محامو الحراك يعرون قمع السلطة: الحراك بريئاً بحكم عسكري


2017-04-26    |   

محامو الحراك يعرون قمع السلطة: الحراك بريئاً بحكم عسكري

بتاريخ  24/4/2017 أصدرت المحكمة العسكرية الدائمة في بيروت، برئاسة العميد الركن حسين عبدالله، حكمها ببراءة أربعة من أصل خمسة متظاهرين، فيما أدانت الخامس الذي اعترف برمي الحجارة على القوى الأمنية وأحالته إلى قاضي الأحداث لتحديد العقوبة. وكانت انعقدت الجلسة الخامسة في هذه القضية، صباح الإثنين لمحاكمة المتظاهرين بعدما حصرت المحكمة اختصاصها في محاكمة خمسة منهم فقط بتهمة معاملة قوى الأمن بالشدة، وهم: بيار الحشاش، وارف سليمان، حسين إبراهيم، فايز ياسين ورامي محفوظ. وقد خصصت الجلسة لاستجواب المتظاهرين الخمسة، تلتها مرافعات لثلاثة من وكلاء الدفاع، وصدر الحكم في الساعة العاشرة ليلا.

وترتبط أحداث هذه القضية بمظاهرة 8 تشرين الأوّل 2015 المعروفة بمظاهرة “لو غراي” بعدما أحال قاضي التحقيق العسكري الأوّل 15 متظاهراً ومتظاهرة للمحاكمة أمام المحكمة العسكرية. وكانت المحكمة العسكرية الدائمة في بيروت قد استجابت بتاريخ 20/3/2017 لطلب وكلاء الدفاع عن المتظاهرين وأعلنت عدم صلاحيتها لمحاكمتهم جميعاً بتهمتي الشغب وتخريب الأملاك الخاصة، فيما تابعت  محاكمة خمسة منهم فقط بتهمة معاملة قوى الامن بالشدة.

إستجواب المتظاهرين

عند الساعة العاشرة من صباح الإثنين حضر أربعة من المدعى عليهم برفقة وكلائهم، بإستثناء المدعى عليه فايز ياسين الذي تأخر بعد ان أصبح عنصراً في الجيش اللبناني وكان بحاجة الي إذن ليترك خدمته في البقاع الغربي ليصل الى المحكمة. وعلى هذا الأساس، بدأت الجلسة قرابة الساعة الواحدة والنصف من بعد الظهر، وتخللها جوّ من الهدوء والإيجابية. وبالإضافة إلى المدعى عليهم الخمسة، حضر المحامون شريف سليمان وفاروق المغربي وغيدة فرنجية وعلي الحاج وباسم العم، ولم يحضر المحامي رامي عليّق عن المدعى عليهما فاير ياسين ورامي محفوظ بداعي السفر، فكلفت المحكمة محاميا عسكريا مهمة تمثيلهما. كما حضرت مندوبة الأحداث السيدة نسرين فرحات عن القاصر رامي محفوظ.

وقد عقدت الجلسة برئاسة العميد الركن حسين عبدالله، الذي بدأ بإستجواب المدعى عليهم الواحد تلو الآخر. وقد ترافق مع استجواب المدعى عليهم عرض على الLCD تظهر المدعى عليهم خلال المظاهرة في أماكن عدة. وإذ أظهرت الصور محاولة بعضهم لإزالة الشريط الشائك، فإن أيا منها لم يظهر إعتداء على عناصر قوى الأمن. وقد  طلب من المتظاهرين التعليق عليها. ويسجل عدم عرض الصور المتعلقة برامي محفوظ الذي كان قاصراً بتاريخ المظاهرة، في خطوة من المحكمة لحماية خصوصيته.

وقد بدأ الرئيس عبدالله استجواب المتظاهر رامي محفوظ فسأله إن كان يعترف بقيامه برشق القوى الأمنية بالحجارة خلال المظاهرة منوهاً بأنه كان بإمكانه أن يقتل أحدهم. فأجاب رامي، بأنه رمى الحجارة لأن “عناصر القوى الأمنية كانوا يرمون القنابل المسيلة للدموع وقد أصابت واحدة منها صديقي الأمر الذي أشعرني بالغضب. كانت طريقة (ولدنة)”.

ثم انتقل الرئيس عبدالله إلى بيار الحشاش سائلاً إياه إن كان يؤكد حصول تدافع بينه وبين القوى الأمنية وعملية نزع للشريط الشائك. فأجاب الحشاش قائلاً: “لا لم أتعرض للقوى الأمنية وإنما نزعت الشريط الشائك”. كما نفى قيامه برمي الحجارة، وتابع: “سبق أن شاركت في مظاهرة 14 آذار وكان هناك سيناريو مماثل، فقمنا بإزالة الأسلاك الشائكة والسياج ففتحت الطريق نحو ساحة الشهداء. فقلت أنه ربما السيناريو نفسه وإن زحت السياج بالإمكان أن ندخل إلى ساحة النجمة”.

بعدئذ، سأل الرئيس عبدالله المدعى عليه فايز ياسين الذي التحق بالسلك العسكري منذ عام وثلاثة أشهر العسكرية: “لماذا نزلت إلى الشارع؟”، فأجاب: “مثلي مثل كل الناس من أجل حقوقنا المدنية والضمانات الإجتماعية لأهلي”. وإذ سأله الرئيس عبدالله: “عن أي حقوق تتكلم؟”، أجاب: “العمل والضمان لأهلي”. وأضاف الرئيس: “وهل صرت تعمل الآن؟” أجاب: “نعم وأفتخر بهذا الشيء.” فتابع الرئيس عبدالله قائلاً: “أنت تنفي إخلالك بالأمن؟” فرد ياسين: “عندما أعطيت القوى الأمنية الأمر بأن يهجموا على الناس هربت فعلقت بالأسلاك الحديدية”.

وسأل الرئيس عبدالله المتظاهر حسين إبراهيم عما كان يفعله في الصورة فأجاب: “أشارك مع الشباب في المظاهرة. كان يجب أن نصل الى البرلمان بطريقة سلمية”. فعلّق الرئيس عبدالله: “كنتم تحاولون إزالة الشريط ولا بد أن يحصل صدام مع القوى الأمنية. والعسكري يكون بصدد تنفيذ القوانين”. فرد إبراهيم:”مش كل شي كان مدروسا بوقتها. كما أنه جرى توقيفنا قبل حصول أي اشكال”. كلام إبراهيم أكده وارف سليمان قائلاً: “كل الموجودين اليوم تم توقيفهم قبل حصول الإشكال. نحن أشخاص سلميّون ولم نفكر مطلقاً بأن يحصل اي اشتباك، جل ما أردناه أن نوصل صوتنا بطريقة سلمية وحضارية”.

مرافعات المحامين

بدأ المحامي الشريف سليمان، وكيل وارف سليمان مرافعته بنفحة وجدانية: “وإن كنا نقف أمام قوس محكمتكم الموقرة كمحامين، إلا أننا كنا وسنبقى ناشطين في هذا الحراك المدني، الذي تحرك ضد أزمة النفايات خصوصاً والفساد عموماً”. مؤكداً أن “المسألة ليست قضية مدعى عليه بالذات أو بعض المدعى عليهم، بل هي قضية الوطن أجمع”، مشدداً على أن “لبناننا” مختلف عن “لبنانهم”. ثم توجه الى المحكمة مخاطباً إياها بالقول: “ماهي الرسالة التي تريدون أن ترسلوها للشعب اللبناني في حكمكم المنتظر في نهاية جلسات اليوم؟ هل سيقول قضاؤنا لنا، نحن شباب هذا الوطن ومستقبله، إقبعوا في منازلكم خانعين خاضعين بوجه الفساد ولا ترفعوا رؤوسكم فلا أمل بالتغيير؟” ولفت إلى أن “مظاهرة 8 تشرين الأول بدأت برمي القوى الأمنية بالورود وطلبنا منهم أن يفسحوا لنا مجالاً للتقدم إلى مسافة قريبة من ساحة النجمة حيث يجتمع المجتمعون، لأننا نريد إزعاجهم بصوتنا”. وفيما خص وضع موكله وارف سليمان، شدد على أن الفيديوهات التي سجلتها التلفزيونات التي كانت تنقل المظاهرة تظهر كيف إندفع عناصر الأمن من خلف العوائق واعتقلوا وارف سليمان الذي لم يحرك ساكناً تجاه إعتقاله إنما رفع يده أمام وجهه لحمايته. وطلب بالنتيجة إبطال التعقبات بحقه، بعدما ثبت بأن موكله لم يقم بمعاملة القوى الأمنية بالشدة بل ان العكس هو ما حصل.

ومن ثم ترافعت المحامية غيدة فرنجية عن وكيلها حسين إبراهيم، ورحبت بداية بقرار عدم الإختصاص الصادر عن المحكمة في الجلسة السابقة، وتمنت وقف محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري بعد تعديل القانون في المستقبل. وفي ما يتعلّق بموكلها طلبت إعلان براءته لعدم توفر أي دليل على إقدامه على معاملة عناصر الأمن بالشدة كما يظهر من الصور المعروضة ومن أقواله، “فلم يتبيّن وجود أي احتكاك بينه وبين القوى الأمنية لكي نناقش إذا تضمن تعنيفاً أو شدة”. كما أكدت على وجود أدلة تثبت براءته منها أنه تم توقيفه في أولى ساعات المظاهرة اي قبل تمكن المتظاهرين من إزالة السياج الفاصل بينهم وبين القوى الأمنية، وتالياً “فقد كان موقوفاً عندما حصلت أعمال الشدة ضد عناصر القوى الأمنية”. وقد استندت في ذلك الى محاضر التحقيق التي تثبت أنه أوقف قبل الساعة الثامنة ليلاً فيما أفاد عناصر قوى الأمن انهم تعرضوا للشدة بعد الساعة التاسعة ليلاً. وتابعت فرنيجة أن أفعال إبراهيم خلال المظاهرة “جاءت في إطار ممارسته لحقوقه الأساسية المكفولة بالدستور والاتفاقيات الدولية”، مما يؤدي إلى زوال الصفة الجرمية عنها سنداً للمادة 183 من قانون العقوبات والتي تنص على أنه “لا يعد جريمة الفعل المرتكب في ممارسة حق بغير تجاوز”. فمشاركته في المظاهرة ومحاولته إزالة السياج الفاصل “جاءت في إطار ممارسته ليس فقط لحق بالتظاهر في ساحة مجلس النواب، بل أيضاً في إطار ممارسة حقه السياسي بمحاسبة النواب بعد أن مدد المجلس النيابي لنفسه مرتين وقريباً للمرة الثالثة، وحقه بدفع التعرض على صحته وصحة المواطنين وحقه بالبيئة السليمة نتيجة تقاعس السلطة عن معالجة أزمة النفايات التي سببتها بالأساس”. وشددت أنه لا تجاوز في ممارسة هذه الحقوق طالما أن التظاهر أمام مجلس النوّاب أصبح الوسيلة الوحيدة لمحاسبة النوّاب بعد أن أغلقت جميع وسائل المحاسبة المؤسساتية والقانونية. وخلصت فرنجية إلى المطالبة بإبطال التعقبات بحق موكلها لكون الأفعال المدعى بها تشكل ممارسة لحقوق أساسية سنداً للمادة 183 من قانون العقوبات.

بدوره ترافع وكيل بيار الحشاش المحامي باسم العمّ، واعتبر أن “دوافع الشباب في المظاهرة شريفة” وترتبط “بالواقع الإجتماعي والسياسي” وطالب القضاء أن يلعب دوراً انطلاقاً من الإجماع الاجتماعي والسياسي، مؤكداً أن “التدافع لا يجب أن يشكل سبباً لقيام جرم” وقال: “استكمالا لمرافعة زميليّ أطلب إعلان البراءة لموكلي وكفّ التعقبات عنه، واستطراداً منحه أوسع الأسباب التخفيفية”.

وطلب المحامي العسكري إبطال التعقبات بحق فايز ياسين ورامي محفوظ لعدم كفاية الدليل. وتدخّل المحامي فاروق المغربي ليشير إلى الظروف الإجتماعية الصعبة الخاصة برامي محفوظ طالباً من المحكمة أخذها بعين الاعتبار.

صدور الحكم

انتهت الجلسة وخرج المحامون من القاعة. إلا أن المدعى عليهم بقوا في القاعة بإنتظار الحكم. فهذا هو نظام المحكمة العسكرية، والتي على خلاف المحاكم الجزائية، تلزم المدعى عليه بالإنتظار في القاعة إلى حين صدور الحكم. وعن ذلك تحدث حسين إبراهيم قائلاً: “بقينا إلى قرابة الساعة السادسة والنصف مساء بإنتظار صدور الأحكام ومعنا نحو 40 شخص آخر. الجميع صدرت أحكامهم بإستثنائنا نحن، فكان علينا الإنتظار الى الساعة العاشرة مساء. والفكرة أنه القاضي تفاجأ ببقائنا  في القاعة، إذ يبدو أن خطأ حصل فنسوا توقيع الحكم فبقينا الى حين توقيعه،. من الساعة العاشرة صباحاً الى العاشرة مساءً من دون أكل أو شرب. حتى الدخول إلى الحمام فيه تربيح جميلة ولكن بالنهاية خرجنا وهذا هو الأهم.

وقد أكد الناشط وارف سليمان ما جاء على لسان صديقه وتحدث قائلاً: “بعدما خرج المحامون، بقينا في القاعة ننتظر. ثم بعدما أخذت هيئة المحكمة استراحتها، نقلونا إلى قاعة أخرى بإنتظار الحكم، وبقينا من دون طعام أو شراب حتى الساعة العاشرة مساءً. كنا في ما يشبه السجن، وكأن العرف أن يتم التعامل مع الناس بطريقة قاسية وصارمة، وذلك منذ دخولنا الى القاعة صباحاً حيث يتم إعطاؤنا دروساً بحسن التصرف إلى حين صدور الحكم”.

وقرابة الساعة العاشرة ليلاً، أصدرت المحكمة العسكرية حكمها. وسوف تتابع هذه القضية في المستقبل أمام القضاء العدلي الذي سيتابع محاكمة 14 متظاهر، من ضمنهم المدعى عليهم الخمسة في هذه القضية، بتهم الشغب وتخريب الأملاك الخاصة.

وعلى الرغم من التحفظ على مسألة توقيف المتظاهرين وعلى محاكمتهم أمام القضاء العسكرية، إلا أن الحكم الصادر بإعلان براءتهم هو دليل قاطع على تعسف السلطة في قمع حراك صيف 2015.

انشر المقال



متوفر من خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية