ماذا سيناقش البرلمان اللبناني غدا؟ بعد قرابة السنة على انتفاضة 17 تشرين: مشروع تعديل قانون الإثراء غير المشروع

ماذا سيناقش البرلمان اللبناني غدا؟  بعد قرابة السنة على انتفاضة 17 تشرين: مشروع تعديل قانون الإثراء غير المشروع
رسم رائد شرف

أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري عن انعقاد جلسة تشريعية يومي 30 أيلول و1 تشرين الأول 2020. وتأتي الجلسة في أجواء استثنائية بعد أيام على اعتذار رئيس الحكومة المكلّف مصطفى أديب عن مهمّة تشكيل حكومة بعد تعثّر توصّل زعماء الطوائف إلى تسوية لتشكيل حكومة رغم الضغط الفرنسي، وقبل أيام على الذكرى السنوية الأولى لاندلاع انتفاضة 17 تشرين.

قرابة السنة على الإنتفاضة والبرلمان لم يقم بشيء يذكر… 3 جلسات تشريعية في 2020 في كل من 21-23 نيسان و28 أيار و13 آب والنتيجة واحدة: غياب أي رؤية واضحة للمشرّع لمعالجة الأزمات غير المسبوقة بخطورتها النقدية والمالية والإقتصادية والإجتماعية والتي أتت جائحة كورونا وانفجار 4 آب لتزيد من تداعياتها الجسيمة على المجتمع. فغيّب المشرّع طوال سنة القوانين الحيوية من قانون الكابيتال كنترول (الذي أصبح لزوم ما لا يلزم بعد سنة تُرك أمر وضع القيود على حركة الرساميل إلى سلطة الأمر الواقع أي المصارف، دون أي معيار أو قيد يسمح بمحاسبتها) واجراءات معالجة تداعيات الإفلاس، والقوانين الإصلاحية الجوهرية من قانون استقلال القضاء والإثراء غير المشروع وجعل نقاشات اللجان النيابية علنية. وإن وضع وأخيراً مشروع قانون تعديل الإثراء غير المشروع على جدول أعمال الجلسة الحالية، تبقى غائبة القوانين الجوهرية الأخرى، كما وقوانين أساسية تسمح بالتصدي بفعالية لنتائج كارثة 4 آب أبرزها قانون إعفاء ذوي الضحايا والمتضررين من الرسوم القضائية لتفعيل وصولهم إلى العدالة.

وفي إطار رصده لأعمال البرلمان، يقدم هنا المرصد البرلماني – لبنان في المفكرة القانونية أبرز تعليقاته حول مشروع قانون تعديل الإثراء غير المشروع كما أقرّته اللجان المشتركة، مرفقة بنسخة عنه لتمكين الرأي العام من الاطلاع والتعليق عليه.

أحيل مشروع تعديل قانون الإثراء غير المشروع (154/1999) إلى المجلس النيابي منذ 2009 وضمّ إليه اقتراحا قانونين في الموضوع نفسه أحدهما مقدّم من النائب الراحل روبير غانم، والآخر من النائبة المستقيلة بولا يعقوبيان. فمن المعلوم أن إشكاليات عديدة تعتري القانون بصيغته الحالية، والعوائق كثيرة أمام تطبيقه. وعلى الرغم من كونه من القوانين الرئيسية ضمن ترسانة قوانين مكافحة الفساد والتي كانت من المطالب الرئيسية لانتفاضة 17 تشرين، تأخر المجلس النيابي قرابة 10 أشهر قبل إدراجه أخيراً على جدول أعمال هيئته العامة.

وفيما سبق ل”المفكرة” أن قدمت ملاحظاتها على مشروع القانون (2009) كما أقرّته لجنة الإدارة والعدل في 24/5/2017، يسجل أن اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجان النيابية المشتركة المكلّفة بدراسته كانت قد أقرّته بعد إدخال تعديلات عليه في 30/4/2020. وعادت اللجان النيابية المشتركة وأقرّته معدّلاً في 3/6/2020 بحضور كل من وزيري العدل والمالية في حكومة تصريف الأعمال (د. ماري كلود نجم ود. غازي وزنة).

وتقترح الصيغة المطروحة أمام الهيئة العامة تعديل عنوان القانون ليصبح “قانون التصريح عن الذمة المالية والمصالح ومعاقبة الاثراء غير المشروع”. وتسهيلا للقارئ نعمد إلى الإشارة إلى أبرز التعديلات على القانون الحالي المطروحة اليوم، مع العودة إلى الفروقات بين الصيغ المختلفة عند الحاجة. ونسارع إلى القول بأن إحدى أكبر السلبيات هي إبقاء تصاريح جميع الخاضعين للقانون سرية، فضلا عن إناطة دور أساسي للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي تبقى غير منشأة فضلا عن أن تكوينها يفتح الباب أمام المحاصصة السياسية.

في ما خص الإيجابيات:

  • جعل الإثراء غير المشروع جرماً مستقلاً: بحيث بات يُعرّف الإثراء على أنه: “كل زيادة كبيرة تحصل في لبنان والخارج بعد تولي الوظيفة على الذمة المالية لأي موظف عمومي (…) متى كانت هذه الزيادة لا يمكن تبريرها بصورة معقولة نسبةً لموارده المشروعة”. ويعاقب المقترح مباشرة هذا الجرم بالاعتقال من ثلاث إلى سبع سنوات وبغرامة تتراوح من ثلاثين مرة إلى مئتي مرة الحد الأدنى الرسمي للأجور. وأوضحت المادة نفسها أنه يعتبر بمثابة الشخص الواحد كل من الزوج والأولاد القاصرين والأشخاص المستعارين/أو المؤتمنين و/أو الوصيين. والجدير بالذكر أن اللجان النيابية المشتركة (كما اللجنة الفرعية المنبثقة عنها) حذفت قرينة كان المشروع بالصيغة المقرّة في لجنة الإدارة والعدل يتضمّنها وتسهّل إثبات الجرم وهي اعتبار “زيادة كبيرة، كل مضاعفة في الذمة المالية خلال مدة لا تتجاوز خمس سنوات”. لكن بالمقابل، وسّعت اللجان المشتركة نطاق الجريمة الجغرافي بحيث يُعتبر حصول الزيادة خارج لبنان من ضمن عناصر الجريمة المادية وهو أمر جوهري.
  • توسيع مفهوم الموظف العمومي: بحيث بات يشمل إلى جانب الأشخاص الذين يؤدون وظيفة عامة، أشخاص القانون العام أو الخاص الذين يؤدون عملاً لصالح ملك أو منشأة عامة أو مرفق أو مال أو مؤسسة أو مصلحة عامة، “سواء أكان مملوكاً كلياً أو جزئياً من أحد أشخاص القانون العام وسواء تولاها بصورة قانونية أم واقعية”. ويحتوي المقترح تعريفاً خاصاً بالموظف العام الخاضع للتصريح (كل موظف عمومي باستثناء موظفي الفئة الرابعة وما دون وأفراد الهيئة التعليمية) ويشمل موظفي وزارة المالية والجمارك والدوائر العقارية واللجان الإدارية والهيئات المستقلة والناظمة من جميع الرتب والفئات إذا كان يترتّب على أعمالهم نتائج مالية.
  • مراقبة مستمرة لتطور الثروة: يتضمّن القانون الحالي في الفصل 2 موجباً على الأشخاص المشمولين بالقانون بالتصريح عن الأموال المنقولة وغير المنقولة التي يملكونها مع أزواجهم وأولادهم القاصرين، ضمن غلاف سري مغلق وموقع يودع عند المرجع المختص بالنسبة لكل فئة، عند دخولهم الخدمة، وتصريحاً آخراً عند انتهاءها. أما التعديل المقترح، فيجعل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (غير المنشأة بعد) الجهة المناط بها تلقي التصاريح، ويقضي بتقديم تصريح دوري كل ثلاث سنوات (من تاريخ تقديم التصريح السابق)، إضافة إلى التصريح عند مباشرة العمل (خلال شهرين من ذلك) والتصريح الأخير عند انتهاء الخدمة (خلال شهرين من ذلك). وتكتسب دورية التصريح هذه أهمية كبيرة، خصوصاً بالنظر إلى التعريف الجديد لجرم الإثراء. واللافت أن اقتراح يعقوبيان عمد إلى اعتبار الإمتناع عن تقديم التصاريح خلال المهل المحدّدة قرينة على قيام إثراء غير مشروع، وهذا ما لم تبقِِ عليه اللجان النيابية المشتركة.
  • توسيع مضمون التصريح: بحيث بات يشمل بالإضافة إلى عناصر الذمة المالية كافة المصالح في لبنان والخارج. ويحدّد المقترح أن ذلك يشمل إلى جانب الدخل الناتج عن الوظيفة، الأموال المنقولة وغير المنقولة في لبنان والخارج وكيفية اكتسابها والإيرادات الناجمة عنها؛ والإلتزامات والديون؛ وجميع المصالح سواء نتج عنها أي دخل مادي أم لم ينتج، منها النشاطات والإستثمارات في أية مشاريع إقتصادية والمصالح الإئتمانية، والمناصب والعضويات في أشخاص القانون العام والخاص؛ أية مصالح أخرى ينتج عنها دخل مادي باعتبار المصرح أو المصرح عنهم أصحاب الحق المباشر أو الحق الإقتصادي؛ وجميع المصالح أخرى. وأوضح المقترح أن على المصرّح تبيان أوجه الإختلاف مع التصاريح السابقة وأسباب هذا الإختلاف.

ولكن اللافت قيام اللجان النيابية المشتركة بحذف موجب التصريح عن العلاقات المهنية لا سيما بالنسبة للمهن الحرّة القائمة مع زبائن وموكلين. ولا يمكن تبرير هذا الحذف بكون الفقرة هذه تمسّ بموجبات السرية المهنية، بحيث كانت الفقرة المذكورة توضح أنه يكتفي في التصريح بالإضافة إلى مجمل المداخيل، التصريح “بالمجالات الاقتصادية والمهنية لعمل كل من الزبائن والموكلين الرئيسيين”.

  • تعزيز فعالية عقوبة عدم الإمتثال إلى موجب التصريح: فعلى الرغم من معاقبة القانون الحالي من لا يمتثل له ضمن مهلة بعد تبليغه بواسطة رئيس إدارته باعتباره مستقيلاً، وعلى الرغم من اعتبار التصريح صراحة (مادة 6) أحد شروط تولي الخدمة العامة بالنسبة لرئيس الجمهورية ولرئيس مجلس النواب والنواب ورئيس مجلس الوزراء والوزراء (كما تعاقبهم المادة نفسها باعتبارهم مستقيلين في حال عدم الإمتثال)، لم يطبق هذا الموجب إلا بشكل هامشي. ومعالجة لهذا الأمر، يضع المقترح التعديلي على عاتق الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد أو المراجع الأخرى إلى حين إنشائها موجباً بإصدار تعميم إلى الموظفين الخاضعين للتصريح بواسطة إدارتهم بعد نشر القانون وخلال الشهر الأول من كل سنة. وأضعفت صيغة اللجان المشتركة المطروحة االيوم فعالية المشروع في هذه النقطة، بحيث كانت صيغة لجنة الإدارة والعدل تفضي إلى تبليغ الموظف الذي لم يتقدّم من تلقاء نفسه بالتصريح ضمن المهل بواسطة الإدارة التي يتبع لها.

ويبقي المقترح التعديلي على عقوبة اعتبار الموظف غير الممتثل مستقيلا – ويضيف المشروع حكماً – في حال عدم الإمتثال خلال مهلة ثلاثة أشهر دون عذر من تاريخ هذا التبليغ. ويعلّق دفع الحقوق المالية على أنواعها كالرواتب والتعويضات وتعويض الصرف من الخدمة وتعويض نهاية الخدمة على تقديم التصريح. واللافت أن صيغة فرعية اللجان المشتركة كانت تفضي إلى حسم 10% كغرامة على التأخير في حال عاد الموظف وامتثل إلى موجب التصريح ضمن مهلة الثلاثة أشهر. غير أن اللجان المشتركة حذفت الفقرة المتعلقة بهذه الغرامة. ويعتمد المقترح وسائل الحوكمة الإلكترونية لتفعيل التبليغ وتوقيف التسديد وكشف الثغرات ويعتبر إلى ذلك الحين، المحتسب المركزي مسؤولاً وفق أحكام قانون المحاسبة العمومية عن أي تسديد مخالف للآلية المحددة قانوناً.

  • تسهيل الملاحقة

من جهة أولى، يضع القانون الحالي شروطا شبه تعجيزية على المتضرر في حال رغب بتقديم شكوى مباشرة، إذ يتعين عليه تسديد كفالة عالية قدرها 25 مليون ليرة لبنانية، كما أنه يعاقب في حال رد الدعوى بغرامة لا تقل عن 200 مليون ليرة وبالحبس بين 3 أشهر وسنة، يضاف إليه العطل والضرر في حال منع المحاكمة أو إبطال التعقبات. وقد جاء المقترح ليصحّح هذا الأمر جزئياً. فإن ألغى العقوبة المفروضة في حال خسارة الدعوى، فإنه لم يكرّس مجانية الشكوى إلا جزئياً. فإن كانت الإخبارات والشكاوى المقدمة إلى الهيئة مجانية، تخضع الإدعاءات المباشرة أمام القضاء المختص لكفالة مصرفية بقيمة 3 ملايين ل.ل. (أما الصيغة المنبثقة عن لجنة الإدارة والعدل فكانت تنص على مجانية الإدعاء الشخصي).

من جهة أخرى، يعمد المقترح إلى اعتبار (في المادة 11/أ-) “جرم الإثراء غير المشروع خارجاً عن مفهوم الإخلال بالواجبات وخاضعاً لاختصاص القضاء العدلي”، لاستبعاد الحصانة الدستورية الممنوحة للوزراء عن جرائم الإثراء. والمستغرب أنه جاء في تقرير اللجان النيابية المشتركة أن المادة المذكورة تتعارض مع المادة 70 من الدستور وأنها تستدعي تعديلاً دستورياً وتقرّر رفع هذه المادة إلى الهيئة العامة لمجلس النوّاب للبتّ بها. ومن المتوقّع أن يحصل نقاش حول هذا البند في جلسة يوم الأربعاء. فمن المعلوم أن الفقرة المذكورة تُعتبر استعادة صريحة لاجتهاد محكمة التمييز في تفسير مفهوم “الإخلال بالواجبات المترتبة عليهم” والذي تشمله وحده إلى جانب الاتهام “بالخيانة العظمة” حصانة رئيس مجلس الوزراء والوزراء. فكانت الهيئة العامة لمحكمة التمييز قد وضعت تعريفاً حصرياً لمفهوم الأفعال التي تشكل إخلالاً بالواجبات المقصود بالمادة 70 من الدستور بأنّها تلك “المتّصلة بصورة مباشرة بممارسة الوزير لمهامه القانونيّة الوزاريّة” والتي تتعلق “بالطّبيعة السياسية لعمل الوزير وجوهر مهامه الوزاريّة كما هو مقرر في القوانين”. كما وضعت تحديداً للأفعال الأخرى التي تقابلها، على أنّها “الأعمال الجرميّة المرتكبة من الوزير في “معرض” ممارسته لمهامه، أو في حياته الخاصّة، والأفعال المرتكبة منه ذات الصّفة الجرميّة الفاضحة والتي تؤلّف تحويراً للسلطة عن طريق إحلال المصلحة الخاصّة مكان المصلحة العامّة”.

من جهة أخيرة، عمد المقترح إلى توسيع سلطات الملاحقة (وهنالك اليوم غموض حول اعتبار هذه الصلاحية مرتبطة حصراً بالنيابة العامة الاستئنافية في بيروت أم في كل المحافظات)، بحيث أخضع دعاوى الإثراء إلى قانون أصول المحاكمات الجزائية. كما  يكون بذلك قد نزع الإقتراح تخصص محاكم بيروت في التحقيق (الذي كان مناطاً حصراً بقاضي التحقيق الأول في بيروت) والحكم (الذي كان مناطاً حصراً بمحكمة استئناف بيروت). ويعمد المقترح إلى توسع صلاحيات القضاء في حال الإشتباه بكون الأموال تتعلق بإثراء غير مشروع، بحيث له تجميد حسابات الموظف لمدة 6 أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة؛ وضع إشارات على السجلات والقيود العائدة للأموال المنقولة وغير المنقولة؛ واتخاذ اجراءات احترازية مقيّدة للتصرف بالأموال التي لا يوجد بشأنها قيود أو سجلات.

  • عدم مرور الزمن على الجرم واسترداد الأموال: حيث تطبق بحسب القانون الحالي قواعد مرور الزمن العادي على جرم الإثراء كما يبدأ سريان المهلة فيما يتعلق باستعادة المال العام، من تاريخ اكتشاف الجرم (المادتين 18 و19).

أما المقترح التعديلي فأوضح ألا مرور زمن لا على الدعوى العامة ولا على الدعوى المدنية لمصادرة المال العام واسترداده، مما يعزّز فرص محاسبة جرائم الإثراء، وهو أمر ضروري نظراً إلى خطورة هذه الجرائم على مصالح المجتمع والدولة، ويقين الرأي العام بمدى انتشارها على مرّ العقود الثلاثة الماضية.

  • التراجع عن عدم إمكانية ملاحقة الورثة: فكانت الصيغة المقرّة في لجنة الإدارة والعدل تتضمّن نصاً خطيراً بحيث كانت تشير المادة 13 إلى عدم جواز ملاحقة الورثة أو الموصى لهم أو الخلفاء العموميين أو الخاصين بالمال، في دعاوى الإثراء غير المشروع. وجرى حذف هذه المادة من الصيغة الأخيرة، مما يؤدي إلى القاعدة المعمول بها حالياً (المادة 11-2) بحيث “لا تسقط الملاحقة (…) بالوفاة وفي هذه الحالة يجوز مباشرة الملاحقة أو متابعتها مدنياً بوجه الورثة أو الموصى لهم في حدود ما آل إليهم من التركة”.
  • توضيح عقوبة الإثراء غير المشروع وآلية استرداد الأموال: فيكتسي القانون الحالي غموضا كبيرا لجهة العقوبات المتأتية عن ارتكاب جرم الإثراء. فخارج حالات تحقق الإثراء غير المشروع نتيجة جرم جزائي، والتي تعاقب وفق أحكام قانون العقوبات (المادة 9)، يلتزم القانون الصمت بالنسبة للعقوبة المتوجبة في حالات تحقق الإثراء بوسائل أخرى. كما لا يتضمّن القانون الحالي أحكاماً واضحة لجهة مصير الأموال موضوع الإثراء غير المشروع. فتكتفي المادة 13 بالإشارة إلى إمكانية قيام قاضي التحقيق أو المحكمة المختصة بوضع حجز احتياطي على أموال المشكو ضده المنقولة وغير المنقولة مع إمكانية تحويله إلى حجز تنفيذي، من دون أي إيضاح آخر. كما تشير المادة 19 إلى بدء سريان مرور الزمن فيما يتعلق باستعادة المال العام، من تاريخ اكتشاف الجرم. أما الاقتراح التعديلي، فإنه يضع عقوبة واضحة على المرتكب وهي الإعتقال من 3 إلى 7 سنوات وغرامة تتراوح من ثلاثين مرة (20.250.000 ل.ل.) إلى مئتي مرة (135.000.000 ل.ل.) الحد الأدنى الرسمي للأجور (مادة 14). كما يوضح أن الحكم نفسه يقضي برد الأموال المكتسبة بطريق الإثراء غير المشروع إلى الجهات المعنية أو المتضررة إن وجدت، وإلا فمصادرتها مصادرة عينية لمصلحة الخزينة. وتقتضي الإشارة هنا إلى غموض عبارة “الجهات المعنية”، فما هي تلك الجهات إن لم تكن متضررة من الإثراء غير المشروع؟ يجدر بتقديرنا إلغاء هذه العبارة (“الجهات المعنية”) منعاً لإمكانية مكافأة شريك الموظف المرتكب بجعله من الجهات المستفيدة من الإسترداد. ويشدّد المقترح العقوبة من الثلث إلى النصف على كل موظف عمومي في حال استخدم العنف أو الإكراه أو التهديد أو الترغيب أو صرف النفوذ أو استغلال السلطة للتأثير في إجراءات تتعلق بملاحقته أو محاكمته.

ولكن من جهة أخرى، وفي ما خص السلبيات:

  • لا يعالج المقترح إشكالية سريّة التصاريح: فتبقى الآلية التي تقضي بالتصريح – عن الذمة المالية – ضمن غلاف مغلق وموقّع، مع الإكتفاء بإضافة إمكانية التصريح بالوسيلة الإلكترونية ولكن بالشكل الذي يحفظ السرية. وكان قد برز اتجاهان أوّلهما نحو الإبقاء على سريّة التصاريح، والآخر نحو فرض علانيتها وهو اتجاه اقتراح يعقوبيان، غير أن النقاشات في اللجان النيابية أفضت إلى التوصّل إلى تسوية من خلال إدخال فقرة إلى المادة 8 التي تكرّس سرية التصاريح تنص على أنه “لا يُعتدّ بهذه السرية بوجه الهيئة (الوطنية لمكافحة الفساد) والقضاء المختص في إطار ملاحقة أو تحقيق أو محاكمة“. وتثير هذه الصياغة الشكوك، فهل أن الحصر في إطار “ملاحقة أو تحقيق أو محاكمة” ينسحب على الهيئة أيضا؟ وطبعاً قد يكون لذلك أثر أكيد على تقويض فعالية القانون – على اعتبار أن تكوين الهيئة أتى بشكل يعزّز مصداقيتها ولكن هذه مسألة أخرى – إذ أن صلاحية الهيئة بتقديم شكاوى مباشرة يفرض أن تتمتّع بصلاحية الإطلاع على مضمون التصاريح خصوصاً مع تكريس طابعها الدوري وخارج أي ادعاء أو ملاحقة. ويقتضي توضيح صياغة المادة في هذا الخصوص. ومن المعلوم أن التصريح العلني عن الثروة للمناطين بخدمة عامة من المعايير الأساسية للشفافية. وتجدر الإشارة إلى أنه وفي تونس على سبيل المثال، فرض القانون 56 تاريخ 1/8/2018 المتعلّق بالمكاسب والمصالح وبمكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، بالنسبة لكبار المسؤولين، نشر التصاريح هذه على موقع هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد التونسية. ويلحظ المقترح استثناء وحيدا على السرية وهي التصاريح التي على رئيس وأعضاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد تقديمها إلى الأمانة العامة لمجلس النواب، بحيث ينص المقترح على أنها تنشر على الموقع الإلكتروني للهيئة.

 

  • السلبية الأخرى هي الأدوار الهامة المناطة بالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والتي تبقى غير منشأة فضلا عن أن تكوينها وفق القانون يفتح الباب واسعا أمام المحاصصة وتضارب المصالح.

 

  • سلبية ثالثة، أن تطبيق هذا القانون سيبقى حتما منقوصا ما لم يترافق مع إصلاح للمؤسسات القضائية في اتجاه ضمان استقلالها وتحريرها من التبعية.

المزبد على الرابط ادناه

انشر المقال

متوفر خلال:

إقتراح قانون ، البرلمان ، المرصد البرلماني ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *