ماذا يعني فسخ اتّهامية بيروت قرار ترك “سلامة”؟


2023-08-04    |   

ماذا يعني فسخ اتّهامية بيروت قرار ترك “سلامة”؟

أصدرت الهيئة الاتهامية في بيروت في تاريخ 3 آب 2023 قرارا هاما بفسخ القرار بترك حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة في قضية الاختلاس المقامة ضده أمام قاضي التحقيق في بيروت شربل أبو سمرا. وإذ خلصت الهيئة بما لها من حق تقدير وبالنظر لماهيّة الجرائم المدعى بها إلى أن القرار بترك سلامة واقع في غير موقعه السليم، انتهتْ الهيئة إلى دعوة سلامة إلى جلسة أمامها في تاريخ 9 آب المقبل.

ويلحظ هنا أن هذا القرار صدر بناءً على استئناف قدّمته هيئة القضايا (بصفتها ممثلة عن الدولة) في سياق نشاطها الملحوظ في هذه القضية لضمان مصالح الدولة في عدد من الجرائم المالية. وقد تضمّن هذا الاستئناف معلومات هامة من شأنها الإضاءة على خطورة الجرم المرتكب من سلامة وبالأخصّ خطورة إبقائِه طليقا. ومن أهم ما ورد في استئناف هيئة القضايا الأمور الآتية: (1) التأكيد أن الأشخاص المستجوبين من نواب الحاكم ومدراء مصرف لبنان ورؤساء المصارف التجارية قد أكدوا على أن المبالغ التي أقرّ سلامة بتحويلها إلى الخارج إلى شركة فوري (وقدرها 330 مليون د.أ) تعود لمصرف لبنان وأنها تاليا أموال عمومية، و(2) أن العبارة التي وضعها عند تحويل هذه المبالغ ومفادها “من خارج أموال المصرف” من دون أي فاتورة أو تدقيق أو إيصال ليس من شأنه أن يغير من طبيعة هذه الأموال، و(3) أن وضع هذه العبارة إنما يشكل دليلا على محاولة سلامة منذ البدء بتبرئة نفسه في حال انكشف مشروعه الجرمي، الأمر الذي يعزز نيته الجرمية. كما بيّنت هيئة القضايا في استئنافها الأسباب التي تدفعها إلى التمسك بضرورة توقيف سلامة وقوامها صدور مذكرتي توقيف بحقه في ألمانيا وفرنسا فضلا عن أنّ إبقاءَه طليقا سيُعطيه “حرية الاتصال بشركائه والمتدخلين معه في هذه الجرائم كما يمنحه القدرة على ممارسة الترهيب والإكراه على الشهود نظرا لإمكاناتِه المالية الهائلة”.

كما يفهم من القرار أن قاضي التحقيق عمد إلى ترك سلامة رهن التحقيق من دون عرض الملفّ على النيابة العامة بعدما برّر ذلك بانشغال “حضرة رئيس هيئة القضايا بقضايا مهمة”.

وقبل المضيّ في إبداء ملاحظاتنا على هذا القرار، تجدر الإشارة إلى صدوره عن الهيئة المنتدبة المكوّنة من القضاة ميراي ملاك (رئيسة) ومحمد شهاب وفاطمة ماجد.

هيئة القضايا تواصل تحرّرها من حسابات السياسة

أول ما نلحظه هو أن هيئة القضايا واصلتْ من خلال استئنافها لقرار ترك سلامة سعيها إلى ممارسة دورها في حماية مصالح الدولة، بعدما كانت بادرت إلى التدخّل في الدّعاوى المقامة ضد الحاكم السابق سلامة في لبنان وفرنسا نيابة عن الدولة من دون انتظار أيّ طلب من سلطة الوصاية على مصرف لبنان (وزارة المالية) وعملت على تثبيت صفتها في القيام بذلك رغم الطعون التي قدمتها النيابة العامة ودفاع سلامة في هذه الصفة. وقد برزت أهمية هذا الدور وبخاصة في ظلّ تقاعس النيابة العامة عن اتخاذ أي موقف من قرار ترك سلامة، وكأنها غير معنية بحماية حقوق المجتمع الذي يفترض أنها تمثله.  

قرار يعرّي مكامن الخلل في النظام القضائي

فضلا عن ذلك، وإذ عكس القرار شجاعةً لا يجوز التقليل منها لدى قضاة الهيئة الاتهامية التي أصدرته، إلا أنه أضاء في الوقت نفسه على العيوب التي ما تزال مستمرّة في المواقع الأكثر تأثيرا في عمل القضاء، وبخاصة في قضاء التحقيق والنيابة العامة في بيروت.

فهو من جهة أولى يعرّي مرة أخرى قاضي التحقيق الأول في بيروت شربل أبو سمرا الذي ما يزال يشغل منصبا محوريا في القضاء (قاضي تحقيق أول في بيروت) رغم القرارات المتعددة الصادرة عنه في كمّ من القضايا بالغة الأهمية والتي ذهب فيها كلها إلى تحصين جدار الإفلات من العقاب، وبخاصة في قضية القروض السكنية أو أيضا في قضية صفقة مبنى تاتش. وهذا ما كان أشار إليه ائتلاف استقلال القضاء مطالبًا بتكليف التحقيق في قضية سلامة إلى قاضي تحقيق آخر.  

وهو من جهة أخرى، يعري النيابة العامة التي تقاعست عن اتخاذ أي موقف من قرار ترك سلامة كما سبق بيانه، بعدما كانت طعنت بصفة هيئة القضايا سابقا.

ولإدراك خطورة هذا الواقع، يجدر التذكير بأن القضاة أعضاء الهيئة الاتهامية الذين انتهوا إلى فسخ قاضي التحقيق ليسوا أعضاء أصيلين أو دائمين فيها إنما هم مناوبون خلال العطلة القضائية، انتهتْ مناوبة إثنين منهم (ملاك وماجد) أمس وأن الضمانة التي تمثلها شجاعتهم ونزاهتهم إنما هي تاليا ضمانة لحظة انتهت وقد لا تتوفر في الأسبوع القادم، أي في تاريخ الجلسة التي عيّنت للاستماع إلى سلامة.

قرار متحفّظ رغم شجاعته

أخيرا، ورغم أنه كان بإمكان الهيئة إصدار مذكرة توقيف بحقّ سلامة تبعا لفسخها قرار قاضي التحقيق بتركه سندا للمادة 139 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، يسجّل أنها آثرت دعوته للمثول والاستجواب أمامها. وقد يجد هذا التوجّه ما يفسّره في استشعار الهيئة خطورة قرار كهذا من الناحية السياسية أو أيضا رغبتها في إصدار قرار توقيف وجاهي أو أيضا تمكين النيابة العامة من إبداء رأيها في هذا الشأن. إلا أن الإشكال يتأتى من أن الهيئة التي ستصدر قرارها بشأن سلامة في موعد الجلسة المرتقب ستختلف غالبية تشكيلها حسب جدول المناوبات عن تشكيلة الهيئة الحاضرة، بحيث ستضم سامي صدقي ولما أيوب بدلا عن ملاك وماجد. فلنرتقب ما سيحصل في هذه الجلسة، هذا على افتراض حصول التبليغ فعليا وامتثال الحاكم السابق للقضاء وكلاهما أمر لا يمكن تأكيده بالكامل في ظل ظروف العدالة الراهنة.  

للاطّلاع على قرار الهيئة الاتهاميّة

انشر المقال



متوفر من خلال:

قرارات قضائية ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، المرصد القضائي ، مصارف



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية