مُحامون تحت الوصاية (2): أخطاء جسيمة وردتْ في قرار الهيئة المختلطة


2023-05-18    |   

مُحامون تحت الوصاية (2): أخطاء جسيمة وردتْ في قرار الهيئة المختلطة

كان يُفترض أن تُصدر الهيئة المختلطة النقابيّة لدى محكمة استئناف بيروت قرارها بشأن إخضاع المحامين للرقابة المسبقة في تاريخ 4 أيار 2023. إلا أنّ رئيسها أيمن عويدات صرّح أنها لم تتمكّن من إنجازه في تاريخه. وقد أعلن في اليوم نفسه عن إصدار المجلس التأديبي للقضاة (وهو يضمّ عويدات نفسه) حكما بصرف القاضيّة غادة عون، وهي القاضية الأكثر انخراطًا في مكافحة الفساد، من الخدمة. وإذ انتهت الهيئة إلى إصدار حكمها بردّ الطعون بعد قرابة أسبوع، فقد جاء الحكم للأسف بمثابة انعكاس أمين للنهج الذي اعتمدته النقابة شكلا ومضمونا والذي فصلناه في الجزء الأول من هذا المقال. وهذا الأمر يتأتّى ليس فقط من تجاوز مبدأ الوجاهيّة الحاصل بفعل ارتكاز الحكم على حجج هبطت عليه بالباراشوت من دون أن يكون أثارها أو دُعي الأطراف لمناقشتها في أيّ مرحلة من مراحل المحاكمة، إنما أيضا من خلال اعتماد منطق السّلطة نفسه في تبرير الحكم، سواء لجهة شيطنة الحرية أو إعلاء شأن مقام “الرقيب”. وهذا ما سأحاول شرحه على طول هذا المقال.

قمع الحرية على أساس حجج لم يثرْها أحد

كما سبق بيانه، لم يشأْ مجلس النقابة إبداء أيّ من حججه دفاعا عن قراره المطعون فيه، بل اكتفى بإثارة مسائل شكليّة للتشكيك في صفة الطاعنين، رافضا بذلك أيّ نوع من النقاش أمام القضاء، تماما كما كان يتجنّب أيّ نقاش عامّ خارج القضاء. وإذ انتظرتُ كما العديد من الطّاعنين أن تردّ الهيئة الدّعوى على خلفية أن المجلس لم يقدّم أي حجج جدّية لنقض ما أثرْناه، لم يتوقع أي منّا (من باب افتراض احترام الحد الأدنى من أصول المحاكمة) أن تقفز الهيئة فوق هذه الأصول لتعوّض غياب النقاش بنقاش متخيّل لم يحصل، والأهم لتحلّ هي محلّ مجلس النقابة في ابتداع الحجج تمهيدا لردّ الطعون. وإذ كان بإمكان الهيئة أن تخفّف من الضّرر الحاصل من جرّاء هذا التمشي في إثارة نصوص قانونية ووقائع بأن تبذل جهدا مُضاعفا للتدقيق فيها، فإنها على العكس من ذلك انتهتْ إلى تشويهها بشكل فاقع. وليس أدلّ على ذلك من السرديّة التي اعتمدتها الهيئة لتطور النظام الداخلي لنقابة المحامين في باريس ومضمونه، انتهاء للقول بأنّ آلية الرقابة المسبقة المطعون فيها إنّما تتطابق مع ما ذهبتْ إليه نقابة باريس، وأنّ نقابة بيروت كما نقابة باريس لجأتَا إليها بفعل “الفوضى”. وقد ورد حرفيا “إنه على غرار ما طرأ في فرنسا من تعديلات لنظام آداب المحامين في باريس، فإنه بالنظر لما أدلت به النقابة من حصول فوضى إعلامية طغت على الظهور الإعلامي للمحامين المنتسبين إليها، .. فإن فكرة خضوع المحامي للرقابة التأديبية على أقواله وأعماله خارج أقواس المحاكم وأثناء تواصله مع وسائل الإعلام والتواصل الإعلامي والإلكتروني، تبقى مقبولة فقها وقانونا، بحيث أضحى من الواجب عليه طلب الإذن من النقيب للظهور والتكلّم الإعلامي بموضوع قانوني، وذلك بأي وسيلة كانت”.

إلا أنّ اعتماد هذه السرديّة ما كان ليحصل لولا تغييب وتشويه الوقائع. ولعلّ أبرز الأخطاء الواردة في الحكم هو التفسير الخاطئ لعبارة injonction (الأمر) الواردة في النظام الداخلي لنقابة باريس والتي فسّرتها الهيئة على أنها تحتمل ضمنا حقّ رفض إعطاء الإذن بالظهور الإعلامي أو الإذاعي أو الكلامي.

وهذا ما يتناقض تماما مع حقيقة الأمر حيث أن النظام الداخلي لنقابة باريس نصّ في المادة 10 بوضوح كلي على أنّ المحامي يعبّر عن نفسه بحرية في أيّ مجال يختاره وبالطّريقة التي يرغب بها، ومن دون حاجة الحصول على أيّ إذن مسبق. الأمرُ نفسه ينطبق بشأن أيّ ظهور إعلاميّ للمحامي في القضايا العالقة أمام المحاكم على أن يبيّن صفته وأن يتنبّه بشكل خاصّ عند قيامه بذلك. وعليه، وخلافًا لما جاء في الحكم، يمارس المحامي حريّة التعبير من دون حاجة لأيّ إذن مُسبق، من دون أن يكون هنالك أيّ حظر في أيّ شأن. ويكون عليه في مطلق الأحوال الالتزام بآداب المهنة خلال ممارسته هذه الحرية، ومن أبرزها ألا يلجأ إلى الدعاية أو أن يخلّ بالقوانين المعمول بها. بالمقابل، وخلافا لما جاء في الحكم، لا يكون للنقيب وفق هذا النظام إلا ممارسة الرقابة اللاحقة، ومن ضمنها التنبيه وتوجيه ملاحظات أو أوامر (وهي بطبيعتها فرديّة ولاحقة) في اتجاه ضمان احترام الآداب المهنية، وكل ذلك ضمن الأمور المتصلة بمهنة المحاماة وتحت الرقابة القضائية وتاليا القوانين والدستور. ومن أبرز الأمثلة على هذه الأوامر هو أن يُطلب من المحامي تعديل بعض المعلومات الواردة على الموقع الإلكتروني لمكتبه، التزاما بقاعدة الامتناع عن الدعاية الشخصية. أمّا أن يقال أن تمتّع النقيب بصلاحية إعطاء الأوامر في هذه المادة مرادفٌ لإخضاع المحامي للإذن المسبق، فهو تشويه فاقع للنصّ. وليس أدلّ على ذلك أنّ نقابة باريس كانت ألغتْ تماما من نظامها الداخليّ آليّة الإذن المسبق في 1994 تبعا لمواقف المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في سياق تطبيقها للمادة 10 من المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان.   

وبذلك، أكّدت الهيئة مشروعيّة قرار مجلس النقابة من خلال تصويره على أنّه يتساوى من حيث تقييد الحرية مع أحكام النظام الداخلي لنقابة باريس، بعدما شوّه مضمونه. فكأنها بذلك تنتهي إلى تحميل نقابة باريس مسؤوليّة معنويّة عمّا قرّره مجلس النقابة من تقييد للحريّة وعمليا توريطها في انتهاك مبادئ حقوق الإنسان، وهو أمر يؤمل أن تعترض عليه هذه النقابة ذودا عن سمعتها وتصحيحًا للخطأ الفادح في تفسير أحكامها.

إلى ذلك، تمّ انتهاك مبادئ الوجاهية في محلات عدة من الحكم، بفعل إثارة وقائع وقواعد قانونية، لم يُدلِ بها أيّ طرف ومن دون أن يُدعى أطراف الدعوى لمناقشتها، ومنها ادّعاء عدم جواز النظر في قانونية المادة 39 لسقوطها بمرور الزمن من دون تمكين الطاعنين التعليق على مدى صحّة ذلك.

شيطنة الحرية مقابل إعلاء شأن مقام الرقيب 

الأمر الثاني الذي يلفتُنا في الحكم هو أنه شكّل ما يشبه ناقوس خطر ضدّ مخاطر الحريّة، تمهيدا لإخضاعِها لرقابة صارمة. وليس أدلّ على ذلك من تضمينه العبارة الآتيّة التي نوردها حرفيا بالنظر إلى دلالتها: “الخطر المتمثل بالتأثير الكبير لوسائل الإعلام على مسار المحاكمات الجارية والرأي العامّ يوجب أن يكون المحامي خاضعًا لقواعد صارمة تحدّ من حريته الإعلامية”. ونلحظ هنا أنّ الحكم لم يكتفِ بالحديث عن خطورة الحرّية الإعلامية على المحاكمات، بل تحدّث أيضا عن خطورتِها على الرأي العام في موقف لافت يستشفّ منه إرادة في الحدّ من تأثير المحامين عليه أو بكلمة أصحّ تمكين نقيب المحامين من ضبط هذا التأثير، سواء لجهة وتيرته أو مضمونه. وهذه العبارة إنما تعكس خطورة مضاعفة، بحيث تبيّن أنّ الهدف ليس ضمان آداب المهنة بقدر ما هو ضبط تأثير المحامين على صناعة الرأي العامّ. التوجه نفسه نستشفه في مكان آخر تحدّث فيه الحكم عن مزيد من المخاطر التي قد تتولد عن الحرّية، حيث جاء أن من شأن الظهور الإعلامي للمحامي أن يؤدّي إلى “مخاطر على المهنة أولا وعلى المحامي نفسه وعلى زبائنه ومن ثم على مؤسسات الدّولة وعلى ما يمكن أن تنشئه في ذهن العامّة من آثار وأفكار قد لا تكون صحيحة أو متسرّعة أو مثيرة للغرائز”. وإذ ذهب الحكم إلى الحديث عن “الفوضى” على غرار ما ذهب إليه القيّمون على النقابة في تبرير قرارِهم، فإنه لم يتحرّ عن مدى حقيقتها إنما اكتفى بما أثاره هؤلاء الذين بدورهم لم يكشفوا أي أرقام أو وقائع محدّدة تبيّن حصول تطوّر ما في هذا الشأن. 

وما يزيد من قابلية هذه الشيطنة للانتقاد هو أن الحكم خلا بالمقابل من الإشارة إلى أيٍّ من إيجابيّات حرية التعبير أو دورها في حماية المجتمع أو مؤسّسات الدولة بما يتناقض مع الاتفاقيات الدولية التي أبرمتها الدولة، وبخاصة اتّفاقية مكافحة الفساد والتي كرّست أهميّة حرية التعبير والوصول للمعلومة في هذا الشأن. وفي حين شدّدت الهيئة المختلطة على “الفوضى” لشيطنة الحرية، فإنها غيّبت تماما رواج ثقافة التدخّل في القضاء واستِتباب نظام الإفلات من العقاب في أكبر القضايا الاجتماعية على نحو حوّل الشعب اللبناني كله إلى شعب من الضحايا لنظامٍ لا يحاسَب ونحا في اتجاه تقويض أسس دولة القانون. بمعنى أن الهيئة المختلطة تماما كما مجلس النقابة ضخّمت جدا من “الفوضى” التي تنشأ عن كلمة زائدة أو ناقصة أو عن مشادة كلامية بين محامييْن، ليتجاهلُوا بالمقابل تماما “الفوضى” الناجمة عن عودتنا إلى حالة ما قبل الدولة، وبكلمة إلى ما يشبه شريعة القوة أو الغاب، وهي طبعا الفوضى الحقيقية بل الفوضى الكبرى. 

ولئن استعاد الحكم أهمّ النصوص الدولية في مجال حريّة التعبير وفي مقدّمتها المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، فإنّه فعل ذلك بهدف التأكيد على أنّ حتى هذه النصوص تسمح بتقييدها. وقد بدتْ الهيئة المختلطة هنا وكأنّها تحجب الحجج التي أثارها الطّاعنون بحجج متخيّلة لم يثرْها أحد، حيث أن الطّعن انبنى ليس على مدى جواز إدخال قيود على الحرية (وهو أمر مسلّم به) إنّما على مدى مشروعيّة وملاءمة القيود المُعتمدة، وهو أمر يفترض التحقّق من شروط عدّة بقيت ضبابيّة وهليونيّة في حيثيات الحكم. فقد تجاهلت الهيئة من جهة الحجة القائلة بأنه لا يجوز التعرّض لجوهر الحرية تحت غطاء تنظيمها. كما تجاهلت الحجة القائلة بأنه لا يجوز تقييد الحرية إلا بقانون، موحية أن مجرد تكليف مجلس النقابة بتنظيم مهنة المحاماة يوليها صلاحية الحلول محل المشرع في تقييد حريات المحامين، في إطار ممارسة المهنة أو خارجها. وتماما كما فعل مجلس النقابة الذي لم يتكبّد عناء إخضاع القيود التي وضعها لفحص مبدأيْ التناسب والضرورة، كذلك فعلت الهيئة المختلطة. وعليه، لا هي بيّنت كيف يمكن للرقابة المسبقة أن تضع حدّا للفوضى، ولا هي بيّنت مدى تناسب التدبير بحدّ ذاته (أي إخضاع حريات المحامين جميعا) مع الغاية منه التي هي وضع حدّ لفوضى كرّرت النقابة عشرات المرات أنه يتسبّب بها حفنة من المحامين من دون تبيان ماهيتها، ولا هي دقّقت في وجود آليات أخرى تسمح بوضع حدّ للفوضى من خلال إعمال تدابير أقلّ كلفة كما يتحصل من اعتماد الرقابة اللاحقة.

وإذ لجأت الهيئة المُختلطة إلى شيطنة الحرّية من أجل التحليق فوق الضوابط والمعايير المُعتمدة لتقييدها، فإنّها أكملت بناء حكمِها بإعلاء شأن الرقيب الذي هو في هذه الحالة نقيب المحامين، في اتجاه تنزيهه عن “التسلّط” وعمليّا في اتجاه تسفيه المخاوف من أن تشكّل صلاحيته بإعمال الرقابة المسبقة مسّا بجوهر الحرية. قد جاء حرفيا في هذا الإطار أنه “لا يمكن افتراض التسلّط الإرادي المجحف من قبل النقيب لرفض مبدأ الإذن (المسبق)، إذ من المفترض في المبدأ أن النقيب يمارس مهامه لمصلحة النقابة والمنتسبين إليها ومصلحة العدالة وأصحاب الحقوق، ولا يجوز افتراض العكس كمبدأ، ولا يبنى على الاستثناء لرفض إجراء وقائي”. التدقيق في هذه الحجة يظهر أنها تقوم في عمقها على افتراض حسن النية والمعرفة والرفعة عند الرقيب وإبرازه كمقام، بما يتعارض مع مبدأ الديمقراطيّة التي تقوم على العكس تماما على تحصين المواطن بإحاطته بضمانات أساسية ليس لأحد الانتقاص منها مقابل تقييد أي مسؤول بضوابط صونا للحرية ومنعا للتعسّف. وبذلك، حلّقت الهيئة المختلطة هنا أيضا فوق كل الحجج التي أثرتها مع زملائي لجهة غياب أيّ معايير أو ضوابط أو مهل في ممارسة هذه الرقابة، وفوق كل مخاوفنا لجهة تحويل الصلاحية الممنوحة للنقيب إلى أداة لكلّ ذي نفوذ لتحصين نفسه ضدّ أيّ نقد أو مساءلة. واللافت أنّه إلى جانب تبرير حكمها بهذا الافتراض، عمدتْ الهيئة إلى تكحيله بضمانات متخيلة، مفادها أن قرار النقيب بمنح الإذن أو حجبه يبقى خاضعا للطعن وفق الأصول المحددة للطعن بقرارات النقيب مع إمكانية تقصير المهل لسرعة البتّ بالطعن المذكور، وكلها أصول لم تحدّد في أي مكان وربما تتّصل باللالا لاند، لكن بالتأكيد ليس بلبنان.

وبنتيجة ذلك، يظهر أن الهيئة المختلطة بنتْ تعليلها على حجتين ذات طابع سلطوي: الأولى، شيطنة الحرية تمهيدا لتشريع المسّ بحقوق فردية أساسية وعمليا لضرب مبدئية الحرية وجعلها استثناء، والثانية، إعلاء شأن مقام النقيب تمهيدا لتخويلِه التحكّم بحريات آلاف من المحامين، من دون أي معايير أو ضوابط.    

تقليص الحصانة بهدف شرعنة الوصاية

لم يكتفِ الحكم بما تقدّم، بل ذهب أبعد من ذلك في اتّجاه تقليص ضمانات المحامين الأخرى، وبخاصة حصانتهم، وذلك بهدف تعزيز مشروعية القيود المفروضة على حريتهم، وبكلمة أخرى وصاية النقيب عليهم. ويمكن اختصار توجّه الحكم على أنّه اعتبر أنّ حصانة المحامي تقتصر على ما يصرّح به خلال مرافعته أمام أقواس المحاكم (“إذ أنه بمجرد خروجه من مدخل قوس المحكمة فإنه يعود للخضوع لمسؤولية ما يدلي به أو يكتبه”)، مما يُوجب حمايته من نفسه من خلال تخويل نقيب المحامين تقدير مدى ملاءمة ظهوره الإعلامي، وتاليا فرض وصاية على ما يُمكنه قوله أو عدم قوله وعمليا إنكار حقّه بالتمتّع بحريته. وفكرة حماية المحامي من نفسه أو فرض وصاية عليه نجدها في محلات عدة من الحكم: منها “أن فكرة الإذن المُسبق للمحامي عند ظهوره الإعلامي أو العلني بأيّ وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي إنّما أضحتْ مقبولة كتدبير نقابي لآداب المهنة، وذلك بالنظر لما يمكن أن يؤدّي إليه هذا الظهور من مخاطر ليس فقط على المهنة ومؤسسات الدولة والرأي العام بل على “المحامي نفسه”. الأمر نفسه يتكرّر من خلال افتراض أنّ نقيب المحامين يمارس رقابته المسبقة خدمة لمصالح عدة، منها مصلحة “المحامي الراغب بالظهور الإعلامي” أو من خلال توصيف الرقابة المسبقة على الظهور الإعلامي أنّها “ندبير وقائيّ” لحماية المحامي، طالما أنّه غير مشمول في الحصانة.

وعدا عن أن تقليص حصانة المحامي على هذا الوجه إنّما يعكس خلطًا بين “حصانة المرافعة” و”حصانة المحامي” إزاء الاستهداف والتعسف اللذيْن قد يحصلان ضدّه على خلفية عمله كمحامٍ، فإنّه يذهب أبعد من ذلك في اتجاه اختزال مهنة المحاماة بالمرافعة أمام المحاكم وتقديم المشورة القانونية، بعد إقصاء مجمل النشاطات الأخرى التي قد يضطرّ على القيام بها، أبرزها الاحتكام إلى الرأي العام لفضح التدخل في القضاء أو تعطيله أو أي خلل في المرفق القضائي في سياق أداء واجبه في الدفاع عن قضية ما. ومن البيّن أن هذا الاتجاه في حصر مهنة المحاماة إنما يتعارض مع قانون تنظيم مهنة المحاماة الذي ينص حرفيا على أن المحاماة رسالة عدالة بإبداء الرأي القانوني والدفاع عن الحقوق ومع نظام آداب المهنة الذي ينصّ على أن المحامين نخبة في المجتمع ورسل العدالة وحماة الحقوق والمدافعون عن الحريات العامة وسيادة القانون وسمو الدستور ومعه القضاء واستقلال السلطة القضائية والقضايا الوطنية”. وهو إلى ذلك، يتعارض مع التوجّهات السابقة لمجلس النقابة حيث كان اعتبر حرفيا في 10 شباط 2021 بأن اعتصام محامٍ داخل وزارة الشؤون الاجتماعية احتجاجا على تقاعسها في إصدار البطاقة التموينية إنما يشكّل خدمة عامة وحماية للحقوق وممارسة القضايا الوطنية. واللافت أن الهيئة المختلطة لم تجدْ حرجا هنا في سياق سعيها إلى تشريع موقف مجلس النقابة في فرض الرقابة المسبقة من الوقوع في تناقض كبير. وليس أدلّ على ذلك من أن التضييق في تعريف مهنة المحاماة (التي ينحصر الدور التنظيمي لمجلس النقابة فيها) اقترن ليس مع تضييق صلاحيات مجلس النقابة الذي ينحصر دوره التنظيمي بتنظيم هذه المهنة إنما على العكس من ذلك مع توسيعه بصورة غير مسبوقة لتشمل أي ظهور إعلامي للمحامين سواء حصل في إطار المهنة أو خارجها. وهنا نبلغ قمة جديدة من قمم العبث.

يتبع الجزء الثالث من المقال حول الخطوات التي نعتزم القيام بها في معركة حرية التعبير للمحامين.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، المهن القانونية ، عمل ونقابات ، نقابات ، حرية التعبير ، مجلة لبنان ، لبنان



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية