محاكمات الحجر الصحي في تونس: تشدد قضائي حيث وجب الحذر وعقوبة من دون نص


2020-03-27    |   

محاكمات الحجر الصحي في تونس: تشدد قضائي حيث وجب الحذر وعقوبة من دون نص

أدرج الأمر الحكومي عدد 152 لسنة 2020[1] مرض كورونا الجديد "كوفيد 19"  على قائمة الأمراض السارية الملحقة بالقانون الملحق بها بما أجاز قانونا لمصالح الصحة استصدار مقررات في وضع المشتبه بإصابتهم بهذا المرض والمصابين به تحت طائلة الحجر الصحي من تاريخه الموافق ل 13-03-2020. من جهته، أقر رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيد منعا عاما للجولان بداية من تاريخ 18-03-2020[2]من الساعة السادسة مساء إلى الساعة السادسة صباحا، كما حدد بداية من تاريخ 22-03-2020 الجولان والتجمعات خارج أوقات منع الجولان تلك[3]. تاليا، استدعى ضعف الإلتزام المواطني بالإجراءات المتخذة وما كان يعنيه ذلك من خطورة على الصحة العامة أن تستعمل الدولة صلاحية الضبط العدلي لإنفاذه على أرض الواقع.

تعهد بالتالي القضاء الجزائي بالتتبع العدلي لكل من ينسب له مخالفة الحجر الصحي أو حظر الجولان. وتبين في هذا الإطار إحصائيات صدرت عن جمعية  القضاة التونسيين[4] وتعلقت بحصيلة عمل عشر محاكم من بينها محكمة  تونس العاصمة خلال الثلاثة الأيام الأولى من حظر الجولان وهي 23 و24 و25 مارس 2020 أن تلك العينة من المحاكم تعهدت ب: 265 محضر بحث، وجهت فيها النيابات العمومية التهمة على 59 شخصا من أجل مخالفة الحجر الصحي و253 آخرين من أجل مخالفة حظر الجولان. وقد صدر عن المحاكم فيها أحكام على 197 متهم بحالة إيقاف.

تؤكد هذه المعطيات في جانب منها جدية الدولة في مسعاها لحسن تطبيق إجراءات التوقّي والدور الذي تلعبه القوى الأمنية والقضاء في ذلك. لكن أهمية هذا المسعى وحيويته لا يجب أن تحجب بعض الملاحظات، منها ما يتعلق بأهمية الإيقافات ومنها ما يتصل باحترام الحق في المحاكمة العادلة.

الإيقافات والأحكام السجنية: سلاح المكافحة الذي قد يتحول لداء

حاول القضاء أن يبرز صرامة في مواجهة من يخالفون قرارات الحجر الصحي وحظر الجولان بإصدار أحكام بالسجن النافذ في حق عدد هام منهم. وكان منها لمدد طويلة نسبيا وصلت للسنة الواحدة. بدت الغاية من هذا التوجه تحفيز الجميع تحت طائلة التهديد بالسجن على احترام المقررات الحكومية. وكان الهدف منها حماية الجميع من خطر انهيار كامل لسياسة التوقي في حال عدم الإلتزام بها.

يؤكد واقع الخيارات العقابية أن المحاكم كانت مضطرة لاختيار العقوبات السجنية. فليس بإمكانها اللجوء لأحكام الخطايا المالية، لكون مثل هذه الأحكام ينتهي أغلبها للسقوط بمرور الزمن بسبب ضعف منظومة تنفيذها وبالتالي ليس لها أي قدرة على "ردع المخالفين". كما ليس بإمكانها اعتماد العقوبات البديلة، لكون حالة الطوارئ لا تمكن من تنفيذها فعليا.

كان بالتالي القضاء بالسجن في حق المخالفين بمثابة الاضطرار وكان التشدد سلاحا معنويا اعتمدته المحاكم لنشر رهبة من التتبعات تمنع من تطور الخروقات عدديا. ولا يمنع هنا تفهم "الواقع" الذي وجدت المحاكم نفسها في مواجهته من ملاحظة أن المبالغة في التشدد وإصدار العقوبات السجنية يؤدي بالضرورة إلى تطوّر كبير في عدد المودعين بالسجون، بما يكون معه هؤلاء مصدر خطر لتفشي العدوى داخلها.

 

الحق في المحاكمة العادلة: اعتماد أمر الطوارئ سؤال حول شرعية الجرائم

تمت ملاحقة 253 شخصا بتهمة مخالفة حالة الطوارئ والتي نص عليها وعلى عقوبتها الفصل 9 من الأمر الرئاسي عدد 50 لسنة 1978 المؤرخ في 26 جانفي 1978 الذي يتعلق بتنظيم حالة الطوارئ والذي ينص على كون "كل مخالفة لأحكام هذا الأمر تعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين ستة أشهر وسنتين وبخطية تتراوح بين ستين وألفين وخمسمائة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط. "

يلاحظ هنا أمران:

أولهما: أن الأمر الرئاسي الذي فرض حظر الجولان ورد بنصه أن "رئيس الجمهورية بعد الاطلاع على الدستور وخاصة على الفصل 80 منه وبعد استشارة كل من رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب يصدر الأمر الرئاسي الآتي نصه…". ويستفاد من هذا أن حظر الجولان الساري بمقتضاه ورد في خانة الاجراءات الإستثنائية التي نص عليها الدستور بالفصل 80[5] منه، لا ذاك الذي كان يخوله أمر الطوارئ لرئيس الجمهورية. وتطرح هذه المعاينة السؤال حول جواز تطبيق عقوبات وردت في أمر لم تفعله السلطة صاحبة الاختصاص على من يخرق مقتضيات أمر آخر صدر عنها وحرصت على بيان أنه لا يمت له بصلة.

ثانيهما، وهو الأهم، أن محاكمة أشخاص بتهمة وردت بأمر رئاسي يتعارض مع مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات. ويقتضي هذا المبدأ "ألا جريمة ولا عقوبة بدون نص قانوني سابق الوضع" ويكرسه  الدستور التونسي بالفصل 28 منه[6] وفي الفصل 68 الذي اقتضى أن "ضبط الجنح والجنايات والعقوبات المنطبقة عليها" مجال حصري للقوانين العادية.

يتبين مما سلف أن التعاطي الجزائي مع مخالفات قرار منع الجولان يطرح إشكالا يتجاوز الحاضر ليتعلق باستبطان قواعد المحاكمة العادلة. ويستدعي هذا الأمر لخطورته أن تكف المحاكم عن الاستناد لأمر الطوارئ في تجريم خرق حضر التجول وأن تتنبه السلطة العامة لحاجتها لتشريع تتم وفقه مؤاخذة من يخالف "الإجراءات الاستثنائية"[7] التي أعلنها رئيس الجمهورية دون التفات لغياب الإطار القانوني اللازم لإنفاذها.
 

 


[1]  أمر حكومي عدد 152 لسنة 2020 مؤرخ في 13 مارس 2020 يتعلق باعتبار الإصابة بفيروس كورونا الجديد "كوفيد 19" من صنف الأمراض السارية المدرجة بالمرفق الملحق بالقانون عدد 71 لسنة 1992 المؤرخ في 27 جويلية 1992 المتعلق بالأمراض السارية.

[2]   بموجب  الأمر  الرئاسي عدد 24 لسنة 2020 مؤرخ في 18 مارس 2020 يتعلق بمنع الجولان بكامل تراب الجمهورية.

[3]  أمر رئاسي عدد 28 لسنة 2020 مؤرخ في 22 مارس 2020 يتعلق بتحديد الجولان والتجمعات خارج أوقات منع الجولان.

[4]  ذكرت الجمعية أن هذه الإحصائيات تولت إعدادها ونشرها  " تثمينا لمجهودات قضاة النيابة العموميّة والسلسلة الجزائيّة وكلّ القضاة والمشرفين على المحاكم في هذا الظرف الوطني الحساس،ودعما للمجهود الاتصالي للمحاكم في كامل تراب الجمهوريّة حول تطبيق الإجراءات القانونيّة للتصدّي للجرائم والمخالفات المتعلّقة بخرق حظر الجولان والحجر الصحّي، "

[5] والذي يقتضي " لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها، يتعذّر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويُعلِنُ عن التدابير في بيان إلى الشعب. …."  

[6]     نص الفصل 28 من الدستور "العقوبة شخصية، ولا تكون إلا بمقتضى نص قانوني سابق الوضع، عدا حالة النص الأرفق بالمتهم."

[7]   يفرض الدستور دورا للمحكمة الدستورية في إعلان حالة الضرورة يتمثل في إعلامها  باتخاذه في مرحلة أولى  وفي كونها جهة القضاء الذي يتعهد بالمنازعة  في استمرارها بمضي ثلاثين يوما على بداية سريانها . ويبدو بالتالي تفعيلها دون سن قانون ينضمها أولا وقبل إرساء المحكمة الدستورية مسالة تستحق النظر

انشر المقال

متوفر خلال:

استقلال القضاء ، المرصد القضائي ، تونس



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *