش زعران هيدا حكي ما بينقال”.

بهذا المعنى، لم تجد المحامية أن العلاقة مع القوى الأمنية كانت إيجابية في أي من المراحل، بل هي علاقة مفاوضة متقلبة وفقاً لمجموعة من المؤثرات.

“دوامة المفاوضات، وذلك بهدف كسب الأمور الموجودة في القانون، كأن نلفت الى عدم قانونية معاملة الأشخاص بعنف، وبدأنا نصل الى نتائج في هذا الإطار. وكان موقف القوى الأمنية الإيجابي يبقى مرتبطاً بأسلوب المحامين بالتواصل معهم، وبناءً عليه باتوا يسمحون لنا برؤية الموقوفين والإتصال بهم، بالمختصر في تعاون ولكن بنفس الوقت في حدية، يعني ضربة سخنة ضربة باردة”.

وقد درات هذه المفاوضات وفقاً لإستراتيجيتين متناقضتين: الأولى، إستخدمها المحامون لإستمالة عناصر قوى الأمن للتمكن من الوصول الى الموقوفين وحمايتهم، وأخرى إستخدمتها القوى الأمنية وترتكز على معرفتها بقدرتها على التحكم بوصول المحامين الى الموقوفين، وبالتالي إستخدام هذه البطاقة للضغط عليهم. وعلى الرغم من تبلور هذه الإستراتيجيات، فإن التبدلات التي وقعت على سير هذه العلاقة تبقى مرتبطةً بوجود عامل خارجي عنها خاضع للسلطة التسلسلية والواقع السياسي.

” عنصر قوى الأمن يتلقى ارشادات معينة من قبل القضاء ومن قبل وزارة الداخلية في اطار التسلسلية الموجودة عندو”.

ت‌.               إختلاف بين مخفر وآخر

يتضح من المقابلات مع المحامين أنّ الإختلاف ليس فقط بين العناصر الذين لا يتساوون من حيث درجة تعاملهم مع المحامين، إنما هو يتم بالدرجة الأولى على صعيد المخافر. وإتفق أكثر من محامٍ على اعتبار مخفر البرج الأسوأ على هذا الصعيد.

“مخفر البرج كانت المعاملة فيه غير مقبولة. ممكن إتفهم أن يعمد عنصر في قوى الأمن الى منع محام من حضور التحقيقات الأولية نسبة للمتعارف عليه لهذه الناحية رغم عدم قانونيته”. لكن ما هو غير مقبول، هو أن يمنعني دركي من الدخول الى مبنى المخفر كله، وأبقى واقفة عند الباب الخارجي، يعني في مشكلة”. بالإضافة الى إستخدامهم لأسلوب كلام على طريقة مينك انت وفرجيني بطاقتك… وبعد كل هذا يمنعوننا من الدخول ولا يخبرونا اذا كان موكلونا موجودين في المخفر أم لا”.

في سياق مواز، يميز أحد المحامين بين عدة حالات تراوحت طبيعة العلاقة مع القوى الأمنية فيما بينها. فكانت العلاقة جيدة بالنسبة له مع النقيب (ن) والعقيد (ع) المتواجدين أمام المحكمة العسكرية، لتعاونهم مع المعتصمين أمام المحكمة إثر توقيفات 8 تشرين الثاني. كذلك الأمر بالنسبة لفصيلة الرملة البيضا، والتي اعتبرها من الفصائل المتعاونة:

“حيث كان يتم تسهيل الأمور بطلب من آمر الفصيلة، على عكس البرج كلياً”.

ومن بين الشهادات، نسجل شهادة المحامي شريف سليمان الذي تربطه علاقة قرابة بالناشط وارف سليمان، كما أنه وكيله الشخصي. وقد واجه نوعا من المناورات من قبل القوى الأمنية في مخفر البرج خلال المراحل الأخيرة من الحراك، في محاولات لإخفاء مكان وجود موكله. والتفاصيل تتعلق هذه المرة بالتوقيفات التي حصلت خلال فترة الإضراب عن الطعام أمام وزارة البيئة. يروي سليمان الأحداث على الشكل التالي:

“آخر أيام الإضراب عن الطعام. رحت حامل بطاقتي وإقتربت من الشريط الشائك قرب النهار عرفت عن نفسي وطلبت وصل لوارف المصل والأدوية. خبرني نقيب أو ملازم أول مني أكيد، إنو تم نقل وارف الى فصيلة البرج. توجهت لهونيك أيضاً عرفت عن حالي، أجابوا ان وارف ليس في الفصيلة لديهم، وأنه ممكن أن يكون بثكنة الحلو. بثكنة الحلو قالو انو يمكن يكون تم نقله الى المستشفى الحكومي القديم، ما كان موجود. رجعت على ساحة الشهدا حد مبنى النهار، نص مواطن نص محامي، كان عندي اندفاع الثورة، عيطت للعميد أيوبي: قلتلو هيدا اسمو خطف منو توقيف قانوني. وهنا، للسخرية، يقول العميد أيوبي: بكونو تأخرو لوصلوا على البرج، بالتالي علي العودة الى البرج.”

إذاً، لم تساعد صفة سليمان كمحام لتفادي مناورات القوى الأمنية، حتى في الحالة التي كان فيها الموقوف مضرباً عن الطعام ومن المفترض تزويده بالـ”مصل” والدواء. كذلك الأمر، لم يقف عناصر البرج عند صفته لاحقاً، فمنعوه من الدخول إلى مبنى الفصيلة بعد أن أقروا بوجود وارف لديهم. بالمقابل، لم تكن صلة القرابة مفيدة، فيظهر هنا تعامل القوى الأمنية مع المحامي، والأقارب وباقي الناشطين هو نفسه.
“هناك قالولي ما فيك تفوت مع اني أكدت اني بدي إحكي معو وبدي انو يحكي مع امو، رجع منعني، صرخت وأصر يمنعني ادخل. شرحتله انو بالقانون لازم فوت جاوبني انو في اوامر وانو وارف من الأساس موجود بالبرج بس في اوامر انو ما يقول. أجرينا اتصالات وبالضغط السياسي حتى دخلت، وكان القصة على مبدأ خلو يفوت لأن هيدا المحامي شكلو بدو يعملنا وجعة راس”

ث‌.               توقيف واصف حركة

يروي المحامي واصف حركة أيضاً تجربة فريدة بين المحامي والقوى الأمنية، حيث إعتبرت القوى الأمنية المحامي في وقت تواجده مع المعتصمين في وزارة البيئة ناشطاً من دون أي إمتيازات إضافية، مجريةً فصلاً مطلقاً بين دوره كمحامٍ ودوره كناشط. وعلى الرغم من ذلك، كانت معاملته تتسم بالليونة والإحترام، خلافاً لما تعرّض له ناشطون آخرون من ضرب بسبب دخولهم إلى الوزارة. يروي حركة هذه التفاصيل:

“المسؤولون الأمنيون طلبوا ، لأني محامي، انو فل.  وأبلغوني اذا ما فليت في قرار بتوقيفي. قلت انا محام ما فيك توقفني وبدك تحكي مع النقيب. رجال الأمن تعاملو معي بخصوصية لأن بيعرفوني. على الرغم من ذلك حصل العديد من المخالفات: تم تكبيلي، تم التحقيق معي من قبل شخص في الضابطة العدلية. وهذا الأمر غير مسموح يفترض التحقيق معي من قبل النائب العام او من يمثله، طلبولي النشرة وهذا لا يحصل عادةً مع محام. أصر مدعي عام التمييز أني أمضي على سند اقامة أيضاً. حققوا معي أول واحد وصدر قرار تركي مباشرة”.

يتبين إذا مما ورد في هذا الفصل أن النظرة حول العلاقة مع القوى الأمنية تختلف بين محامٍ وآخر. ففيما يعبّر بعضهم عن إيجابية في التعاطي معهم، يرى البعض الآخر الأمور بشكل سلبي. إلا أنه، مما لا شك فيه، أربك وجود المحامين القوى الأمنية في مكان ما وأجبرها على أخذهم في عين الإعتبار.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، محاكمة عادلة وتعذيب ، لبنان



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية