مجلس الامة الاردني يقر لنفسه امتيازات مالية على حساب الشعب


2014-09-12    |   

مجلس الامة الاردني يقر لنفسه امتيازات مالية على حساب الشعب

في جلسة مشتركة عقدها مجلسا الاعيان والنواب برئاسة رئيس مجلس الاعيان لمناقشة مشروع قانون التقاعد المدني المختلف عليه بين المجلسين، اسفرت الجلسة عن موافقة الاغلبية الساحقة للمجلسين على منح اعضائهما راوتب تقاعدية مدى الحياة وبنسب تماثل رواتب الوزراء. ويعد هذا القانون من اكثر القوانين اثارة للجدل في الشارع الاردني لا لان ذلك يشكل انحرافا تشريعيا من مجلس الامة، باقراره لنفسه امتيازات تخالف الاعراف والتقاليد البرلمانية التي تقضي بأن البرلمان لا يشرع لنفسه درءا لتضارب المصالح وانما يشرع للبرلمان الذي يليه، بل لان  الملك نفسه كان رافضا لهذا القانون الذي ينم عن استغلال واضح للسلطة من قبل اعضاء مجلس الامه بشقيه الاعيان والنواب.

بدأت قصة قانون التقاعد المدني مع النواب قبل انتخابات البرلمان السادس عشر منتصف عام 2010، حيث اقدمت حكومة سمير الرفاعي وأثناء غياب البرلمان على إصدار قانون مؤقت (رقم 10 لسنة 2010 المعدل لقانون التقاعد المدني رقم 34 لسنة 1959) والذي يحرم اعضاء السلطة التشريعية من الرواتب التقاعدية.وقضى القانون بمنع النواب والاعيان من الحصول على رواتب تقاعدية بعد انتهاء مدة خدمتهم، والاكتفاء بمكافآت شهرية تصرف لهم نهاية كل شهر خلال فترة عضويتهم في البرلمان.وطبق القرار على أعضاء المجلس السادس عشر المنحل، إلا أن مجلس الأمة السادس عشر بشقيه: الأعيان والنواب، رفضا القانون المؤقت في جلسة مشتركة عقدت بتاريخ 24-4-2012، الامر الذي أدى إلى قيام حكومة فايز الطراونة باعلان بطلانه بتاريخ 15-5-2012

الا ان الملك كان له رأي آخر فاصدر ارادة ملكية بتاريخ 19-11-2012 تخالف توجهات الحكومة ومجلس الأمة، ورفض الموافقة على اعلان بطلان القانون المؤقت، وجاء الاعلان الملكي في أعقاب اسابيع قليلة من حل مجلس النواب السادس عشر.ووجه الملك في نفس اليوم رسالة مطولة الى حكومة عبد الله النسور طالب من خلالها "بإعداد دراسة شاملة لموضوع التقاعد المدني بما يضمن عدم استغلال هذا التشريع لتمرير مكتسبات تقاعدية ومالية غير عادلة، لا تراعي الصالح العام."[1]ومع بدء اجتماعات مجلس النواب الحالي (السابع عشر)، رأت الغالبية أن الارادة الملكية الرافضة لبطلان القانون قد تشوبها مخالفة دستورية، فتم التصويت بتاريخ 13-2-2013 على استفتاء المحكمة الدستورية بشأنها بهدف "اجلاء واتقاء الشبهة الدستورية" بحسب ما اعلن حينئذ رئيس المجلس سعد هايل السرور.ومن جهتها، اصدرت المحكمة الدستورية قراراً بتاريخ 23-7-2013 تؤكد فيه "انه لا يجوز معاملة القانون المؤقت في هذه الحالة اذا تم رفضه من قبل مجلس الامة معاملة القانون العادي (حسب الدستور) لان علاقة المجلس بالقانون المؤقت قد انقطعت ويبقى القانون ساري المفعول خلافا للوضع مع القوانين العادية".[2]وبناء على قرار المحكمة فان موضوع التقاعد المدني وبضمنه مسألة تقاعد النواب يجب ان تبحث من خلال مشروع قانون تقدمه الحكومة او تتقدم به بطلب من مجلس الامة وفق الاصول الدستورية.وقد جوبه قرار المحكمة الدستورية انذاك بهجوم شديد من النواب الذين وصفوه انه قرار مسيس يهدف الى كمّ افواه النواب[3] .وبعد هذا القرار، تقدمت الحكومة بمشروع قانون جديد ادخلت اللجنة القانونية بمجلس النواب بعض التعديلات عليه وعرضتها على المجلس الذي وافق عليها بتاريخ 24-9-2013.

الا أن مجلس الاعيان لم يوافق على التعديلات التي اجريت على مشروع القانون من قبل مجلس النواب بشكل كامل واضاف احكاما جديدة للقانون، الامر الذي استدعى اعادة مشروع القانون لمجلس النواب مشفوعا بملاحظات اعضاء مجلس الاعيان وتعديلاتهم[4].

وبناء على ذلك وفي ضوء الخلاف بين المجلسين وبعد ان ادرج مشروع القانون المعدل لقانون التقاعد المدني على جدول اعمال الدورة الاستثنائية الحالية لمجلس الامة، اجتمع المجلسان في 11-9-2014 للتصويت عليه وحسم الخلاف بينهما. وقد اسفرت الجلسة عن موافقة اعضاء المجلسين بأغلبية الحضور البالغ عددهم 195 من اصل 225 عضوا على التعديلات المدخلة على القانون، والتي ابرزها منح النواب والاعيان رواتب تقاعدية مساوية لرواتب الوزراء اذا بلغت الخدمة المقبولة للتقاعد سبع سنوات، وعلى ان يسري القانون بأثر رجعي على اعضاء مجلس الامة السابق الذين حرمهم القانون المؤقت لسنة 2010 من الحصول على الرواتب التقاعدية والبالغ عددهم 17 عينا ونائبا[5]. وبعد هذه الجلسة سيرفع مشروع القانون للملك للمصادقة عليه ونشره بالجريدة الرسمية. وله اذ ذاك صلاحيات محدودة: فهو اما يوافق على هذا المشروع، واما يلتزم الصمت، فيعتبر القانون نافذا حكما بعد ستة اشهر، أو يرفض المصادقة عليه، وعندها يعاد لمجلس الامة والذي يستطيع ان يتغلب على معارضة الملك اذا صوت على المشروع باغلبية ثلثي اعضائه وذلك وفقا لاحكام المادة ( 93 ) من الدستور الاردني[6].

وكان ينظر لجلسة مجلس الامة المشتركة اليوم بشقيه الأعيان والنواب، على انها من أهم الجلسات في تاريخ الحياة البرلمانية الاردنية لحسم الخلاف بينهما حول قانون التقاعد المدني المُرحَّل من الدورة العادية الأولى الماضية بهدف تقاسم مكاسب قانون التقاعد المدني.وتنبع أهمية الجلسة من كونها موضوعة تحت الرقابة الشعبية الدقيقة التي تنظر كيف يفكر ويقرر. ويرى ممثلو الشعب احواله الاقتصادية والمعيشية، واحوالهم الاقتصادية هم انفسهم في ظل التقارير الاقتصادية العالمية التي تتحدث عن انهيارات اقتصادية في المنطقة ومن ضمنها الاردن. وكانت جلسة اليوم فرصة حقيقية لممثلي الشعب كي يكونوا مع احاسيس وضمائر من يمثلون، لا أن يمثلوا عليهم، وهي فرصة لتجميل صورة الحياة البرلمانية وضرورتها في أعين الناخبين، حيث تتحدث تقارير خاصة عن انتخابات مبكرة يدرسها مطبخ صناعة القرار في الأردن[7].

ومما يثير سخط المواطنين من هذا السلوك من مجلس الامة ان تقرير مثل هذه الامتيازات يأتي وسط تضييق على المواطنين بموجب قوانين وممارسات حكومية تزيد الاعباء المالية على المواطنين وتطالبهم بالتحمل بحجة وجود ضائقة مالية خانقة تعيشها الموازنة العامة، آخرها ما تناقله الاعلام عن مشروع قانون ضريبة الدخل الذي يناقش حاليا في مجلس النواب والذي يرمي الى تخفيض الاعفاءات الضريبية ورفع السعر الضريبي على المكلفين الافراد مما يعني اعباء مالية اضافية على كاهل المواطن. ومن جهة اخرى هناك سخط شعبي عام من اداء اعضاء مجلس النواب واستهتارهم بمهامهم التشريعية والرقابية وسعيهم لتحقيق مكتسبات شخصية على حساب الوطن والمواطن. ففي تقرير نشره مركز راصد عن اداء المجلس النيابي الاردني للعام الحالي تبين منه ان مجلس النواب الاردني السابع عشر قد عقد خلال دورته العادية الاولى ما مجموعه (26) جلسة توزعت على (56) يوم عمل ، وان مجموع غياب النواب خلال الدورة العادية وصل 1429 غياباً، أي بمعدل غياب 28 نائب في كل يوم عمل[8]. ووفقا لاستطلاع للرأي اجراه مركز القدس للدراسات السياسية بلغ مؤشر الرضى العام عن اداء مجلس النواب الحالي (30%) فقط [9].

 
 



[2] وبررت المحكمة قرارها آنذاك بقولها "… لان المشرع الدستوري لم يأخذ بمبدأ التعامل مع القانون في حالة رفضه لحالة محددة نصا في المادة 93 من الدستور ولم يفعل الشيء ذاته مع القانون المؤقت نظرا للطبيعة الخاصة له باعتباره مختلفا في وضعه عن السياق العام للقوانين .. ولو كان المشرع قد شاء ذلك لفعل والقاعدة القانونية في التفسير تقول: (ان الاختلاف في العلة يمنع من التشريك في الحكمورأت المحكمة ان القانون المؤقت يتساوى مع مشروع القانون العادي في حالة اقراره او تعديله للمصادقة عليه، والامر باصداره ولا يتساوى مع القانون العادي في حالة رده من مجلس الامة وعدم موافقة الملك على اعلان بطلانه. وقالت المحكمة ان عدم موافقة الملك على اعلان بطلان القانون المؤقت (الذي منح النواب رواتب تقاعدية) مرفقة باسباب ومبررات الرفض في كتاب موجه الى رئيس الوزراء يتضمن توجيها الى الحكومة بوضع مشروع قانون جديد يتولى تنظيم جميع المسائل المتعلقة بتقاعد السلطات الثلاث والاشارة الى اعداد دراسة شاملة لموضوع التقاعد المدني بابعاده المختلفة تتوخى فيه العدالة والشفافية والموضوعية، ويعالج التشوهات التي سببتها مجموعة التعديلات التي ادخلت على القانون الحالي على مدار العقود السابقة."
[3]– النواب يشنون هجوما على المحكمة الدستورية بعد رفض تقاعدهم ، http://www.jo24.net/print.php?id=39113.
[6]– تنص المادة ( 93 ) من الدستور الاردني على انه " 1- كل مشروع قانون اقره مجلسا الاعيان والنواب يرفع الى الملك للتصديق عليه. 2- يسري مفعول القانون باصداره من جانب الملك ومرور ثلاثين يوما على نشره في الجريدة الرسمية الا اذا ورد نص خاص في القانون على ان يسري مفعوله من تاريخ آخر. 3 – اذا لم ير الملك التصديق على القانون فله في غضون ستة اشهر من تاريخ رفعه اليه ان يرده الى المجلس مشفوعاً ببيان اسباب عدم التصديق. 4-اذا رد مشروع اي قانون (ماعدا الدستور) خلال المدة المبينة في الفقرة السابقة واقره مجلسا الاعيان والنواب مرة ثانية بموافقة ثلثي الاعضاء الذين يتألف منهم كل من المجلسين وجب عندئذ اصداره وفي حالة عدم اعادة القانون مصدقاً في المدة المعينة في الفقرة الثالثة من هذه المادة يعتبر نافذ المفعول وبحكم المصدق. فاذا لم تحصل اكثرية الثلثين فلا يجوز اعادة النظر فيه خلال تلك الدورة على انه يمكن لمجلس الامة ان يعيد النظر في المشروع المذكور في الدورة العادية التالية " .
[8]– الملخص التنفيذي لتقرير راصد حول اداء مجلس النواب الاردني السابع عشر خلال الدورة العادية الاولى 2014 ، صادر عن برنامج مراقبة الانتخابات وأداء المجالس المنتخبة – " راصد " ، مركز الحياة لتنمية المجتمع المدني ، حزيران ، 2014 ، ص 28 وما بعدها  .
[9]– اكثر من ثلثي الاردنيين غير راضون عن اداء مجلس النواب الحالي ، صحيفة الدستور الاردنية ، تاريخ 25 / 6 / 2014 ، http://www.addustour.com/17257
انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، دستور وانتخابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، الأردن



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية