مجزرة الحرس الجمهوري، نظرية الدفاع المشروع وافتراض الاعتداء ضد العسكر


2013-07-22    |   

مجزرة الحرس الجمهوري، نظرية الدفاع المشروع وافتراض الاعتداء ضد العسكر

وقعت أحداث الحرس الجمهوري في 8 يوليو من العام الجاري، وقد راح ضحيتها ما يقرب من ثمانية وخمسين قتيلاً وإصابة أكثر من أربعمائة آخرين، ذلك عندما قرر عناصر القوات المسلحة ووزارة الداخلية المكلفين بتأمين مقر الحرس الجمهوري فض اعتصام المواطنين التابعين لتيار الإسلام السياسي المطالبين بعودة الرئيس السابق محمد مرسي الى سدة الحكم ورفضهم للانقلاب العسكري بحسب تقديرهم. كما أسفرت أيضاً عن مقتل اثنين من عناصر قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية وإصابة خمسة آخرين– وفقاً للمحضر رقم 9134/2013 جنح مصر الجديدة– نتيجة الإصابة بطلقات نارية وخرطوش.
رغم بشاعة الواقعة التي لا يمكن قبولها بأي حال إلا في حالات الحرب فقط، فقد خرج البعض مؤيدا قتل هؤلاء المواطنين بزعم رد الاعتداء الواقع عليهم، ولكن هذه الفرضية ليست صحيحة على إطلاقها، حيث أنه يفترض أولا تحديد من المعتدي ومن المعتدى عليه –ولم يقدر أحد الجزم بذلك– وما يؤكد رأينا التقرير المنشور في جريدة الشروق المصرية بتاريخ 20 يوليو 2013 تحت عنوان "31 مقابلة لصحيفة بريطانية تفشل في تحديد من بدأ المواجهة الدامية أمام الحرس الجمهوري".[1] ولكننا إذا افترضنا جدلا بأن القوات المسلحة هي الفريق المعتدى عليه في تلك الأحداث، فهل يجوز أن تقومالقوات المسلحة بهذه المذبحة ردا للعدوان الواقع عليهم من قبل مؤيدي الرئيس السابق محمد مرسي؟ وما إذا كان هناك تجاوز لحالة الدفاع الشرعي أم لا؟
إن أسباب الإباحة هي عبارة عن أحوال تكون فيها الواقعة محل التجريم والعقاب مكونة لجريمة من الجرائم التي يعاقب عليها قانون العقوبات، وبتوافر هذه الأسباب، فإنه يترتب علبها رفع صفة عدم المشروعية عن هذه الواقعة فلا تعد جريمة، ويعتبر الدفاع الشرعي أحد أسباب الإباحة.
الدفاع الشرعي هو حق مكرس في أغلب القوانين والتشريعات الداخلية للدول، والذي مفاده استعمال القوة اللازمة لصد خطر حال غير مشروع يهدد بالإيذاء حقاً يحميه القانون. وقد اعتبر الدفاع الشرعي حقا يمنح للمعتدى عليه لكي يرد خطر الاعتداء الواقع عليه إذا لم يكن في مكنته أن يلجأ إلى السلطة العامة في الوقت المناسب لكي تحميه وترد عنه الخطر، وبالتالي لم تقرر التشريعات –وأخصها التشريع المصري-عقوبة مطلقاً على من يقتل غيره أو يصيبه بجراح أثناء استعماله لحقه في الدفاع الشرعي. حيث أن القانون اعتبر الدفاع الشرعي سبباً عاماً للإباحة، يترتب على وجوده رفع صفة عدم المشروعية عن فعل المدافع ويعود به إلى دائرة المشروعية، كما أن المقنن اعتبر أن الإضرار بمصلحة المعتدي يعد إضراراً مشروعاً تقديراً منه أن مصلحة المدافع في حماية مصالحه وحقوقه تكون أجدر بالحماية من حماية شخص المعتدي. 
في حقيقة الأمر أن هذا الحق ليس حقا مطلقا، نظرا لخطورة التذرع به لتبرير استخدام القوة بين المعتدى عليه والمعتدي، وبالتالي تم إخضاعه لمجموعة من الضوابط، وأهمها (مبدأ تناسب الدفاع مع جسامة الخطر) حيث أنه وعلى فرض أن القوات المسلحة هي المعتدى عليه، فإن استعمالها لهذا الحق يبقى خاضعا لمبدأ التناسب، أي أن يكون استخدام القوة في فعل الدفاع متناسبا مع العدوان.
وهذا المبدأ يتماشى مع ما قررته مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين في المادة 3 التي تقرر أنه "لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القانون استعمال القوة إلا في حالة الضرورة القصوى وفي الحدود اللازمة لأداء واجبهم"، فهذا الحكم يشدد على أن استعمال القوة من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين ينبغي أن يكون أمرا استثنائيا، مع أنه يوحي بأنه من الجائز لهؤلاء الموظفين أن يستخدموا من القوة ما تجعله الظروف ضروريا من أجل تفادي وقوع الجرائم، وبالتالي فهو –الحكم– لا يجيز استخدام القوة بشكل يتعدى هذا الحد.
قبل أن نتطرق إلى تجاوز حدود الدفاع الشرعي، لابد من لفت الانتباه أن معيار تناسب فعل الدفاع مع جسامة الخطر إذا انطوى على استخدام قدر من العنف لا يجاوز القدر الذي كان يستخدمه شخص معتاد –أي الشخص الذي يقدر الأمور ويتصرف في مواجهتها على النحو المألوف المتفق مع الخبرة الإنسانية العامة-أحاطت به نفس الظروف التي أحاطت بالمدافع. وللقاضي في هذه الحالة أن يضع نفسه موضع المدافع ويتساءل عما إذا كان يرد الخطر بالفعل الذي التجأ إليه أم أنه كان يلجأ إلى أفعال أقل جسامة، وهذا المعيار لا يعد معيارا موضوعيا خالصا، إذ لا يجوز إغفال الظروف المحيطة بالمدافع والتي جعلته يتصرف على النحو الذي تصرف به.
ما يجعلنا نجزم انتفاء مبدأ التناسب في هذه الواقعة، ما يؤكده المحضر –سابق الإشارة إليه-والذي أُثبت فيه من جانب احدى قيادات وزارة الداخلية، أن المعتصمين قاموا بمهاجمة مقر الحرس الجمهوري وأطلقوا الأعيرة النارية (رصاص، خرطوش) والقنابل الحارقة، والرشق بالحجارة وإلقاء المخلفات الصلبة من أعلى العقارات المجاورة للمقر، وعلى أثر ذلك قامت قوات الأمن بالسيطرة على الموقف باستخدام الرصاص الحي. فإن ما نجم من خسائر بين الفريقين المعتدي والفريق المعتدى عليه لم تكن متناسبة على الإطلاق وفقا لما سبق بيانه من حالات الوفاة والإصابة مما يدل على أن هناك تجاوز لحدود الدفاع الشرعي للأسباب الآتية: (1) إن تسليح القوات المسلحة تسليح يجاوز في قوته ما استخدمه المعتصمون من أسلحة. (2) إن ما تملكه القوات المسلحة من إمكانات في التدريب والعتاد والدروع الواقية من الرصاص أقوى بكثير مما يملكه الفريق الآخر. (3) إنه كان في استطاعة أفراد القوات المسلحة عدم توجيه نيرانهم لقتل المعتدين، حيث أنه بما يملكونه من خبرات ومهارات قتالية تمكنهم من إصابتهم دون قتلهم.
ينتج عن هذا التجاوز تطبيق المادة 251 من قانون العقوبات التي تقرر "لا يعفى من العقاب بالكلية من تعدى بنيه سليمة حدود حق الدفاع الشرعي أثناء استعماله إياه دون أن يكون قاصدا إحداث ضرر أشد مما يستلزمه الدفاع، ومع ذلك يجوز للقاضي إذا كان الفعل جناية أن يعده معذورا إذا رأى لذلك محلا وأن يحكم عليه بالحبس بدلا من العقوبة المقررة في القانون".
في النهاية، يجدر الذكر أن هذه الواقعة تضع اليوم النائب العام الجديد هشام بركات أمام اختبار هام. فهل سيقوم بإجراء تحقيقات جدية في هذه الواقعة للوقوف أولا على الفريق القائم بالاعتداء، والتناسب بين الخطر وفعل الدفاع، وإثبات القوات المسلحة وقوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية أن ما أتوه من أفعال دفاعية كانت هي السبيل الوحيد أو أنسب الأساليب لدفع الخطر الواقع عليهم، أم أنه سيترك الأمر للنيابة العسكرية، الوحيدة المختصة على أساس فرضية أن الاعتداء وقع على منشأة عسكرية وعلى أفراد القوات المسلحة وفقاً لقانون الأحكام العسكرية، مع تغييب كامل لاحتمال أن يكون المجني عليهم هم المدنيين؟

انشر المقال

متوفر من خلال:

حريات عامة والوصول الى المعلومات ، مصر ، مقالات ، حراكات اجتماعية



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية