مجلس الدولة يتصدى منفردا لحماية استقلال القضاء


2017-05-16    |   

مجلس الدولة يتصدى منفردا لحماية استقلال القضاء

فاجأت الجمعية العمومية لمجلس الدولة الجميع بقرارها الصادر يوم السبت الموافق 13/5/2017 والذي انتهى إلى ترشيح إسم المستشار يحي دكروري منفردا لرئاسة المجلس، لتكون الهيئة القضائية الوحيدة التي اعترضت ضمنيا على الإمتثال لقانون تعيين رؤساء الهيئات القضائية الجديد، بامتناعها عن ترشيح ثلاثة أسماء من أقدم سبعة أعضاء بالمجلس، ما يطرح تساؤلات عن سيناريوهات تعامل رئيس الجمهورية مع قرار الجمعية العمومية لمجلس الدولة.

ويذكر أنه بتاريخ 27 أبريل، صدر القانون رقم 13 لسنة 2017، المعروف إعلاميا باسم قانون تعيين رؤساء الهيئات القضائية، بتعديل القوانين الأربعة المنظمة للهيئات القضائية وهي قانون السلطة القضائية وقانون مجلس الدولة وقانون هيئة قضايا الدولة وقانون النيابة الإدارية. بموجب هذه التعديلات، ألغي العمل بنظام الأقدمية المطلقة الذي كان متبعا قبل ذلك في تعيين رؤساء الهيئات القضائية. وكان يتم بناء عليه إختيار أقدم الأعضاء كرئيس لكل هيئة من قبل الهيئات القضائية بشكل مستقل، ليصدر من ثم رئيس الجمهورية قراراً بالإسم الذي اختارته كل هيئة. ورتب التعديل على الهيئات الأربع ترشيح ثلاثة من بين أقدم سبعة نواب لرئاستها، على أن يسمي رئيس الجمهورية رئيس الهيئة من بين هؤلاء. ويتعين إبلاغ رئيس الجمهورية بأسماء المرشحين قبل نهاية مدة رئيس المحكمة بستين يومًا على الأقل. وقد شكل هذا القانون طعنا بأحد مقومات استقلال القضاء في مصر والقائمة على تعيين رؤساء الهيئات القضائية وفق معيار الأقدمية من دون أي تدخل للسلطة السياسية أو حتى للقضاة أنفسهم.

مجلس الدولة يغرد خارج السرب القضائي

سارع كلا من مجلس القضاء الأعلى والنيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة إلى تطبيق القانون حيث تلقت رئاسة الجمهورية رسمياً، يوم الأحد 30 أبريل، قوائم المرشحين الثلاثة من المجالس العليا للهيئات الثلاث. ويلحظ أن نادي قضاة مصر كان اعترض على قرار المجلس الأعلى للقضاء من خلال الدعوة لجمعية عمومية طارئة للقضاة. وفيما طلب رئيس نادي القضاة من مجلس القضاء الأعلى السماح للنادي بعقد جمعيته العمومية الطارئة داخل بهو دار القضاء العالي، فإن طلبه هذا قوبل بالرفض "نظرًا للظروف الراهنة ولرفض جهات الأمن". ويؤشر ذلك إلى تحالف أجهزة الدولة في مواجهة القضاة: فمن ناحية، مرر البرلمان القانون الذي سارع رئيس الجمهورية للمصادقة عليه ونشره، وفي النهاية رفض الأمن عقد القضاة لجمعية عمومية طارئة داخل بهو دار القضاء العالي بداعي الأمن.

في الوقت الذي انصاعت فيه الهيئات القضائية الثلاثة للقانون الجديد، وانتهوا كذلك إلى الإنصياع لقرار الأمن بمنع جمعيتهم العمومية من الإنعقاد، بدا مجلس الدولة وكأنه قرر أن يغرد خارج السرب، آخذاً موقفاً تاريخيا ربما يكلفه كثيرا في مواجهة باتت وشيكة بينه وبين رئاسة الجمهورية بعدما أعلنت جمعيته العمومية يوم السبت 13 مايو عن تحديها للقانون وإصراراها على ترشيح إسم واحد وهو المستشار يحي الدكروري منفردا. وبذلك، يكون مجلس الدولة الهيئة القضائية الوحيدة التي امتنعت بشكل ضمني عن الإمتثال للقانون واكتفت بترشيح إسم أقدم نواب رئيس المجلس.

المجلس يرفض شرعنة القانون

رتب القانون جزاء في حال عدم تسمية المرشحين الثلاثة وإبلاغ رئيس الجمهورية بأسمائهم قبل نهاية مدة رئيس المحكمة بستين يومًا على الأقلّ، أو ترشيح عدد يقلّ عن ثلاثة، أو ترشيح من لا تنطبق عليه الضوابط المذكورة في الفقرة الأولى -أن يكون الأسماء من أقدم سبع نواب لرئيس المحكمة-. ففي هذه الحالة يحق لرئيس الجمهورية ان يسمي رئيس الهيئة من بين أقدم سبعة من نواب رئيس الهيئة القضائية. وبذلك نجد أن القانون تحسّب لمحاولة عرقلة القضاة لتنفيذ نصوصه بأن أعطى رئيس الجمهورية الصلاحية المطلقة في تسمية الرئيس من بين أقدم سبع نواب، في حال عدم إمتثال أي من الهيئات القضائية للنص. وتاليا، يكون مجلس الدولة من خلال تسمية إسم واحد قد رفض شرعنة القانون من خلال الإمتثال لأحكامه من دون أن يكون من شأن ذلك حرمان رئيس الجمهورية من إمكانية فرض المرشح الذي يريده من بين أقدم سبعة نواب لرئيس المجلس. وكأنما مجلس الدولة يقول للبرلمان ولرئيس الجمهورية: افعلوا ما قدرتم عليه ولكن ليس بإسمنا. وهم بذلك يحفظون لأنفسهم إمكانية الطعن بأي قرار قد يصدره رئيس الجمهورية بما تجيزه القواعد القضائية.

معول هدم القانون داخله 

لم يلاحظ مجلس النواب وأيّ من الجهات التي تبنت القانون الأخير أنها وضعت داخله معول هدم يستطيع القضاة أن يقاوموا تنفيذه من خلاله. ففي الوقت الذي عدل فيه القانون الجديد أسلوب تعيين رؤساء الهيات القضائية، إلا أنه أبقى على أسلوب ترشيح الثلاثة أسماء طبقا لنفس طرق تعيين الرؤساء قبل تعديل القانون، وهي الطريقة التي اختلفت من هيئة لأخرى. ففيما كانت نصت قوانين  الهيئات الثلاث -النيابة الإدارية، هيئة قضايا الدولة، السلطة القضائية – على تعيين رؤسائها من قبل المجالس العليا للهيئات القضائية، كان قانون مجلس الدولة أعطى هذه الصلاحية لجمعيته  العمومية. وهو الفارق الذي لم يلحظه البرلمان فأبقى عليه معدلا شروط التعيين ومعطيا رئيس الجمهورية هامشا للتدخل، من دون تغيير الجهاز المولج اساساً بالتعيينات. وقد ترتب على ذلك أمران:

الأول: عدم قدرة الأمن على عرقلة الجمعية العمومية لمجلس الدولة، لأنها هي المنوطة بتنفيذ القانون والمكلفة بترشيح الأسماء الثلاثة من بين أقدم سبعة نواب، وذلك بخلاف ما حصل بشأن  عقد الجمعية العمومية الطارئة لنادي قضاة مصر.

الثاني: جعل مسؤولية الترشيح مسؤولية جماعية يمارسها جميع أعضاء الجمعية العمومية لمجلس الدولة من دون أن تكون محصورة بعدد محدود من المستشارين (أعضاء المجلس الخاص لمجلس الدولة). وقد أدى ذلك إلى رفع الضغط عن هؤلاء وإلى تخفيف إمكانية الضغط أو التأثير على إرادة مجلس الدولة. فضلا عن أن الطابع الجماعي لهذه المسؤولية سمح لشباب قضاة مجلس الدولة بالتعبير عن رفضهم لتنفيذ القانون، مما أدى في النهاية إلى هذا المشهد.

السيناريوهات المتوقعة للخروج من الأزمة

وعليه، ألقت الجمعية العمومية لمجلس الدولة بالكرة مرة أخرى في ملعب رئيس الجمهورية الذي بإمكانه الآن اختيار أحد أقدم سبعة نواب لرئيس المحكمة، من بينهم المستشار يحي دكروري. وأمامه تاليا خياران:

الأول: اختيار اسم المستشار يحي دكروري باعتباره أحد أقدم 7 نواب لرئيس المحكمة. وفي هذه الحالة، يصبح اختيار رئيس الجمهورية متوافقا مع رغبة الجمعية العمومية للمجلس.  

الثاني: أن يختار الرئيس اسما مغايرا للمستشار يحي دكروري. وفي هذه الحالة يكون الباب مفتوحا للطعن على قرار رئيس الجمهورية ليس فقط من قبل المستشار يحي دكروري، ولكن لكافة أعضاء الجمعية العمومية باعتبار قرار الرئيس مخالفا لإرادة الجمعية العمومية ككل، مما يفتح لهم باب الصفة والمصلحة للطعن على القرار على خلفية عدم دستورية القانون الذي استند إليه.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية