مجلس القضاء العدلي يعلن معايير الحركة القضائية في تونس: قراءة في معايير إسناد الخطط الوظيفية


2019-04-08    |   

مجلس القضاء العدلي يعلن معايير الحركة القضائية في تونس: قراءة في معايير إسناد الخطط الوظيفية

أعلن بتاريخ 05-04-2019 مجلس القضاء العدلي عن المعايير التي سيعتمدها في إدارته للمسار المهني للقضاة العدليين بمناسبة الحركة القضائية للسنة القضائية 2019-2020. وتظهر المعايير المعلن عنها في جانبها المتعلق بتنظيم التناظر على الخطط الوظيفية مجدّدة إلى حد بعيد، مقارنة بما سبق إعلانه من معايير خلال السنوات السابقة سواء من ذات المجلس أو من الهيئة الوقتية للقضاء العدلي التي خلفها وذلك في بعدين أولهما قواعدها وثانيهما حق القضاة في المنازعة في مخرجاتها.

1- القواعد الموضوعية[1]

ميز مقرر المجلس بين ثلاثة مستويات في تنظيم التقييم، أولها من يخضع للتقييم وثانيها من يمارس صلاحية التقييم وثالثها ماهية المعايير التي يقوم عليها التقييم.

من يخضع للتقييم؟ ومتى؟

أخضعت وثيقة المعايير كل القضاة المباشرين للتقييم. ويعد هذا من الأحكام المجددة، بحيث أن تقييم القضاة الذي يوجه لمجلس القضاء ينحصر سابقا بمن هم معنيون بالحركة القضائية دون سواهم. ولتعميم التقييم على هذا الوجه فوائد عدة، أهمها أنه يؤدي متى تم حسن حفظ مخرجاته من قبل مجلس القضاء إلى تمكينه عند الحاجة من تكوين تقييم موضوعي لأداء القاضي يتعلق بمسيرة مهنية قد تعكس في كثير من الحالات شخصيته القضائية بمعزل عن الظروف العارضة في وقت معين. ومن شأن التقييم الدوري أن يحفّز القضاة على تطوير أدائهم المهني نوعيا وكميا. ونرى هنا من الجيد التفكير في أن يكون التقييم في حال عدم الترشح لخطة قضائية أو لنقلة كل أربع أو خمس سنوات، وذلك بهدف عدم إرهاق القضاة وفي الآن نفسه، تطوير آليات التقييم وضمان جودتها.

من يتولى التقييم؟

قبل الثورة، كان تقييم القضاة الذي يتم قبل الحركة القضائية من اختصاص كبار القضاة دون سواهم ووفق معايير لا يعلن عنها، بحيث يكون للانطباعية الشخصية دور غالب في صياغة مخرجاتها. برزت بعدها وفي ظل الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي محاولات جادة لمأسسة التقييم ولكنها انتهت جميعا إلى فرض أن يكون الرئيس الإداري للقاضي أي المسؤول الأول عن الهيئة القضائية هو من يختص بالتقييم ومن يمتلك صلاحيته مع  إسناد دور استشاري للمشرف قضائيا على عمل القاضي.

قطعت المعايير الجديدة مع هذا التصور وانتهت لفرض أن تكون جهة التقييم  مركّبة من أكثر من فرد. اذ تشمل جهات التقييم كما فصلها المجلس بالضرورة رئيس الهيئة القضائية والرئيس المباشر للقاضي، وتكون في أغلب الحالات ثلاثية التكوين[2] ويسميها المجلس هنا صراحة بلجان التقييم. ويؤدي هذا التطور الهيكلي لفرض أن تتداول لجنة التقييم فيما بينها وفي إطار مساواة كاملة بين أعضائها بما يكون من أثره الحد من تأثير الانطباعية الشخصية في تقييم القضاة وبما يشكل خطوة أولى في اتجاه دمقرطة تسيير المؤسسات القضائية. ويلحظ في هذا الصدد، أنه رغم التطور الحاصل في التنظيم القضائي بعد 2011، تغيب فكرة الجلسات العامة القضائية وتحضر السلطة الفردية في الإدارة.

قواعد التقييم؟

بحث المجلس في تحديده لمعايير التقييم عن مرجعية له فبيّن أنه يستند لما ورد “بالدستور وقانون المجلس الأعلى للقضاء والمعايير الدولية”. وقد عرف الغاية من تلك المعايير على أنها “التوصل إلى إسناد الخطة الوظيفية إلى القضاة الأنسب باعتبار ما للمعايير المذكورة من تأثير على المردود المهني للقاضي وصورة القضاء في ذهن المتقاضي”. وهنا انتهى إلى التمييز بين معايير على علاقة بقيم العمل القضائي (وهي الاستقلالية والنزاهة والتجرد) وأخرى على علاقة بالأداء المهني الفردي للقاضي (الكفاءة).

بالنسبة إلى المعايير المتصلة بقيم العمل القضائي، “الاستقلالية والنزاهة والحياد”، رأى المجلس ضرورة في إعمالها عند إسناد الخطط الوظيفية، وإن كان يفترض تواجدها لدى كل قاض حتى يكتسب صفته تلك. ولهذه الغاية، استحدث المجلس مبدأ مفاده “استبعاد كل من كان محل مؤاخذة تأديبية من التناظر لمدة قدرها خمس سنوات من تاريخ صدور القرار التأديبي في حقه على أنه يقع إدراج القاضي المعني آليا في التناظر على الخطط الوظيفية بعد مرور خمس سنوات من صدور القرار التأديبي في حقه”.

وقد استحضر اعتماد الاستقلالية والنزاهة والحياد كمعايير إسناد الخطط الوظيفية هواجس إصلاح القضاء، تلك الهواجس التي حكمت كل الحركات القضائية التي أجرتها الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي. ويبدو البحث عن معيار موضوعي عام ومجرد يضبط هذه المعايير محاولة لتجاوز ما يمكن أن يؤدي له تحري تلك المعايير على أهميتها من انطباعية أو من محاكمة لنزاهة القضاة دون احترام لحقهم في المواجهة. يظهر عند هذا الحد مجلس القضاء مُجدِّدا في تصوره وإن كان المعيار الذي استحدثه يتطلّب تعميق النظر فيه، لكونه يؤول لفرض عقوبة على قاضٍ لم تصدر عن جهة تأديبه، خصوصا في حال تطبيقها فيما يتعلق بسحب الخطط الوظيفية.

أما بخصوص تقييم الكفاءة، استند المجلس في تحديد الكفاءة لأربعة عناصر هي: الأقدمية في القضاء، الأقدمية في الرتبة القضائية، الأقدمية في الخطة القضائية، العمل القضائي المنجز واعتماد التنقيط كآلية لقياسها.

فعلى صعيد الأقدمية، اعتمد المجلس قاعدة مفادها “إسناد كل قاضٍ مترشح لخطة وظيفية نقطة عن كل سنة أقدمية في القضاء ونقطة عن كل سنة أقدمية في الرتبة ونقطة عن كل سنة أقدمية في الخطّة القضائية”.

على صعيد العمل المنجز، ترك المجلس للجان التقييم بالمحاكم مسؤولية تنقيطه وفق “بطاقات التقييم” مع اشتراط “التعليل” و”إرفاق بطاقة التقييم بمؤيدات من ذلك التقارير الشهرية وعينات من الأعمال القضائية للقاضي المعني”. وانتهى في سياق توحيد نظام التقييم إلى بيان أنه تسند النقاط باعتبار “حجم العمل القضائي” (نقطتين) وجودة العمل القضائي (نقطتين) والقدرة على الإدارة (نقطتين) والتخصص (نقطتين) والالتزام (نقطة) والقدرة على العمل الجماعي (نقطة).

يلاحظ هنا أن النظام المعتمد وان كان يقل تفصيلا عن معايير التقييم التي أعلنتها الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي بمناسبة حركتها القضائية للسنة القضائية 2015-2016، فإنه انتهى لأن يكون نظاما يفرض قواعد موضوعية في تحديد المقصود بالكفاءة المهنية، وهي معايير تتدعم موضوعيتها بإقرار حق القضاة في المواجهة.

2- شفافية التقييم: الحق في المواجهة

حرمت قوانين ما قبل الثورة القضاة العدليين من حق الاطلاع على أعدادهم الصناعية خلافا لما خوّل لكل الموظفين العموميين وزملائهم في القضاء الإداري والمالي. وكان للهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي شرف المبادرة  لمحاولة فرض حق لهم في الاطلاع على تقييمهم المهني[3] بمناسبة الحركة القضائية السنوية لسنة 2015-2016، وهي محاولة  انتهت للفشل بسبب عدم تحمس المشرفين على المحاكم لها من جهة وبالنظر لعدم تنظيم الهيئة لآليات إنفاذها من جهة ثانية.

استعاد المجلس الأعلى للقضاء في معاييره التجربة. فأوجب أن “تعرض لجنة التقييم نتيجة عملها على القاضي المعني للإطلاع عليها وإبداء ملحوظاته بشأنها قبل توجيهها لمجلس القضاء العدلي”. وقد نص على أن للقاضي حق “الاعتراض عليها وبيان أوجه اعتراضه في أجل السبعة أيام الموالية لعرض تقرير التقييم مؤرخا وممضى من أعضاء لجنة التقييم عليه كما له إرفاق اعتراضه بالمؤيدات التي يرى فائدة في تقديمها ويحال تقرير التقييم مرفقا بمطبوعة الاعتراض على المجلس القضائي العدلي “الذي يبت في اعتراضه ويعلل قراره كتابة قبل البت في الحركة القضائية”.

ويلاحظ هنا أن الإقرار بحق القاضي في الاطلاع على تقييمه يعد تطورا مهما في تصور تقييم القضاة. كما يلاحظ أن تحديد آجال للبت في الاعتراض وشرط أن يصدر فيه قرار معلل يعد ضمانة مهمة لجدية النظر في الاعتراضات، تلك الاعتراضات التي كان يفترض أن يتحمل المجلس مسؤولية إبلاغ من تقدم بها بمآلها وهو أمر نأمل أن تكرسه الممارسة.

خلاصة

يظهر عند هذا الحد أن المجلس الأعلى للقضاء العدلي أجرى مراجعة نقدية للمعايير التي كان أعلنها سابقا بمناسبة الحركة القضائية 2018-2019 وجوبهت بانتقادات عدة على خلفية أنها تعطي أعضاءه سلطة تحكم كبرى[4]. وقد  يستدعي تطوير هذا المكسب وتثمينه أن يتولى المجلس مستقبلا نشر قوائم ترتيبية للقضاة باعتماد محصول تنقيطهم قبل كل حركة قضائية وهو أمر معمول به في قطاعات مهنية متعددة، ومن مفاعيله أن يمكن من يطمحون لتحصيل خطة قضائية من تبين حظوظهم ف يتحصيلها. كما يمكن المتابعين من التفطن لكل تلاعب محتمل قد ينتهي لإسناد خطط قضائية خارج المعايير المعلنة.

كما يبدو من المهم أن يفكر مجلس القضاء المالي ومجلس القضاء الاداري في استنساخ ذات التجربة طلبا لتطوير أداء القضاءين وتحفيزا لقضاتهما على تطوير أدائهم المهني كميا ونوعيا وقطعا مع سطوة قاعدة الأقدمية التي تحكم إسناد الخطط القضائية في القضاءين.

مواضيع ذات صلة:

المفكرة تنشر ورقتها البحثية ال 10 حول إصلاح القضاء في لبنان: القضاء الأعلى يرسي نظاما لتقييم القضاةما هي أبرز شروطه؟

 


[1]  يراجع في مقاربة هذه المعايير بما هو معتمد من معايير في التجارب المقارنة كتاب دليل حول معايير  استقلالية القضاء صفحة 65 وما بعدها . المفكرة القانونية . طبعة 2016 .

[2]   ورد تركيب اللجان تفصيليا بالوثيقة فكان ” تتركب لجان التقييم بالنسبة لقضاة الرتبة الاولى المباشرين بالمحاكم الابتدائية في الدوائر القضائية من رئيس المحكمة الراجعين اليها بالنظر ووكيل الجمهورية لديها ووكيل الرئيس المباشر للقاضي المعني بالتقييم.
-تتركب لجان التقييم بالنسبة لقضاة الرتبة الاولى المباشرين بالمحاكم الابتدائية في خطط القضاء الفردي(مساعد وكيل الجمهورية، القاضي المنفرد، قاضي الضمان الاجتماعي….)وخطة قاضي ناحية من رئيس المحكمة الراجعين اليها بالنظر ووكيل الجمهورية لديها.
-تتركب لجان التقييم بالنسبة لقضاة الرتبة الاولى المباشرين بخطة قاضي ناحية تونس من رئيس محكمة الناحية ووكيل الرئيس.
-تتركب لجان التقييم بالنسبة لقضاة الرتبة الاولى المباشرين بخطة قاضي ناحية سوسة وصفاقس والكاف من رئيس محكمة الناحية ورئيس المحكمة الراجعين اليها بالنظر ووكيل الجمهورية لديها.
-تتركب لجان التقييم بالنسبة لقضاة الرتبة الاولى المباشرين بالمحكمة العقارية بالمقر المركزي من رئيس المحكمة ووكيله الأول ووكيل الرئيس المباشر للقاضي المعني بالتقييم.
-تتركب لجان التقييم بالنسبة لقضاة الرتبة الاولى المباشرين بالمحكمة العقارية بمختلف فروعها من رئيس المحكمة ووكيله الأول ورئيس الفرع للذي يباشر فيه القاضي المعني بالتقييم.
-تتركب لجان التقييم بالنسبة للقضاة المباشرين للخطط القضائية بالرتبة الثانية بالمحاكم الابتدائية من رئيس المحكمة الراجعين إليها بالنظر ووكيل الجمهورية لديها.
-تتركب لجان التقييم بالنسبة لقضاة الرتبة الثانية المباشرين بخطة وكيل رئيس بالمحكمة العقارية بمقرها المركزي وقضاة الرتبة الثانية والثالثة المباشرين بخطة رئيس فرع بالمحكمة العقارية من رئيس المحكمة ووكيله الأول.
-تتركب لجان التقييم بالنسبة للقضاة المباشرين بمحاكم الاستئناف من الرئيس الاول والوكيل العام بمحكمة الاستئناف ورئيس الدائرة المباشر للقاضي المعني.
-تتركب لجنة التقييم بالنسبة لقضاة الرتبة الثالثة المباشرين بمحكمة التعقيب من الرئيس الاول ووكيل الدولة العام بمحكمة التعقيب ورئيس الدائرة المباشر للقاضي المعني بالنسبة للمستشارين.
-تتركب لجنة التقييم بالنسبة إلى القضاة المباشرين بالإدارة المركزية من وكيل الدولة العام مدير المصالح العدلية والمدعي العام مساعد وكيل الدولة العام مدير المصالح العدلية او المتفقد العام والمتفقد العام المساعد كل حسب المصالح التي يشرف عليها.
-تتركب لجنة التقييم بالنسبة إلى القضاة المباشرين بمركز الدراسات القانونية والقضائية من المدير العام للمركز ورؤساء الخلايا.
-تتركب لجنة التقييم بالمعهد الأعلى للقضاء من المدير العام ومديري الدراسات والتكوين المستمر.

[3] ليلى الزين  – تقييم القضاة التونسيين: تصورات بعيداً عن المجاملة  -المفكرة القانونية 01-04-2016

[4]   يراجع : ملاحظات المفكرة على معايير الحركة القضائية في تونس: معايير تصنع الاستتباع والانسجام على حساب الكفاءة -28-05-2018   المفكرة القانونية

 

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، تونس ، المرصد القضائي



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية