متظاهرو طرابلس وصدمة ما بعد الاحتجاز: حرّية بطعم المرارة


2021-05-27    |   

متظاهرو طرابلس وصدمة ما بعد الاحتجاز: حرّية بطعم المرارة
محمود قاسم، مهدي البحري ومحمد الباي

طوت طرابلس صفحة الأحداث الأمنية الأخيرة بخروج آخر أربعة موقوفين: محمد الباي، محمود قاسم، وائل حمزة، ومهدي بحري. خرج هؤلاء من حبسهم، ليجدوا أن العالم تغيّر فعلياً في الخارج، الأزمات باتت أضخم، ومآسي الناس أمست أكبر. مرّ هؤلاء بتجربة مريرة لم تقتصر على الاحتجاز بل على توجيه تهمة الإرهاب إليهم، مرارة نتلمّسها من إصرار البعض على الصمت، أو حتى تفضيلهم عدم الكلام عن تلك المرحلة باعتبارها تجربة قاسية مع النظام اللبناني الذي ما زال له اليد الطولى في إسكات المعارضين.

تتكرّر بعض القصص نفسها على ألسنة الشبّان، وتحديداً السردية المتّصلة بالثورة من أجل الحياة الكريمة، والحد الأدنى من الحقوق الأساسية، بالإضافة إلى لبنان جديد ومختلف صالح للعيش وتأسيس عائلة. وعلى الجانب الآخر من تلك السردية، دولة ظلمت أبناءها مرّتين، في المرّة الأولى همّشتهم وحرمتهم من حقوقهم، وفي المرّة الثانية اعتقلتهم ووضعتهم في موقع الخيار الصعب بين “الاعتراف بما نُسب إليك في التحقيق، أو مواجهة التهمة الجاهزة لأبناء طرابلس (الإرهاب)، على حد تعبير محمد الباي.

تواصلت “المفكرة القانونية” مع الشبّان المُخلى سبيلهم، وأجرت حوارات مع ثلاثة منهم: محمود قاسم، محمد الباي، ومهدي البحري بعد أن تعذّر إجراء مقابلة مع وائل. وتلمّست “صدمة ما بعد التوقيف” و”صدمة ما بعد الحرية” سواء لناحية الآثار النفسية التي تركها الاحتجاز عليهم، أو خروجهم ليروا المشاهد القاسية التي تكيّف معها بعض اللبنانيين حيث ارتضى بعض المواطنين بتسوّل حقوقهم في الطوابير.

الشيف محمود قاسم

إلى عالم المطبخ الذي يُحب، عاد الشيف محمود عبد الله  قاسم، ففي هذا الحيّز من المطاعم يفجّر طاقته الإبداعية ويعبّر عن مكنونات نفسه بصدق وحب. منذ الوهلة الأولى تلحظ مزايا شخصية هذا الشاب الرومانسي الحالم، فلا يسعك سوى أن تسأل كيف لهذا الشاب أن يكون له أيّ دور في أحداث الشغب. يبادر محمود ليؤكد أنّ هذا الانطباع أفصح عنه أيضاً المحققون والقوى الأمنية أثناء سجنه، كما يتحدّث عن إحدى سماته الشخصية فهو لا يمتلك شبكة علاقات اجتماعية قويّة، فهو “من البيت إلى الشغل وبالعكس، ولا يزور سوى بيت عمّه وخطيبته”. ويؤكّد محمود أنه “في حياتي لم أشترك في إشكال، ولم أدخل إلى مخفر”. 

محمود قاسم

يجزم محمود أنّه “سُجن ظلماً” لأن تواجده في ساحة النور كان من أجل المطالب المعيشية والتعبير عن اعتراضه على إقفال البلاد بسبب كورونا بدون تأمين البديل، وكان يتواجد بعيداً عن منطقة الهجوم على السرايا. “كذلك في تلك الليلة عندما تم إحراق البلدية كنت خارج تلك المنطقة” يضيف، موضحاً أنّه بعد توقيفه عند “برّاد البيسار”، اقتيد إلى التحقيق معه في قسم المخابرات في طرابلس، وفي اليوم التالي نُقل إلى وزارة الدفاع.

يقول قاسم “تمّت مواجهتي بتهمة حرق البلدية، واعترفت بهذه التهمة بسبب الضغط النفسي والتهديد بملف الإرهاب، فكّرت ملياً، وارتأيت أنّه بين التوقيف بتهمة إرهاب، أو حرق البلدية، أختار حرق البلدية”. يبرّر محمود هذا الخيار بأنّها “المرّة الأولى التي يدخل إلى هكذا مكان (التوقيف)، وشعرت بالخوف الشديد، فهو حياته كلها تدور في المطبخ، ولا يجيد فعل أمر آخر، بدأها في عمر 14 سنة، وفضّل الطبخ على الرحلات والزيارات، وقاده ذلك للعمل في أهم المقاهي والمطابخ”، مشيراً “لو كان سجلّي العدلي مشبوهاً، ولم أكن آدمي ما كُنت قُبلت في تلك المحلات”.  ويضيف “لا أعرف أيّاً من تشكيلات الثورة، وأشخاصها، وتعرّفت على القاصر علاء كمّون خلال انتقالنا إلى المحكمة العسكرية، وعلمت أنّه خرج بعد إخلاء سبيلي”.  

بعد نقله إلى الشرطة العسكرية في ثكنة فخر الدين – الرملة البيضاء في بيروت، بدأ فصل جديد من رحلة الاحتجاز، يلفت إلى أنّه “شعر بالخوف الإضافي هناك، لأنّه تواجد مع سجناء ومحكومين بقضايا مختلفة”. قضى في السجن شهرين و26 يوماً، كان يعدّها بالساعات، كان على تواصل مع أهله بصورة يومية. يلفت محمود إلى أنّه قضى أكثر فترة حبسه في السرير، إمّا نائماً أو يقرأ القصص الموجودة في الحبس، وكان ينتظر الزيارات الدورية من عائلته وخطيبته.

قضى الأيام العشرة الأولى من رمضان في الحبس، شعر بالأسى بسبب بعده عن أسرته وحبيبته زينة، ولم يكن همّه الأكل بقدر الزعل على الفرقة. يقول محمود “كان البكاء هو الطبق الأساسي على طاولة الإفطار، لأنني حُبست ظلماً”. بعد خروجه، حاول تعويض ما فات، وتذوّق الأطباق التي حرمه الحبس منها.

محمود مشجّع “للدم” لنادي النجمة “صاحب أكبر جمهور في لبنان”، ويقول إنّ سعادته كانت مضاعفة لأنّه “خرج عشية ديربي النجمة والأنصار”، ويجد في ذلك علامة إيجابية في تجديد حياته. 

يبلغ محمود ابن التبانة 24 عاماً، وهو على غرار أبناء المناطق الشعبية لم يمتلك ترف التعليم العالي، بعد تحصيله الأساسي ووصوله إلى الصف السابع، انتقل إلى معهد نادر الفني، في القسم الداخلي حيث أكمل تعليمه لأنّه “ليس لديه القدرة على الانتقال بين الكورة وطرابلس بصورة يومية”. هناك بدأت تتفتّق شخصيّته المهنية التي ورث جانباً منها من والده، تعلّق محمود بمصلحته لأنّه شعر بأنّه يتطوّر في المطبخ والفندقية. تنقّل في عمله بين مناطق مختلفة، استكشف لبنان المتنوّع والمنفتح، من بعبدات، إلى برج حمّود، والبترون. يؤكّد أنّه اكتسب “نمط حياة” تلك المناطق، وأنّه كان يعود إلى طرابلس في نهاية الأسبوع للقاء عائلته.

بدأت مسيرة محمود الكفاحية منذ الصغر، حيث بدأ بالعمل في مجال الحلويات وسكاكر العيد، لأنّه “لا يحبّ أن يطلب من إنسان وذلك منذ طفولته، لأنّه لا يشتري أي شيء دون قدرته”، ويضيف “ما بتهمّني المصاري إذا معي بجيبتي ألف ليرة، وطلبها محتاج لا أتردّد بمنحه إياها”.

يرفض محمود وسم طرابلس وأبنائها بالطائفية، لأنّهم يتكيّفون مع كافة الظروف، ويتعايشون مع الكلّ. ويكرّر أنّه كان يحلم بالدخول إلى الجيش للحفاظ على لبنان، وهو تقدّم في سن 18 عاماً بطلب التحاق، إلّا أنّه لم يحظَ بالقبول بالرغم من تقديمه مرتين، “ربما لأنّي لا أمتلك واسطة”، أو ربما بسبب انتمائه لمنطقة التبّانة، مستنكراً ذلك لأنّه إذا كان هناك “مشكلجي في منطقة، لا يعني أنّ الجميع كذلك”. ويستذكر محمود أنّه “كان يطبخ لعناصر الجيش المتواجدين في التبانة، ويشاركهم الإفطار في بعض الأحيان”. وقد أخبر قاضي التحقيق في المحكمة العسكرية “أنا مع الجيش، وأنا على استعداد للانتساب مباشرة في حال سُمحَ لي” بسبب حبّه للمؤسسة العسكرية التي ينتمي إليها أعمامه وأبناء ضيعته الأساسية  مشتى حسن – عكار.

يطمح محمود لأن يؤسّس عائلة مستقرة، وهو يدرك أنّ هذه المسألة باتت أصعب بسبب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، فهو يتقاضى مليوناً و200 ألف ليرة حالياً، فيما يدفع 500 ألف ليرة كأجرة نقل، و12 ألف ثمن علبتي دخان، وهو يستمرّ بالعمل بسبب الحب. ويحلم محمود بعودة لبنان إلى سابق عهده والدولار 1500 ليرة، لكي تتحسّن المعيشة.

يطالب محمود الناس بعدم معاملة موقوفي أحداث طرابلس وفق الصور النمطية، لأنّ الثورة ليس تهمة، ولا تعني بأي شكل من الأشكال معاداة الجيش والقوى العسكرية.

 محمد الباي الثائر حتى النهاية

بعد حوالي أربعة أشهر من التوقيف، خرج آخر متظاهري طرابلس الموقوفين محمد الباي، ولم تكد تمرّ ساعات على إخلاء سبيله حتى عاد إلى التحرّكات على الأرض هذه المرة من باب الانتصار لمظلومي غزة. بلغة حاسمة يتحدث محمد أنّه لن يتخلّى عن الثورة، وأنّه لن يتردّد في النزول إلى الشارع رغم احتمال التوقيف مجدداً، لأنّ “الناس نزلت إلى الأرض من أجل المطالبة بحقوقها الأساسية من الدولة الظالمة”، وبالتالي فما جرى معه لم يغيّر بقناعاته.

محمد الباي مع والدته

تتضمّن قصة محمد عنصراً فارقاً فهو “إصابته بداء الصرع”، وهو يصاب بنوبات بصورة مزمنة ودورية، وبالرغم من ذلك تم اعتقاله في مكان مكتظ داخل سجن رومية حيث هناك شكوى مستمرة لناحية عدم توافر الظروف الصحية، والبيئة النظيفة والسليمة.

يقول محمد إنّه تعرّض للعنف في مرّات عديدة أثناء جلسات التحقيق الأوّلي، ويضيف “لم تُفلح المطالبة في ثنيهم عن ذلك، مع أننّي أبلغتهم بأننّي مريض وأعاني من نوبات صرع”. يعتقد محمد أنّ “دولتك تشتغل ضدك، ولا يناسبها نزولك الى الشارع والمطالبة بتحسين الظروف المعيشية ولقمة العيش، والمستقبل الكريم للأبناء”.

عاش محمد تجربة قاسية داخل الحبس، حيث قضى شهراً لدى شعبة المعلومات، وثلاثة أشهر في سجن رومية، واصفاً المعاملة في مكان التحقيق والتوقيف بـ “اللاإنسانية”، وظروف الاعتقال والمكان بالفوضوية. ويشير إلى أنّه تمت مواجهته بتهمة “بيع باب السرايا”، لافتاً إلى أنه اعتقل في ليلة إحراق البلدية في 28 كانون الثاني، حيث أطبقت عليه دورية من فرع المعلومات مؤلفة من 7 عناصر في منطقة السرايا العتيقة، وتم اقتياده للتحقيق معه.

يروي محمد بعض الصور من داخل سجن رومية، هناك “الماء وسخ، ويحتوي على الرمل، وأحياناً ينزل منها الدود”، كما أنّ “الطعام كان حلاوة ومربّى”، وكانت مياه الشرب مقطوعة، والمنامة كانت في مكان مكتظ. ويقول إنّه بصعوبة كان يحصل على دواء الأعصاب “علماً أنّه لا يمكنني الاستغناء عن الكاردينال والديباكين”، ناهيك عن تعرّضه للشتم في سجن رومية من قبل أحد العناصر الأمنية. وبرأي محمد طبيب السجن المناوب “غير دقيق في معاينته وفحصه، وحتى لو وقعت أمامه يقول إنّك سليم”.  

يفيد محمد أنّه اعترف للمحققين “تحت وطأة التهديد بالتعذيب” بأنه “باع باب السرايا من أجل شراء أدوية الأعصاب لأنّ الدولة سرقتني”، وأكّد أنّه “لا يحشش، لا يشرب دخان، ولا يسرق”، مضيفاً “حطوها كلّها فيني للتهمة مع إنّي لم آخذه”، و”أشعروني كأنني فجّرت مرفأ بيروت وقتلت الناس، أو أني سرقت أموال المواطنين”. 

يعبّر محمد الباي عن فخره بهذه الدعوى التي تمت ملاحقته بها، “دخلت إلى السجن والناس تحبني”، وهو سبق أن تحمّل الرصاص المطاطي في الصدر بسبب مشاركته بالتحركات في بيروت وطرابلس، وتشهد بعض الندوب في صدره على بعض ما يقوله. ويعتبر محمد أنّ من يسكت بسبب التهديد بالتوقيف مجدّداً، لن يصل إلى التغيير، مذكّراً بأنّه والناشطة سناء الشيخ كانا أوّل من وقف بوجه قوّة مكافحة الشغب أمام مجلس النواب في بيروت، وكذلك كانا أول من تسلق الجدار الذي يحمي مجلس النواب من هجمات الثوّار، كما أنّه ابتكر جزءاً من شعارات الثورة التي تدين الواقع والساسة “نزلنا بشرف أحسن ما نعيش بقرف”.

خرج محمد من السجن بعد انقضاء شهر رمضان وعيد الفطر، وهذا ما ضاعف الأسى لدى والدته أمل – أم ذكي – المشهورة بأنها “سيدة المهمات المستحيلة” فهي كرست حياتها بين الاهتمام ببيتها وعملها اليومي من أجل تربية أبنائها الأيتام. ويقول محمد إنه كان ينتظر موعد الاتصال بأمه، وكان يطمئنها عن نفسه لكي لا تنهار أو تزداد عذاباتها لأنه “ما حدا بيلمك إلّا أمك”. تتحدّث الوالدة عن عبء المشوار إلى رومية، فإلى جانب الكلفة المادية الكبيرة للانتقال إلى تلك المنطقة البعيدة عن طرابلس، هناك الانتظار لمدة ثلاث ساعات تحت الشمس في الطريق، بالإضافة إلى التفتيش “المبالغ فيه الذي يطال حتى الملابس الداخلية”، وهي لا تتمنّى لأحد تجربة لحظات الانتظار والذلّ، وهي “تحمد الله على أنّها ارتاحت من تلك الطريق التي تربطها بها ذكريات أليمة”.

تلمّس محمد الباي بعد خروجه أنّ “حياة الحرية أصبحت أصعب من الحبس نفسه لأنّ الدنيا غلاء ونار”، وهو يتحسّر على الأطفال لأنّه “كانت ألف ليرة تكفي الطفل كخرجية، أمّا الآن فأصبح كلّ طفل يحتاج إلى عشرة آلاف وما فوق وهو أمر صادم”، ساخراً “إذا بدّك تطلب عروس صار أسهل من إنّك تشتري من الدكان”. ويتمنّى العثور على فرصة عمل فهو منذ الصغر يعمل من أجل تحصيل مصروفه الخاص، فقد كان يعمل في السوق لقاء 30 ألف ليرة يومياً، يشتري بها صندوق “كِلل”، ويبيعها لاحقاً للأطفال 15 كِلّة بـ 250 ليرة، هذا الأمر كان يزرع الفرح في قلوب الأطفال، ويغنيه عن الحاجة للناس. كما كان يعمل في تحميل الخشب، والمهن الصعبة كما هي حال أبناء الحارات الشعبية الذين لم يحظوا بفرصة تعليم عال، أو تأهيل مهني.

استفاد محمد من مشاركته في الثورة، وتعلّم كيفية حماية نفسه من الغاز المسيل للدموع، ولذلك فقد قدّم المساعدة للسجناء داخل سجن رومية  في انتفاضتهم الأخيرة ضمن السجن، حيث علّمهم عند مواجهة المسيل للدموع أن “يتنشقوا البصل”، و”يغسلوا عيونهم بالبيبسي”.

فور خروجه عاد محمد إلى ساحات الثورة، كما شارك في الوقفات التضامنية مع فلسطين التي ملأت طرابلس.

مهدي البحري “تعلّمنا الدرس”

عاد مهدي البحري ابن الـ23 سنة إلى الحارة البرّانية، وعادت البسمة إلى وجه والدته لينا. يتحفّظ الشاب اليافع كثيراً في رواية ما حصل معه أثناء التوقيف والسجن، علّها تكون الأخيرة. فهو يؤثر الصمت على الحديث عما جرى وراء أسوار السجن. هذا التحفظ تجد له مبرّراً، فالعائلة تنظر إليه على أنّه “السند”، كما أنّه “تعلّم دروساً في السجن الذي كان بمثابة غربال لمعادن الناس، بين من وقف جانب الثوّار الحقيقيين ومن تركهم يواجهون مصيرهم بمفردهم”.

مهدي البحري

قضى مهدي أربعة أشهر وستة أيام في الحبس، ويحمل منها ذكريات سيئة، لذلك يكرّر “تنذكر وما تنعاد لأن يلّي شفناه ودقناه ما حدا شافوا ولا داقوا من تحطيم” من القريب والبعيد. في موازاة ذلك، يجزم “نحن مع الثورة للدم، ولكن أصبح لديّ تردّد في النزول إلى الأرض لأنّنا دفعنا الثمن، ولم يبك علينا أحد إلّا الأم والعائلة”.

لم تتمكن العائلة من زيارته ولو لمرّة واحدة، فقد كان متواجداً في ثكنة زغيب في صيدا، ولا تمتلك العائلة الإمكانيات المادية للتنقّل كل هذه المسافة. كان يتمّ التواصل معه من خلال الهاتف مرّة كل خمسة أيام، ولخمس دقائق فقط. يقول الشاب “أنا لا أعرف القراءة أو الحساب، ولكنني كنت أعدّ الأيام على أصابعي ليأتي اليوم الخامس (المقدّس) الذي أسمع فيه صوت أمي، لم يكن همي الخروج، كنت أقف على الباب كل الوقت بانتظار مناداتي، وكان همّي طمأنتها فأنا أعيش من أجلها”. ولا يُنكر مهدي أنّه كان يوهمها بأنّه بخير داخل الحبس، ولم يتعرّض لأي أذية جسديّة، وأنّه يحصل على تغذية سليمة، ويمارس الحياة الطبيعية. ورغم رفضه الحديث عمّا حصل معه في الحبس إلّا أنّ هذا الكلام يشي بأنّ الواقع هو عكس ذلك تماماً.

يشبه مهدي السجّانين، العسكر، والمساجين بأصابع اليد الذين لا تجتمع فيهم الصفات الواحدة. ويتطرّق إلى مسألة الملابس حيث كان يحصل على بعض الملابس من خلال “الصليب الأحمر” والجمعيات الخيرية، كما كان الشبّان في الداخل يضطرون لتبادل الملابس عند الحاجة.

حمل مهدي معه من داخل السجن ذكريات بعضها مؤلم، بالإضافة إلى مسبحة مزركشة من أحد السجناء “أبو رجب”، وكذلك عقد من حبوب الزيتون الذي صنعه له أحد السجناء، وقام باهدائه إلى سائق التاكسي الذي نقله من صيدا إلى بيروت ثمّ أوصله إلى موقف الفانات إلى طرابلس “فهو شاب صغير وحدود عالمه طرابلس، لا يعرف شيئاً في بيروت” حسب تعبير مهدي.

حلّ رمضان ومهدي في السجن، ويقول عن ذلك إنّ أوّل يوم في رمضان كان أصعب أيام سجنه، لأنّه حرم من الجلسة العائلية، وأنه لم يتمكّن من الإفطار بصورة فعلية حتى اليوم الثالث من رمضان، وكان يكتفي بالماء وبعض حبوب التمر، فيما تناول الجبنة الصفراء المعلّبة (القروانة)  في الأيام التالية.

في الأسبوع الأخير من رمضان أخلي سبيل مهدي البحري. تقول الوالدة “أنا عيّدت يوم طلع مهدي، لأننا كنا نعيش على أمل الخروج إذا مش الإثنين – الخميس” وكأنّ العدالة ورقة يانصيب.

تروي اللحظات الأخيرة الأصعب في مسار التوقيف، “الخميس – 6 أيار-  أبلغني المحامي أنّه تمّ إخلاء مهدي، وكان الانتظار الطويل، وازداد الخوف مع إبلاغنا بأنّ البرقية لم تصل إلى مركز توقيفه”. مع تأكّدها من إخلاء سبيل ابنها سمحت لنفسها بأن تفرح، وقامت بتحضير الطعام الذي يعوّض عن فترات الحرمان داخل الحبس، إلّا أنه لم يصل حتى اليوم التالي.

حين وصل مهدي إلى ساحة النور كان الأحبّة في استقباله، غمرت فرحة اللقاء قلب العائلة ولكنّه فرح لن يكفي لينسيه ما قاساه في السجن وتوجيه تهم باطلة إليه خصوصاً الإرهاب، ولن يكفي الوالدة “الصبورة التي تحمّلت الكثير من المعاناة” خلال فترة سجنه تحتاج من بعدها إلى “جلسات دعم نفسي” على حد قولها.

يقول مهدي: “نزلنا للمطالبة بالعيش بكرامة، ورغيف الخبز، وليس من أجل السرقة أو الاعتداء على الأملاك”، محمّلاً ساسة المدينة مسؤولية الفقر والتهميش لأنّه “آخر همّهم إذا الشباب بتموت أو بتعيش”. ويستغرب تغيّر نظرة البعض إليهم لمجرّد دخولهم السجن بغضّ النظر عن السياق الذي سجنوا فيه، مذكّراً هؤلاء بأنهم “دخلوا إلى السجن بدعوى مشرّفة”.

يقول مهدي إنّه يعمل من سن السبع سنوات في مصلحة الدجاج، ليساهم في إعالة عائلته، ولا يمكنه الابتعاد عن الأسرة طويلاً، وكان “عندما يخفّ الشغل يبحث عن عمل آخر مثل العمل مع شركة تنظيف”. وهو اليوم بعد الخروج من السجن، يجد نفسه عاطلاً عن العمل، يبحث عن دخل يؤمن له استقلاليته. ويتمنّى أن “يكون مستقبله في بلاد برّا لأنّه يريد أن يعيش بكرامة والحصول على فرصة عمل”.

تحدّث الشبّان عن دور إيجابي للمحامين مع أنّ اللقاء بهم كان غير منتظم، محمد الباي أكد أنّه استفاد كثيراً من نظام المعونة القضائية لأن وضعه المادي معدم. أما والدة مهدي البحري فأشارت إلى تواصل دائم مع لجنة المحامين في بيروت، ذلك أنّهم كانوا في متابعة مستمرّة للملف. أما محمود قاسم فقد أشار إلى تعاون المحامين معه، وساهم هؤلاء في إنجاز الملف وعودته إلى الحرية، ويتمنّى مساهمتهم في إنجاز الملف في المحاكم لأنّهم خرجوا بموجب إخلاء سبيل.

بالفعل رغم إخلاء سبيل جميع الموقوفين في هذه القضية إلّا أنّ محاكمتهم مستمرّة بانتظار صدور القرار الظنّي عن قاضي التحقيق العسكري. وبالتالي، طوت طرابلس صفحة الأحداث الأخيرة على مضض، ولا تزال ذاكرة الموقوفين وجدران السجون، تحفل بكثير من التجارب التي لم يتمّ الإفصاح عنها، كُلٌ لأسبابه الخاصّة، حيث تتقدّم الظروف النفسية، والأولويات العائلية والسلامة الشخصية في كثير من الأحيان على البوح، وذلك حقٌ مقدّس للأفراد. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، انتفاضة 17 تشرين ، حرية التعبير ، قرارات قضائية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، محاكم عسكرية ، محاكمة عادلة ، محاكمة عادلة وتعذيب