مبدأ القاضي الطبيعي في مجلس شورى الدولة اللبناني: ضمانة ضرورية في مواجهة رؤساء الغرف


2020-06-25    |   

مبدأ القاضي الطبيعي في مجلس شورى الدولة اللبناني: ضمانة ضرورية في مواجهة رؤساء الغرف

من شروط المثول الفعّال أمام قاضٍ هو تمتّع الأخير بالاستقلال. وإذا كان يقصد بهذه الصفة التي تكرّسها المادة 20 من الدستور اللبناني، استقلال القاضي عن السلطات الدستورية الأخرى والدفاع عنه في مواجهة التدخّلات السياسية والطائفية، فثمة مخاطر أخرى ترتبط بمدى استقلال القضاة داخل المحاكم نفسها. فبإمكان بعض القضاة، انطلاقاً من مواقعهم والصلاحيات الممنوحة لهم، التأثير على القضاة الآخرين ما يعيق هؤلاء من ممارسة مهامهم بشكل مستقل فعلاً. وهذا ينطبق بشكل خاص على رؤساء الغرف في مجلس الشورى اللبناني، بعدما نشأت ممارسات من شأنها تمكينهم من فرض هيمنة على الأعضاء الآخرين في الغرف التي يرأسونها. وهذا ما نستشفه بشكل خاص من النهج المعتمد لتشكيل المحاكم المتّبع في هذه السلطة القضائية.

في الواقع، تنصّ المادة 89 من نظام مجلس الشورى اللبناني على أنّ المراجعات تنظر فيها هيئة مؤلفة مسبقاً تضمّ رئيساً وعضوين أحدهما المقرر. ولكن الممارسة التي طوّرها رؤساء الغرف لا تحترم هذه القاعدة: فبشكل عام لا تتشكل هيئات المحاكمة مسبقاً. ويكتفي رئيس الغرفة التي تتولّى النظر في الدعوى بتعيين مقرر خلال ثلاثة أيام من انتهاء تبادل اللوائح كما تنصّ المادة 78 من نظام مجلس الشورى وللرئيس أيضاً أن يقوم بوظيفة المقرر. واعتاد رؤساء الغرف أن يختاروا باقي أعضاء الهيئة من بين أعضاء الغرفة الذين يبلغ عددهم 11 بالحد الأدنى، قبل أيام فقط من المذاكرة حتى. وبالتالي بإمكان رئيس الغرفة أن يفرض على القضاة التداول في ملفّات لم يتسنّ لهم الإطلاع عليها بشكل مناسب. فيجد هؤلاء أنفسهم في موقف محرج قد يدفعهم إلى الإلتزام بالقرار الذي يرغب فيه رئيس الغرفة من دون أن يكون لهم معطيات كافية تبرر ذلك أو تسمح لهم بنقضه. وهذا الوضع يتعارض أولاً مع مبدأ الهيئة الجماعية principe de collégialité الذي يعتبر ضمانة لمحاكمة عادلة نظراً إلى أنّ كل قاضٍ إن كان خاضعاً لرقابة معيّنة غير رسمية من جانب الأعضاء الآخرين في المحكمة، يكون أقل ميلاً إلى الرضوخ لأي تأثير كان[1]. وهذا المبدأ يسمح بالوصول إلى حلول مدروسة وموضوعية أكثر[2].

كما تتناقض هذه الممارسة مع مبدأ الحق في المثول أمام قاضٍ طبيعي. وهذا المبدأ الذي يعدّ شكلاً بديلاً عن مبدأ المساواة، يعني أنّ جميع المتقاضين متساوون أمام القضاء وأنّ المثول أمام القاضي يجب أن يكون في متناول جميع المتقاضين وأمام جميع المحاكم. وهذا يعني بشكل خاص بأنّ أيّاً كان لا يجب أن يحاكم أمام هيئة خاصة أو ذات أثر رجعي أو منشأة خصيصاً للدعوى، وأنّه يجب أن يخضع المتقاضون للإجراءات ذاتها والقانون نفسه. ويمكن اعتبار هذا المبدأ حالة تطبيقية لمبدأ المساواة ولكنه مكرّس بشكل واضح في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنصّ على أن “الناس جميعاً سواء أمام القضاء”.

يبدو أنّ تطوّر تأثير الحق في المثول أمام قاضٍ طبيعيّ يتفاوت حسب الأنظمة القضائية. فإذا ما درسنا تكريس مبدأ القاضي الطبيعي من قبل بعض الدول، غالباً على المستوى الدستوري، نجد أنّ هذا التكريس عادة ما يحصل في الدول التي “شهدت نظاماً فاشياً”[3]، مثل ألمانيا وإيطاليا. في هذه البلدان، كان لمبدأ القاضي الطبيعي تأثير ليس فقط على اختصاص المحاكم، بل أيضاً على توزيع القضايا. والواقع أنه في هذه الأنظمة، يعني مبدأ القاضي الطبيعي ضمناً أنه “يجب تعيين القاضي الذي ينظر في قضية داخل المحكمة وفقاً لمعايير موضوعية، ولا يجب تغييره بشكل تعسّفي أثناء سير الإجراءات”.[4]

بالإضافة إلى ذلك، من الواضح أنّ هذه الطريقة في اختيار أعضاء هيئة المحكمة لا تتناسب مع شرط مبدأ الإستقلالية الظاهرة للقضاء. وهو مبدأ أكدت عليه مراراً المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان[5] وتكرّسه مبادئ بنغالور حول السلوك القضائي لعام 2002 التي تذكّر في موادها 1.3 و3.2 [6] بأنّ على القاضي أن يظهر مظهر “المراقب المعتدل” ولكن بشكل عام يجب أن يبدو أمام الجمهور على أنّه يتصرّف بطريقة نزيهة ولا يخضع لتأثير سلطة أخرى. ويشارك هذا المبدأ في إضفاء طابع موضوعي على استقلال القضاة وحيادهم لأنه يميل إلى مواجهة القضاء والقضاة بمعايير أكثر حيادية للنزاهة. ولكن للأسف، يمكن لعرف تشكيل هيئة الحكم من قبل رئيس الغرفة وفق ما تقدّم، أن يدفع “مراقباً معتدلاً” إلى أن يكوّن ارتياباً مشروعاً في حياد المحكمة التي تم تشكيلها بعد حصول الدعوى، وبالتالي بعد معرفة الرئيس بالخصوم وبموضوع النزاع، وهذا ما يمسّ بمبدأ مظهر الاستقلال.

إضافة إلى الصعوبات التي تضعها النصوص والممارسة على القضاة الذين يرغبون في ممارسة أدوارهم بطريقة تتمشّى مع الأخلاقيات المهنية، يفرض هذا الوضع العديد من السلبيات على المتقاضين. أولاً، إن المتقاضي الذي لم تتح له الفرصة للتعرّف على أعضاء الهيئة التي ستبتّ في الدعوى التي رفعها، لن يتمكن من طلب تنحية قاضٍ قد يكون هناك شكوك حول نزاهته. والواقع أنّ المادة 43 من نظام مجلس شورى الدولة تحيل فيما يتعلق بطلبات رد القضاة وتنحيتهم، إلى أحكام أصول المحاكمات المدنية المتعلقة التي تشير المادة 124 منها على أنّ طلب النقل للإرتياب المشروع يمكن أن يقبل إذا قدّم قبل البدء في مناقشة القضية. وبالتالي لا يمكن تجنّب أو تصحيح هذا الانتهاك للحياد الذاتي للقاضي.

وحتى المقرر الذي يعّين أولاً، ثمة العديد من العناصر التي تعيقه عن ممارسة مهامه بطريقة مستقلّة وحيادية. من الضمانات الأساسية الناقصة هو غياب الأحكام الخاصة بتنحية المقرر ما سيتيح المجال أمام السلطة التقديرية لرئيس الغرفة الذي سيحلّ مكان مقرر لا يضع تقريراً بالشكل الذي يناسبه. ويبدو أيضاً أنّ بإمكان الرئيس، حين تكون المراجعة مرفقة بطلب وقف التنفيذ، أن يعيّن مقرراً مختلفاً لكل أمر قضائي حتى لو كان متعلّقاً بالقضية ذاتها. فرئيس الغرفة يتمتّع بسلطة تقديرية كبيرة تمنحه إمكانية التأثير على نتيجة المحاكمة من خلال اختياره للمقرر وأعضاء الهيئة.

من أجل مطابقة توزيع القضايا مع مبدأ القاضي الطبيعي الذي يمكن أن يجد في القانون اللبناني تكريساً دستورياً غير مباشر بفعل كونه حالة تطبيقية لمبدأ المساواة، فإن مسودّة القانون المقدّمة من المفكرة القانونية تقلل من إمكانية الحد من السلطة التقديرية لرئيس الغرفة حيث تنصّ على أنّه بمجرد تسجيل المراجعة، يعيّن الرئيس المقرر الذي لا يمكن تنحيته إلّا بناء على طلبه وفي الوقت نفسه يعيّن بقية أعضاء هيئة المحكمة.

  • نشر هذا المقال في العدد | 65 | حزيران 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

القضاء الإداري: من يحمي الدولة ومن يدافع عنها؟


[1] Desdevis, Collégialité, impartialité et contradiction, Mélanges S. Guinchard, 2010, Dalloz, p. 233

[2] M.-A Frison-Roche, Le droit à un tribunal impartial, in E. Cabrillac, M.-A Frison-Roche, Th, Revet (sous la dir.), Libertés et droit fondamentaux, Dalloz, 14e édition, 2008, n°651

[3] JEULAND (E.), “Le droit au juge naturel et l’organisation judiciaire », Revue française d’administration publique », 2008/1 n°125, page 36

[4] Idem

[5] Voir notamment: CEDH 22 novembre 1995, Bryan c/Royaume-Uni, n°19178/91, §37

انشر المقال

متوفر خلال:

استقلال القضاء ، المرصد القضائي ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مجلة لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *