محاكمة المتظاهرين تتحوّل إلى محاكمة للنظام: “القاضي يتنشّق رائحة النفايات نفسها”


2020-12-07    |   

محاكمة المتظاهرين تتحوّل إلى محاكمة للنظام: “القاضي يتنشّق رائحة النفايات نفسها”
الصورة من تظاهرة ضدّ أزمة النفايات في 8 تشرين الأول 2015

مقال مُهدى لزملائي أعضاء لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين الذين ترافعوا في هذه القضية، وفي مقدمتهم زملائي غيدة فرنجية ومازن حطيط وشريف سليمان. 

بتاريخ 30 تشرين الثاني 2020، أصدرت القاضية ناديا جدايل حكماً أدّى إلى إبطال ملاحقة 15 متظاهرا ادّعتْ عليهم النيابة العامة بتهمة المشاركة في تجمعات شغب والاعتداء على أملاك عامّة (نزع الأسلاك الشائكة) في حراك صيف 2015. وهو الحراك الذي تسبّبت به أزمة النفايات آنذاك وحمل شعاراً معبّراً “طلعت ريحتكم”. وقد تميّز هذا الحكم بأنّه تضمّن أبعاداً تتجاوز بكثير حدود الاتهامات المدّعى بها أمام المحكمة، وتأثّر مضمونه والعبارات الواردة فيه بشكل كبير ليس فقط بحراك 2015 بل أيضا بثورة تشرين 2019 وما أعقبها من تفاعلات وارتدادات في مختلف جوانب الحياة العامّة اللبنانية وضمنا المحاكم. فكيف يمكن تقييم حريّة التظاهر ووظيفتها في الدفاع عن المجتمع خلال أزمة النفايات في 2015 من دون تقييم هذه الحرية ووظائفها في 2019-2020 تبعا لأزمتي الانهيار المالي والانفجار؟ وقد اكتسَى الحكم أهمية مضاعفة حين ضمّنتْه القاضية فقرات خصّصتْها لإبداء تصوّراتها بشأن دور القضاء وعلاقته بالمواطنين والسلطة الحاكمة، وهي تصوّرات مهّدتْ لإصدار الحكم الذي تراه القاضية الأكثر انسجاما مع ظروف الشعب الحاضرة ومعاناته. وهي تصوّرات سمحتْ للقاضية ليس فقط بردّ الدعوى انطلاقا من دور القضاء في حماية حريّة التظاهر (والتي تشكّل حقا مشروعا وفق ما جاء في الحكم) ولكن أيضا بالتأكيد على أن التظاهر يشكّل في الظروف الراهنة واجبا على كل “مواطن صالح” للدفاع عن مجتمعه. 

وهذا ما نقرأه بوضوح في مستهلّ تعليل الحكم حيث جاء حرفيا: “أن القاضي يصدر أحكامه “باسم الشعب اللبناني”، فالقاضي ليس ملكاً متربعاً على عرشه، بعيداً عن رعيته، يقطن برجاً مشيّداً، إنما هو الناطق بلسان كل فرد من المجتمع (يعيش الألم نفسه، يتنشّق رائحة النفايات نفسها، يتحمّل الأعباء والأزمات الاقتصادية نفسها) ليصدر قرارات مستمدة من سيادة الشعب، كي يكون الشعب حكماً”، هذا الشعب الذي يعيش أزمات.. حرمت المواطنين من أدنى مقومات الحياة وبخاصة في مجالَيْ الصّحة والبيئة”. 

وقد بدَتْ القاضية وكأنها استفادتْ من نظرها في قضية تتفرّع عن الصّراع القائم بين القوى الاجتماعية والسلطة الحاكمة لإبداء آراء بالغة الأهمية حول مكانة القضاء في هذا الصّراع ودوره فيه. وفيما هدفت هذه الآراء إلى قلب عدد من الصور النمطية في هذا المضمار، فقد صحّ اعتبارها رسالة موجّهة إلى ثلاث علب بريد: رسالة إلى الجسم القضائي عبّرت فيها القاضية عن تصورها للوظيفة القضائية وضمنا للقاضي الصالح ودوره في الظروف الاجتماعية الحاضرة، ورسالة إلى المتقاضين ومن خلالهم الرأي العام هدفت لاستعادة ثقتهم بالقضاء أو على الأقل لثنيهم عن التعميم في مقاربة القضاة فضلا عن حثّهم لمزيد من الاحتجاج دفاعا عن المجتمع تحت حماية القضاء، وأخيرا رسالة إلى النظام الحاكم الذي تحوّل إلى المتّهم الحقيقي في هذه القضية. وقد هدفت هذه الرسالة الأخيرة ليس فقط إلى وضع حدود واضحة في العلاقة مع هذا النظام، بل أيضا إلى إدانته بشكل واضح وصريح بالخروج عن صميم واجبه في ضمان الحقوق الأساسية للمواطنين. 

وقبل المضي في التعليق على هذه الرسالة، يقتضي التذكير بأن هذا الحكم صدر في غضون أقلّ من أسبوع من تصريح وزير الداخلية محمد فهمي بأن 95% من القضاة فاسدون، والأهم من انسحاب الشركة المكلفة بالتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان لاصطدامها بالسرية المصرفية التي رفض النواب تمكين القضاء من رفعها بحجة عدم ثقتهم به. وعليه، صدر الحكم في فترة زادت فيه السلطة السياسية تحاملها على القضاء، في موازاة عملها الدؤوب لإسقاط أيّ امكانية للمحاسبة. 

ويزيد فهمنا لأهمية هذه الرسالة عند التدقيق في المقتطفات التي اقتطعتها القاضية من مرافعات المحامين (وجلهم من أعضاء لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين) في هذه القضية. فهي نقلت عن المحامي شريف سليمان طلبه ليس فقط بإعلان براءة المتظاهرين بل بإصدار حكم يشكّل درعاً للناس في مواجهة المنظومة الفاسدة التي تحكم هذا الوطن. كما نقلت عن المحامي مازن حطيط تذكيره بأن أوّل أولويات الثورة المطالبة باستقلال القضاء لتوفير الحريات العامة. كما نقلت عن المحامية غيدة فرنجية طلبها أن يكون الحكم رسالة لمكافحة عشوائية التوقيفات. وبذلك، جاء الحكم في ما تضمنه متناغما مع هذه الانتظارات. 

واجب “القاضي الصالح”

إحدى أهم الرسائل التي تضمنها الحكم تمثّلت كما سبق بيانه في إعلان القاضية تصورها للوظيفة القضائية. وقد بدَتْ هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى القضاة المدعوين للتفكير بهذا التصور والعمل على هديه. فبلغة غير معهودة، نسفَتْ القاضية تصوّرين نمطيّين: تصوّرا تقليديا يحصر دور القاضي في تطبيق القانون كما تضعه السلطة السياسية من دون أن يكترث بظروف المتقاضين أو المجتمع أو مفاعيل أحكامه عليهم. وهذا التصوّر مبني على فهم تقليديّ لمبدأ فصل السلطات يقوم على أن البرلمان يمثّل الإرادة العامة ويمارس تاليا الخيارات الاجتماعية والسياسية، فيما ينحصر دور القاضي في تطبيق القواعد التي يضعها (القوانين) على الظروف الخاصة لكل قضية، من دون أن يكون له امكانية إبداء أي اعتراض على خياراته في هذا المجال. وهذا ما عبّرت عنه أحكام قضائية عدة اعتبرت أن القاضي ملزم بتطبيق القانون بمعزل عن رأيه فيه وعما قد يتضمنه من مظالم، طالما أن تعديله يتمّ عند الاقتضاء في البرلمان وليس في حلبة القضاء. وبفعل هذا التصور، غالبا ما بدا القاضي منسلخا عن مجتمعه وعن همومه وبمثابة شاهد زور على مظالم القانون، وهو الأمر الذي روّج للصورة الكاريكاتورية والتي غالبا ما تصوّره من قاطني الأبراج العالية. 

أما التصور النمطي الثاني، الذي سعت هذه الفقرة أيضا إلى نسفه هو ما يعبر عنه ناشطون كثيرون في أكثر من مناسبة ومؤدّاه أن القضاة هم جزء من النظام السياسي ومجرد أداة له، يصحّ عليهم ما يصح عليه وفق مقولة “كلن يعني كلن”.

وعليه، وعلى نقيض هذين التصوّرين النمطيين، أعلنت القاضية من خلال حكمها تصورا جديدا للقاضي قوامه أنّه من الشعب وليس من السلطة الحاكمة. فتماما كما عانى مثلهم من أزمة النفايات، ها هو يعاني مثلهم من الأعباء والأزمات الاقتصادية نفسها. وعليه، حين ينطق باسم الشعب، فإنّه لا يحصر عمله في تطبيق حرفية القوانين وفق إرادة البرلمان بل يتولى تفسيرها وتطويرها على نحو يجعلها أكثر انسجاما مع حاجات المجتمع ومتطلباته، على أمل أن تخفّف هذه الأحكام من وطأة هذه الهموم والأوجاع. ومن اللافت هنا أن القاضية لم تكتفِ بإعلان ولاء القضاء للشّعب بكليّته، إنما اعتبرت أنها تصدر حكمها باسم كل فرد من أفراد المجتمع. ويفهم من ذلك التزام منها بالتنبّه لجميع هواجس الأفراد ومخاوفهم سواء في تحديد القواعد العامة واجبة التطبيق أو في تطبيقها عملا بمبدأ المساواة أمام القضاء، كل ذلك بمنأى عن أيّ توجه فئويّ أو تغليب كفّة أيّ فئة أو غالبية أو تهميش أيّ كان. ونفهم من ذلك أنّ أحكامها تنبثق وتنبني على تفهّمها العميق لهُموم النّاس كلّ النّاس، وعلى نحو يعكس إرادتهم ومصالحهم الحقيقية من دون مفاضلة أو تمييز ويحيد عن تصور القاضي كخادم للقانون بمعزل عن ظروف المجتمع. فإذا أتمّت القاضية قراءتها هذه، خلصت للقول أنها تستمدّ أحكامها من “سيادة الشعب كي يكون الشعب حكماً”. ومؤدى ذلك هو استبدال ولاء القاضي التقليدي للقانون وتاليا لمن يضعه بولائه للمجتمع الذي يصدر أحكامه باسمه. 

ومن أبرز نتائج هذا التصوّر، هو ما فعلته القاضية بلجوئها إلى استخدام كلّ ما تتيحه لها الترسانة القانونية وقواعد تأويل القوانين لتوسيع الحيّز الضيق للحريات كما حدّده قانون العقوبات، بما فيها تغليب الحقوق الأساسية المكرسة دوليا أو ما يصطلح على تسميته حقوقا طبيعية ملازمة للإنسان على الأحكام الواردة في القوانين الوضعية. ومن أبرز الوسائل المستمدّة من هذه الترسانة التوسّع بمفهوم “الحق المشروع” (وهو في هذه الحالة التظاهر احتجاجا على عدم خضوع النظام للمحاسبة) والذي يشكل سببا تبريريا للجرم المدّعى به وفق المادة 183 من قانون العقوبات، وهي مادة تستخدم للمرة الثالثة لتغليب الحقوق الأساسية أو الطبيعية على نصوص القانون الوضعي، بعدما استخدمت سابقا لتكريس حقوق اللاجئين وحقوق المثليين. ومن الوسائل الأخرى، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية واللذين اكتسبا قوة دستورية لم تتوانَ القاضية جدايل عن التذكير بها في اتجاه تغليب الحقوق الواردة فيهما على القانون الوضعي الذي تتفرّد السلطة السياسية في وضع نصوصه وتعديلها. وهي بذلك بدتْ وكأنّها تستكمل أعمالا أخرى كانت باشرت فيها وبخاصة في قضايا المطبوعات، حيث أكدت في محلات عدة غلبة حرية التعبير على ما يدعيه كبار المسؤولين (ومنهم رئيس الجمهورية) من حقوق بالكرامة. 

ومن البيّن أن القاضية رمَتْ من خلال إعلان تصورها ليس فقط إلى ترميم الثقة المتصدّعة للناس بالقضاء، بل قبل كل شيء إلى دعوة القضاة لإعادة التفكير بفهمهم لوظيفتهم على ضوء تفاقم الأزمات والتي باتت تحرم المواطنين من أدنى مقومات الحياة. وتكتسي هذه الدعوة أهمية فائقة في ظل التجاذبات الحاصلة داخل القضاء بين تيار استقلالي يعلن ولاءه للشعب ويحتكم إليه (والذي يصح إدراج نادي قضاة لبنان ضمنه من دون حجب الكثير من القضاة الإصلاحيين من خارج النادي) واستمرار التبعية لدى عدد كبير من القضاة وبخاصة من ذوي المناصب العليا. وفيما ذكّرت القاضية جدايل في الحكم بما تراه واجبا على كل مواطن صالح القيام به في الظروف الحاضرة دفاعا عن مجتمعه، فإنها بدتْ من خلال إعلان تصوّرها وكأنها تحدّد ما تراه واجبا على كل قاضٍ صالح حماية لهذا المجتمع. 

واجب “المواطن الصالح” أو الحق بالثورة

فضلا عمّا تقدم، نلحظ أن القاضية تجاوزت في حكمها حيّز النظر في الاتّهامات الموجهة للمتظاهرين بممارسة الشغب والتخريب لتنتهي إلى إدانة النظام الحاكم بالتسبب بحرمان الشعب “من أدنى مقومات الحياة وبخاصة في مجالي الصحة والبيئة”. وهذا ما نستشفّه من الفقرة التي أورناها في المقدمة بعد استبدال عبارة “الأزمات” بالنظام الذي تسبب بها. وهذا ما نقرأه أيضا في مكان آخر وصفَتْ فيه القاضية التظاهرات الحاصلة على أنها تظاهرات للمطالبة بأبسط الحقوق الأساسية المنتهكة وهي الحق في الصحة وكرامة العيش. ومن هذا المنطلق، بدتْ القاضية وكأنها تؤكد توفر وضعيات يستشفّ منها انتهاك الحاكم للعقد الجماعي وتمرّدا عليه (أو دستور الدولة) في استعادة للمفردات المستخدمة من فلاسفة الأنوار وفي مقدّمتهم روسو ولوك، وهي وضعيّات يترتّب فيها على المواطنين وفق هؤلاء واجب المبادرة للإطاحة بالحاكم أملا بإعادة العمل بالدستور أو ما يصطلح على تسميته الحق بالثورة. 

وفي هذا الاتجاه، لم تكتفِ القاضية بإبطال الملاحقات ضد المتظاهرين، بل ذهبتْ إلى حدّ إعلان “الحقّ في المشاركة ضمن تجمعات شعبية لإبداء الرأي بصورة جماعية من أداء السلطة السياسية (و) هو حق مشروع” بل “واجب(ا) على كل مواطن صالح يسعى إلى وجوب تكريس مبدأ محاسبة المسؤولين عن أعمالهم في الدول الديمقراطية”. واللافت في هذا المضمار أن القاضية استمدّت من تنوّع خلفيات المتظاهرين الخمسة عشر المدعّى عليهم الطائفية والمهنية والمناطقية أمامها ما يُثبت توفّر ظروف موجبة للدفاع عن المجتمع في مواجهة سلطة أمعنت في تقويض حقوقه بالحياة وفي الآن نفسه دوافعهم النبيلة الخالية من أي نوايا جرمية أو حتى أي أهداف خاصة أو فئوية. 

وهذا ما نقرأه في فقرة جاء حرفيا فيها: “هم شاركوا بالتظاهرة بصورة عفوية وطوعية “من كل الطوائف ومختلف المناطق، ساحة واحدة وتوقيت واحد جمعا مصوّر الأشعة مع طالبة الحقوق، والمهندس مع القاصر مكتوم القيد، وموزّع الإنترنت مع العاطل عن العمل، والناشطة الاجتماعية مع عامل الفرن؛ عامل مشترك وحيد أنهم نموذج مصغّر عن المجتمع اللبناني بمختلف أنماطه، اجتمعوا قرب ساحة النجمة حيث مجلس النوّاب للمطالبة بحقوق أساسية بسيطة…وهي الحق في الصحة وكرامة العيش”. وانطلاقا من ذلك، ذهبت القاضية إلى تقريظ كلّ من أعاق حرية المتظاهرين أو ادّعى عليهم (ومن ضمنهم النيابات العامة وقضاء التحقيق العسكري) على خلفية أن من واجب الهيئات القضائية كما الأجهزة الأمنية حماية حريات المتظاهرين والتعامل معهم “لا كدولة بوليسية بل بصورة حضارية، كدولة قانون”. 

وبذلك، بدا الحكم ليس فقط بمثابة انتصار لمشروعية الثورة ومشروعية مطالبها، بل أيضا بمثابة التزام قضائي في تأمين درع حمائيّ لها، بما يتلاقى مع مرافعات المحامين التي أشرنا إليها أعلاه، أملا بإعادة بناء “دولة القانون”.

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

احتجاز وتعذيب ، المرصد القضائي ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بيئة ومدينة ، حراك 2015 ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، حريات ، حرية التجمّع والتنظيم ، حرية التعبير ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، قضاء ، لبنان ، محاكمة عادلة وتعذيب



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *