مبادرات فردية متواضعة من لبنان إلى منكوبي سوريا: “الناس تتبرّع من أغراضها ومقتنياتها”  


2023-02-09    |   

مبادرات فردية متواضعة من لبنان إلى منكوبي سوريا: “الناس تتبرّع من أغراضها ومقتنياتها”  
متطوعون يحمعون الأدوية والمواد الأخرى لإرسالها إلى سوريا

لن تسدّ “الإعاشة” الشهرية التي قرّرت إحدى السيّدات في عكّار التخلّي عنها لإرسالها إلى سوريا، النقص في المساعدات التي كان يجب أن تصل إلى سوريا بعد الزلزال المدمّر الذي ضربها وتركيا ووصل عدد ضحاياه إلى قرابة 16 ألف شخص منهم بينهم 3 آلاف شخص في سوريا. والدرّاجة الهوائيّة التي قرّر أحد المتطوعين في بيروت استخدامها لجمع المساعدات من اللبنانيين إلى الشعب السوري في ظلّ ارتفاع كلفة النقل، لن تفتح الطرقات المقفلة على ضحايا الزلزال والمتشابكة بين نظام ومُعارضة. ولن تتمكّن “الفراطات” التي أخرجها أطفال لبنانيون من حصّالاتهم بهدف إرسالها إلى أطفال سوريين، من إسعاد الأطفال الذين تضرّروا من الزلزال وبعضهم فقدوا أهلهم، ولكنّها بالتأكيد، تمامًا كما عشرات المبادرات الإنسانيّة الفرديّة، ستساهم في تخفيف معاناة شخص ما وستشعره ربما بأنّه “ليس وحده” كما يكرّر المتطوعون والمتضامنون.

لم تمض ساعات على الزلزال الذي ضرب كلًّا من تركيا وسوريا حتى بدأ اللبنانيون والسوريون في لبنان بإطلاق حملات فرديّة لجمع مساعدات للضحايا ولا سيّما في سوريا الأقرب إليهم، “جغرافيًا، وإيصال المساعدات إليها أسهل، كما كانت ترد أخبار بأنّ السوريين متروكون لمصيرهم، فلذلك لم يكن بإبمكاننا الانتظار” كما تقول إحدى المتطوّعات.

توضيب التبرّعات

في ظلّ الانهيار الاقتصادي: الناس تتبرّع بأي شيء  

عشرات المبادرات انطلقت من الشمال إلى الجنوب مروارًا ببيروت تطلب من الناس التبرّع بثياب ودواء وأغطية ومواد غذائيّة أو التطوّع لتوضيب وفرز وإيصال المساعدات، ليكون التجاوب “أكثر من توقّعاتنا لا سيّما في ظلّ الانهيار الاقتصادي” كما يكرّر المتطوّعون ومنهم رقيّة التي أطلقت إحدى المبادرات من منطقة عكّار المحافظة التي سجّلت أعلى نسبة فقر (70%) حسب المؤشر الرسمي للفقر المتعدد الأبعاد الذي أطلقته إدارة الإحصاء المركزي والبنك الدولي العام الماضي، والذي استخدمت فيه بيانات مسح القوى العاملة والأحوال المعيشية للأسر 2018 – 2019، ما يعني أنّ نسب الفقر أكثر حاليًا.

بعد الزلزال، تواصلت رقيّة وهي أمّ لثلاثة أطفال تُعاني كما غيرها من تبعات الانهيار الاقتصادي وفقد زوجها عمله، مع شاب كان بدأ يجمع التبرّعات لتقدّم بعض الأغراض إلى الأطفال المتضرّرين في سوريا، لكنّ الأمر تعثّر بسبب بُعد الشاب عن عكّار وكلفة النقل المرتفعة جدًا، فقرّرت أن تبادر وطلبت من الناس التبرّع: “أنا أم عندي 3 أولاد، رأيت الخوف على وجوههم لحظة ما هزّت بنا الدنيا قليلًا، وفكرت في الأطفال في سوريا وتركيا، ولأنّ المُتاح الآن مساعدة أطفال سوريا قرّرت إطلاق المبادرة”.

تعرف رقيّة أنّ “الناس للنّاس” وأنّ التضامن والتكافل الاجتماعي كانا عاملين أساسيّين في صمود العديد من العائلات في السنوات الأخيرة وفي ظلّ الانهيار الاقتصادي إلّا أنّها تفاجأت بكميّة الاتصالات التي وردتها لا سيّما من الشمال وبكميّة المساعدات التي وصلت، “الناس أعطتني من ملابسها وأغراضها وأدويتها، نحن هنا في عكّار كلنا فقراء، هناك سيّدة نحن نحنّ عليها بالعادة، ولكنّها تواصلت معي وأخبرتني بأنّ أولادها لا يملكون ثيابًا لتتبرّع بجزء منها، ولكن وصلتها حصّة غذائيّة أي إعاشة وتريد أن تتبرّع بجزء منها، صحيح فقدنا الكثير من الأمور ولكنّ إنسانيتنا لا يزال يُعوّل عليها”.

لا تعرف رقيّة هذا الشاب الذي تواصلت معه ولكنّهما كانا يتساعدان “كان يرسل إليّ كلّ متطوّع قريب من الشمال وكنت أرسل إليه أي متطوع يتواصل مع قريب من بيروت، أصبحنا وكأنّنا نعمل معًا”.

فريق من الأطباء اوالمسعفات والممرضين اللبنانيين

ومن بيروت أيضًا وقبل مضي 24 ساعة على الزلزال كانت مجموعة من الشباب والشابات قد أطلقوا مبادرة للمساعدة في إغاثة المناطق المنكوبة في سوريا وفي أقلّ من يومين استطاعوا جمع 30 طنًّا من أدوية وملابس ومواد غذائيّة وأغطية ووصل جزء منها أمس إلى سوريا مع 30 متطوعًا منهم أطباء وممرضون ومسعفات.

تتحدّث مارو بلال وهي متطوّعة في هذه المبادرة عن استجابة كبيرة من الناس على الرغم من الأوضاع الاقتصادية الصعبة “الكثيرون تواصلوا معنا، وصلنا الكثير من الملابس لأنّ الناس أصلًا وضعها صعب فكانت تعطي من مقتنياتها. تواصل معي شاب سوري من منطقة برج حمّود وأخبرني أنّ السوريين في المنطقة جمّعوا كل شي يقدرون عليه من حرامات ومواد غذائية” تقول، مشيرة إلى أطفال فتحوا حصّالاتهم بهدف المساعدة. 

4 آب أسّس لمبادرات تكافلية

يعتمد هؤلاء الشبّان والشابات على معارفهم من السوريين لتسهيل وصول المساعدات إلى المستحقين مباشرة يتواصلون مع متطوعين في الداخل السوري لا سيّما أنّ تجربتهم مع الجمعيّات بخاصّة بعد انفجار الرابع من آب لم تكن مشجّعة لذلك يفضّلون المبادارات الشخصيّة.

وفي هذا الإطار يقول مالك دغمان بأنّ فكرة المبادرة الفرديّة وعدم الاعتماد على جمعيّات تعززت أكثر بعد انفجار الرابع من آب حيث كانت تجربته وتجربة الكثيرين غير مشجّعة “بعد انفجار المرفأ تواصلت مع عدد من الجمعيات لإغاثة المتضررين والوقوف إلى جنابهم، ولم يكن هناك رد سريع، اضطررت لأن أقوم بالأمور بنفسي، أن أجمع التبرعات وأوضبّها وأصلها عبر مصادر موثوقة إلى أناس مستحقين”.

تجربة دغمان بعد انفجار الرابع من آب دفعته أيضًا إلى كتابة منشور على فيسبوك يطلب فيه من الناس المساعدة ومن ثمّ إيصال المساعدات عبر أشخاص موثوقين ولديهم الخبرة بتوضيب المساعدات وإيصالها وتوزيعها.

وفي ظلّ ارتفاع كلفة بدل النقل يعتمد عدد من الشبّان على دراجات هوائيّة بحيث يوضّبون المساعدات بشكل يمكن حمله على الدرّاجة وينقلونها على دفعات من المتبرعين إلى الأشخاص الذين سيوصلونها إلى سوريا.

مرور لبنان لا سيّما في السنوات الأخيرة بالعديد من الأحداث المؤلمة التي استدعت تكافلًا اجتماعيًا بخاصة في ظلّ العجز الذي كانت تظهره الجهات الرسميّة في كلّ مرة، ساهم أيضًا في التأسيس بطريقة غير مباشرة لشبكات اجتماعية تكافلية يلتقي أفرادها من دون تنسيق مسبق عند أي حدث يستدعي التكافل، وهذا أيضًا ما بدا واضحا في سرعة انطلاق المبادرات الفردية وقدرتها على إيصال بعض المساعدات قبل مضي 48 ساعة على حدوث الزلزال.

وفي هذا الإطار، تقول رهام سكّر التي كانت أطلقت منذ العام 2019 مجموعة على فيسبوك مع بداية الانهيار الاقتصادي تهدف إلى التكافل بين أعضائها ومن ثمّ توسّع نطاقها بعد انفجار الرابع من آب فأصبحت تضمّ أطباء يعالجون الجرحى في منازلهم ويقدّمون الإسعافات الأوليّة، وبعد حصول الزلزال وجّهت كلّ الإمكانات والعلاقات التي راكمتها لجمع تبرعات وتوضيبها وفرزها ومن ثمّ إيصالها إلى سوريا.

ممرض لبناني يواسي طفلة مصابة في الزلزال

وليس بعيدًا أيضًا تخبر الطبيبة علا ناصر الدين التي اجتمعت بعد انفجار الرابع آب مع عدد من الأطباء والمسعفين والممرضين وأسّسوا خيمة ميدانيّة لتقديم خدمات طبّية حينها، كيف عاد هؤلاء الأشخاص واجتمعوا الآن لتقديم المساعدة للشعب السوري “شعرنا من واجبنا تقديم الدعم والتكاتف لا سيّما أنّ السوريين يعيشون في حرب لم تنته، وهم أيضًا كانوا إلى جانبنا وقت أزمتنا”.

من دون تنسيق مسبق عاد الفريق نفسه بعد الزلزال الذي ضرب سوريا وأرسل عدداً من الأطباء والممرضات والمسعفين والمسعفات ومعالجين نفسيين ومختصات مدرّبات عل إدارة الكوارث، ووصلوا إلى اللاذقية “لم نختر نحن المكان، ولكن بعد تواصلنا مع وزارة الصحة السورية أُبلغنا أنّ الحاجة إلينا في هذه المنطقة”.

وتُشير عُلا إلى أنّ هناك حاجة كبيرة إلى المساعدات الطبيّة لا سيّما أدوية الأمراض المزمنة والمواد الغذائيّة وأنّ الناس يتبرّعون قدر المستطاع “الناس عم تجيب من أغراضها الشخصيّة وأدويتها، حتّى الزوّادة التي أخذها الفريق المتطوّع معه كانت عبارة عن زعتر وزيت”.

يجمعون الملابس لإرسالها

مسعف لبناني في منطقة سورية: كنّا أول فريق إنقاذ يصل الثلاثاء

وكانت بعثة إغاثيّة تضم عناصر من الجيش اللبناني والدفاع المدني وفوج إطفاء بيروت ولجنة إدارة الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء والصليب الأحمر اللبناني وصلت إلى كلّ من سوريا وتركيا في اليوم التالي للزلزال.

وقال عنصر من فريق المسعفين اللبنانيين المؤلّف من 70 عنصرًا الذي وصل إلى حي الرميلة في جبلة بمحافظة اللاذقية لـ “المفكرة” أمس الأربعاء إنّهم حين وصلوا إلى الحي الثلاثاء كانوا فريق الإغاثة الوحيد في تلك المنطقة أي أنّه طيلة يوم ونصف اليوم لم يأت أحد للبحث عن ناجين. وتعاني مناطق كثيرة منكوبة في سوريا سواء في المناطق التي يسيطر عليها النظام أو تلك التي تسيطر عليها المعارضة، من نقص حاد على صعيد فرق الإغاثة ورفع الأنقاض والتجهيزات. وقد دمّر الزلزال الذي يعتبر الأعنف منذ عقود قرى بأكملها في مناطق تعاني أساسًا من أوضاع اقتصادية واجتماعية في غاية السوء إضافة إلى بنى تحتية متضررة وأبنية مهترئة نتيجة المعارك والقصف.

وفي تركيا، شاركت فرق الإسعاف اللبنانية في عمليات الإغاثة وانتشر مقطع فيديو لفريق لبنان ينقذ إمرأة حامل وطفلها من أحد الأبنية المدمّرة جنوب البلاد.   

انشر المقال

متوفر من خلال:

حراكات اجتماعية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، سوريا ، تحقيقات ، حرية التنقل ، الحق في الحياة ، الحق في السكن ، فئات مهمشة ، لبنان



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية