ماذا تعلّمنا استقالة القاضي محمد المازح؟ البطولة ردّا على ممارسات الضبط والتحجيم.. والإنهيار


2020-07-06    |   

ماذا تعلّمنا استقالة القاضي محمد المازح؟ البطولة ردّا على ممارسات الضبط والتحجيم.. والإنهيار

بتاريخ 27 حزيران 2020، انتشر على وسائل التواصل الإجتماعي القرار القضائي بمنع وسائل الإعلام من نشر أيّ تصريح لسفيرة الولايات المتحدة الأميركية في لبنان. القرار صدر عن قاضي الأمور المستعجلة في صور محمد المازح. وقد قضى ب "منع أي وسيلة إعلامية لبنانية أو أجنبية تعمل على الأراضي اللبنانية سواء كانت مرئية أو مسموعة أو مكتوبة أو إلكترونية بإجراء أي مقابلة مع السفيرة الأميركية أو إجراء أي حديث معها لمدة سنة، تحت طائلة وقف الوسيلة الإعلامية المعنية عن العمل لمدة مماثلة … ودفع مبلغ مائتي ألف د.أ". وقد جاء القرار تلبية لطلب ورده من مُواطنة لبنانية اعتبرت فيه أن تصريحات السفيرة الأخيرة "مسيئة للشعب اللبناني ومثيرة للفتن والعصبيات ومن شأنها تأجيج الصراعات المذهبية والطائفية وتشكّل خطرا على السلم الأهلي والعيش المشترك". ومن اللافت أنّ القرار ركّز في حيثياته على تهجّم السفيرة على حزب الله وتحميله مسؤولية ما وصل إليه الوضع المالي والإقتصادي في لبنان.

وفيما أعلنت العديد من وسائل الإعلام أولها قناة MTV رفضها القرار لمسّه بحرية التعبير بل تمرّدها عليه من خلال بث مقابلة مع السفيرة الأميركية، سرعان ما سرَتْ أنباءٌ عن استدعاء القاضي للتفتيش أو المُساءلة. بالمقابل، عمد قسمٌ آخر من وسائل الإعلام والناشطين على وسائل التواصل الإجتماعي إلى تمجيد القاضي "الشّجاع" الذي انتصر لسيادة لبنان في وجه سفيرة أقوى دولة في العالم. وقد شارك القاضي في التجاذب الإعلامي الحاصل من خلال عدد من التصريحات والتغريدات إنتهاءً بتقديم استقالته إحتجاجا على إحالته إلى هيئة التفتيش القضائي. وقد عبّر القاضي بذلك عن استعداد واضح للمواجهة سواء في قراره أو في مواجهة إنعكاساته والإعتراضات عليه مع رفض أيّ مساومة أو حلول وسط، وهو ميلٌ كان عبَّر عنه في الفترة السابقة من خلال مجموعة من القرارات الحاسمة في حماية أحد المودعين في مواجهة غطرسة المصارف وتمنّعها عن الدفع، وصولاً إلى منع أعضاء هيئاتها الإدارية من السفر ضمانا لتنفيذ هذه القرارات. وفي سياق هذه المواجهة، عاد القاضي المازح لينشر تغريدتين عكستا نفساً بطولياً في رفض الإنكسار والذلّ. وقد أخذ هذا النفس لونا دينيا وسياسيا واضحا، عزّز من الإنقسام السياسي حول هذه القضية.

وعليه، تُعلّمنا هذه القضية الكثير حول كيفيّة عمل المنظومة القضائيّة بما تحتويه من وسائل ضبط لسلوكيات القضاة وتحجيم لهم، وما قد تُولّده من مشاعر نقمة وتحدّْ لديهم. وما يزيد من أهميّة هذه القضية هو أنّ هذه الإستقالة – التحدّي تحصل في زمن الإنهيار، وبخاصّة إنهيار العملة الوطنيّة ومعها القيمة الشرائية للرواتب وتعويضات نهاية الخدمة، حيثُ أنّ حصولها في هذا الوقت بالذات إنما يُؤشِّر إلى تراجع المنافع الوظيفية وفاعلية وسائل الضبط المعتمدة ومعها توسّع ظاهرة النقمة والتحدّي وربما الإستقالة الإحتجاجية في صفوف القضاة كما في صفوف العديد من الموظفين العامين. من هذه الزاوية، قد تشكّل إستقالة المازح أيضا ناقوس خطر على تراجع الضوابط السلوكية في سيئها وحسنها، وربما الموارد البشرية في العديد من الوظائف الأساسية ومن ضمنها القضاء.

 

1- مسّ بحرية التعبير أو موقف سيادي؟

بمراجعة المواقف الإعلامية حيال القرار، يظهر أنها انقسمت بين مواقف صنّفته ضمن القرارات المقيّدة لحرية التعبير ومواقف صنّفته ضمن القرارات السيادية التي انتصر فيها قاضٍ لبناني لسيادة وطنه في مواجهة التدخل الأميركي الفاقع في الشؤون العامة اللبنانية. وبالطبع، تأثّرت مواقف وسائل الإعلام حيال القرار بمدى حساسيّتها أو سياستها التحريرية إزاء التدخّل الأميركي. وقد بلغت الثنائيّة درجة حملتْ رافضي القرار إلى التّمرّد عليه فعليا بعد اعتباره بحكم غير الموجود، فيما حملتْ مؤيّديه إلى تجاهل أيّ إنعكاس سلبي قد يرشح عنه، في حال تعميمه، على الحرية الإعلامية برمتها.

ومن دون الغوص في الأبعاد السياسية للقرار والتي تبقى مفتوحةً للنقاش في ظلّ الإنقسام الحادّ، يبقى أنّ هذه الثنائية أظهرت إنزلاقا مزدوجا:

الإنزلاق الأول، تمثّل في تنصّل العديد من وسائل الإعلام المعارِضة للقرار من وجوب احترامه طالما أنه ساري المفعول، وإن لم تتبلّغه رسميا. فبمعزل عن صوابيته، فإن التعامل معه وكأنه غير موجود قبل نقضه أو وقف تنفيذه (وهو أمر لم يحصل إلا لاحقا في 2 تموز) إنما يعكس مجاهرة في التمرّد على القضاء ويرسي ثقافة مخلّة باستقلاله ونفاذ قراراته. وعليه، يكون الإعلام الذي عارض الحكم من منطلق مخالفته للإعتبارات الحقوقية (وبشكل خاص حرية التعبير)، قد ذهب إلى حدِّ التصرّف على نحو يخلّ بأحد أهمّ أسس المنظومة الحقوقية والتي هي نفاذ القرارات القضائية.

الإنزلاق الثّاني، تمثل في اقتصار وسائل الإعلام المؤيدة لتوجّه القرار على تقييمه لجهة أبعاده السياسية من دون تقييم أبعاده الحقوقية أو القانونية، وتاليا من دون تقييم مفاعيله في حال تطبيق المنحى الذي اتخذه في مجمل القضايا المشابهة لجهة وضعيتها القانونية، بما فيها القضايا التي ترشح عن أبعاد سياسية مغايرة أو ربما مناقضة. وبكلمة أخرى، هل يتناسب منحى القرار والمفاعيل التي قد تنتج عن تعميمه مع مقتضيات المصلحة الإجتماعية على صعيد الضوابط والقيود على الحرية الإعلامية؟ هذا السؤال مهمّ جدّا وهو في صميم العمل الإعلاميّ، ومن الخطأ تجاهله طالما أن من شأن أي قرار قضائي أن يشكل سابقة قابلة للتطبيق في مجمل الوضعيات المشابهة. فما نُسب اليوم إلى السفيرة الأميركية لجهة إثارة النعرات الطائفية قد يُنسب غدا إلى العديد من السفراء العاملين في لبنان من مختلف المحاور. كما قد ينسب للعديد من الزعماء المشاركين في الحكم وأيضا للعديد من المواطنين العاديين الذين قد يعبّرون عن آرائهم بطريقة قد لا تقلّ حدّة وحزما عما قالته السفيرة أو عما يقوله سفراء المحور المناقض. فهل نرى أن توجُّه القاضي (حرمان هؤلاء من إمكانية التعبير عن أيّ أمر لفترة زمنية طويلة) هو التوجُّه الأكثر ملاءمة في التعامل مع تصريحاتهم التي لا نحبها أم أنّه على العكس من ذلك توجّهٌ خطيرٌ يخلّ بالضوابط اللازمة عند تقييد حرية مماثلة؟ هذه هي الأسئلة التي لا بدّ من طرحها مكتفين هنا بإبداء بعض الإجابات عليها، وهي الآتية:

أ- أن القرار تمّ اتّخاذه بناءً على طلب قدمته مواطنة استاءَتْ من تصريح السفيرة وتدخّلها في شؤون بلدها. ومن شأن التوسّع في قبول طلبات مماثلة أن يفتح بابا واسعا أمام المواطنين لتقديم دعاوى لتقييد الحريات الثقافية والفنية والسياسية والإعلامية بحجة أنها تحتوي على مواد مسيئة لمشاعرهم، من دون أن يكون أيّ من هؤلاء معنيا مباشرة وبشكل خاص بهذا الأمر أو ذاك. ومؤدّى هذا الأمر هو فتح الباب واسعا أمام نظام "الحسبة" ضدّ كل ما هو خارج عن المألوف أو القيم التقليدية مع ما يستتبع ذلك من مخاطر جمة على الوئام الإجتماعي والحريات العامة. وهذا ما شهدناه مؤخرا مع تكاثر الادعاءات لمنع فرق موسيقية أو ملاحقة أشخاص على خلفية تصريح أو نشر صورة أو ما شابه.

ب- أن القرار تمّ اتخاذه من دون دعوة السفيرة أو أيّ من وسائل الإعلام لإبداء ملاحظاتهم بشأنه. وهذا الأمر يفتح الباب أمام اتخاذ قرارات بتقييد حرية أساسية هي حرية الإعلام والتعبير من دون تمكين الأشخاص المعنيين به من الدفاع عن أنفسهم. وهو أمر رفضته محكمة استئناف بيروت في بتاريخ 09/08/2018 في قرارها الصادر لمصلحة جريدة الأخبار في وجه مؤسسة أوجيرو،  

ت- أن المخاطر التي استند إليها القرار تم وصفها بشكل مُقتضب وغير كافٍ. فلئن أحسن الحكم في التذكير بمبدأ أنه على البعثات الديبلوماسية الإمتناع عن التدخل في شؤون البلاد التي اعتمدوا فيها، فإنه تجنّب بالمقابل تعريف التدخُّل أو أشكاله الأكثر خطورة والتي تفرض استثنائيّاً جداً تدخُّل القضاء الوطني للحدّ منها. إلا أن الأمر الأكثر قابلية للنقد في حيثيات الحكم هو أنه اعتبر أن مهاجمة حزب الله تشكل إثارة للنعرات الطائفية. وهو بذلك بدا وكأنه يخلط بين انتقاد حزب سياسي (بمعزل عن صوابية الإنتقاد) وإثارة النعرات الطائفية، بما يتلاقى مع كمّ من الشكاوى والادّعاءات المقدّمة من قبل العديد من الزعامات والقوى السياسية والتي اعتبرت كلها أنّ أيّ نقد أو تعرّض لها يشكّل إثارة للنعرات الطائفية، على نحو يختزل القوى السياسية المذكورة بالطوائف التي تدعي تمثيلها ويلغي الحياة السياسية برمّتها. وتجدر الإشارة هنا إلى الحكم الصادر عن القاضي المنفرد في زغرتا مارسيل باسيل بتاريخ 6/10/2015 في قضية قدمتها النيابة العامة ضد مواطن على خلفية تعرضه لمؤسسة الأمن العام، حيث جاء في الحكم أنه لا يمكن اعتبار التعرض لمديرية عامة تعرضاً لطائفة معينة … إنما تعرضاً لإدارة عامة وطنية. والقول بعكس ذلك يعني إقراراً ضمنياً بأن مديرية الأمن العام تتماهى مع شخص مديرها وطائفته، الأمر غير الصحيح وغير المقبول. وقد جاءت الحيثية قاطعة، فلا يجوز وضع أي إدارة عامة في خانة أي من الطوائف، بمعزل عن الأعراف السائدة والتي تؤدي إلى تعيين قيادات هذه الإدارة من طائفة معينة.

من هذه الزاوية، بدا القاضي وكأنه يبرّر تدبيره بدرء مخاطر لم يعطِها وصفها الصحيح، حين خلط بين النقد السياسي وإثارة النعرات الطائفية، وهو خلط يُخشى أن يشكّل سابقة في قرارات مستقبلية مشابهة مؤداها إلغاء النقاش والنقد السياسيين برمتهما، بحجة أن القوى السياسية طائفية. ومن هذه الزاوية، بدا تحديد حالات التدخّل مُبهماً وقابلا لتوسيع مفرط، بما يتجاوز بكثير ما تفرضه الضرورات الإجتماعية.

ث- أنّ القيد الذي تمّ اتّخاذه تجاوز هو الآخر ما تفرضه هذه الضرورات. فمنع وسائل الإعلام من نقل تصريحات السفيرة جاء شاملا وعامّا لجميع تصريحاتها من دون حصره بالتصريحات التي يشوبها إخلال بموجب عدم التدخّل في الشؤون الداخلية أو تشكل جرائم من منظور القانون اللبناني. وبذلك، بدا القرار من هذه الزاوية أيضا مخلا بمبدأي التناسب والضرورة.

إنطلاقا ممّا تقدّم، ومع كل التفهّم لاعتبارات السيادة الوطنية (التي تتعرض لانتهاكات بالجملة من أكثر من جهة)، فإن ربط هذه السيادة بمنع السفراء الذين لا نحبّ سياسات بلادهم من الكلام والتصريح إنما يؤدّي إلى ضبط غير مبرّر لحرية النشر والتعبير.

وإذ نلحظ أن هذا القرار أدّى إلى ضبط حرية سفيرة أقوى دولة في العالم، وتاليا إحدى أقوى الشخصيات في لبنان، فإنّ من شأن القبول بهذه السابقة بحجّة ضرورة التصدّي لأيّ استكبار أو استعلاء، أن يفتح الباب أمام تقييد حريّة التعبير في العديد من القضايا، بل حتى في قضايا قد تكون فيها هذه الحرية الملاذ أو السلاح الأخير للدفاع عن الصالح العام. ولمن المرجّح أنّ توجهاً مماثلا سيستخدم أولا لإسكات الأصوات المعترضة أو التغييرية أو النقدية تلبية لطلب شخصيات وهيئات نافذة أو من يتطوعون لتمثيلها. ومؤدّى هذا الأمر الحدّ بشكل كبير من إمكانية محاسبة أو مساءلة هؤلاء وبكلمة أخرى من إمكانية مواجهة قوى وزعامات لا ينقصها لا الإستعلاء ولا الإستكبار، ولا الطعن في السيادة المجتمعية.

وعليه، أمكن القول أن أغلب وسائل الإعلام ذهبت في سياق تحديد موقفها من القرار في اتجاهات يصعب تبريرها من الناحية الحقوقية، سواء أيّدت منحاه أو عارضته.

 

تدجين القضاة: النفوذ سقف العمل القضائي

ما أنْ انتشر القرار على وسائل التّواصل الإجتماعي حتى برزت أنباء عن مباشرة ملاحقة مسلكية بحق القاضي. وفيما سرى أولا حديثٌ عن استدعائه من قبل النائب العامّ التمييزيّ غسان عويدات، برز من ثمّ حديثٌ عن استدعائه من قبل مجلس القضاء الأعلى أو حتى إحالته إلى التفتيش القضائي من قبل هذا المجلس أو وزارة العدل. وقد بيّنت الوقائع أنه استُدعِيَ فعليا للمثول أمام مجلس القضاء الأعلى بتاريخ 30 حزيران 2020 وأن وزارة العدل أحالته للتحقيق أمام هيئة التفتيش القضائي. بمعنى أن كلا الجهازين (وهما صاحبيْ اليد العليا في إدارة السلك القضائي) تحرّكا لمواجهة قراره. وفيما لا يظهر أن تحرّك هذين الجهازين (مجلس القضاء الأعلى ووزارة العدل) حصل بناءً على شكوى سابقة من أي من وسائل الإعلام أو السفارة الأميركية على خلفية تضررها من القرار، يبقى أن كلاهما ارتضيا التعامل معه على أنه شأن مسلكيّ يدخل ضمن صلاحيتهما ويستوجب تدخّلهما. بمعنى أنّهما ارتضيا أن يُرجِّعا صدى الإستياء الإعلامي أو إستياء السفارة حيال قرار المازح، وأن يضعا ثقليهما في مباشرة التحقيقات معه، من باب إشعار السفارة بأن الهرمية السائدة إداريا وقضائيا لن تتوانى عن معالجة المسألة. ومؤدّى هذا الأمر هو تحجيم القاضي من خلال التشكيك في مدى التزامه بالسلوكيات القضائية وتحويله تاليا من صاحب سلطة يجدر تنفيذ قراراته إلى مشتبه به بالإخلال بهذه السلوكيات مع تظهير هذه القرارات على أنها مجرد خطأ أو فقاعة لا يجدر التوقف عندها طويلا أو استخلاص أي عبر أو نتائج منها. وغالبا ما تتمّ مساءلة القرار بحجّة مساءلة التفاعلات الإعلامية حوله، سواء انجرّ أو لم ينجرّ القاضي إليها، بحيث تستخدم هذه التفاعلات كدليل على أن القاضي اتّخذ قراره حبّا بالإعلام خلافا لموجب التحفّظ.

ومن شأن هذا التوجّه، الذي ليس الأوّل من نوعه، أن يشكّل عامل ضغط وتأثير على القضاة، وبخاصّة في القضايا التي تتّسم بحساسيّة سياسيّة أو اجتماعيّة معينة، من باب ثنيهم عن اتخاذ أي قرار تغييري أو جريء بشأنها.

وتأكيداً على ذلك، تكفي الإشارة إلى توجّه العديد من القوى النافذة التي صدرتْ بحقّها أحكامٌ غير مُرضِيَة بالنسبة إليها لمخاطبة هذين الجهازين أو التقدم بشكاوى أمام هيئة التفتيش القضائي، لاتخاذ التدابير المناسبة بهدف محاسبة القضاة الذين اتخذوها. وكأنّ هذه القوى تستحضر المراجع القيّمة على إدارة القضاء داعية إيّاها لممارسة صلاحياتها على نحو يضمن إلتزام سلوكيات القضاة بمقتضيات النظام السائد، ويعكس تواطؤا وتداخلا فيما بينها على اعتبار أنها جزء لا يتجزأ من النظام المذكور ككلّ. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، الآتية:

  • موقف رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع من القاضية فاطمة جوني تبعاً لإصدارها حكماً بردّ الدعوى الذي كان تقدّم بها لاسترداد ملكية قناة BLC، وموقف حزب القوات اللبنانية الذي نشر نص الشكوى التي تقدم بها لجانب هيئة التفتيش القضائي ضد القاضية هبة عبدالله على خلفية القرار الصادر عن محكمة المطبوعات في بيروت والتي ترأسها بكف التعقبات بوجه جريدة الأخبار.
  • موقف هيئة العلماء المسلمين في مواجهة القاضي المنفرد الجزائي في المتن ربيع معلوف، على خلفية اتخاذه قرارا باعتبار إقامة العلاقات المثلية ممارسة لحق طبيعي بما يوجب استبعاد تطبيق المادة 534 من قانون العقوبات على المثليين،
  • موقف النائب هادي حبيش ضد القاضية غادة عون على خلفية ادّعائها بالإثراء غير المشروع على رئيسة هيئة إدارة السير هدى سلوم، حيث طالب مجلس القضاء الأعلى بوضع يده على الملف بعدما أعلن عن تقدمه بشكوى ضدها أمام هيئة التفتيش القضائي. وقد حصل ذلك بعد تهجم النائب لفظيا على عون في مكتبها، 

وما يزيد من دقّة الأمر هو أنّ هذه المراجع أو الجهات النافذة لا تجد حرجاً في الإعلان عن إحالة القاضي للتفتيش تماما كما حصل مع القاضي المازح، في تجاوز لمبدأ سرية إجراءات التفتيش القضائي.

 

على طريق البطولة

الأمر الثالث الذي يجدر التوقّف عنده هو اتّجاه القاضي إلى رفع مستوى التحدّي على ضوء تصاعد وسائل الضغط عليه. وفيما برز هذا الأمر بداية بتغريدة لوح بها بالإستقالة في حال صحّ خبر استدعائه وذلك حتى قبلما يتمّ إبلاغه أي استدعاء، عاد وأعلن بشكل واضح رفضه استدعاء مجلس القضاء الأعلى في حال اتّصل بمفاتشته على خلفية فحوى قراره. وقد انتهى القاضي إلى تحرير استقالته فعليّا، فور علمه بإحالته إلى هيئة التفتيش القضائي من قبل وزيرة العدل ماري كلود نجم.

وعليه، بدا القاضي متمسّكا بالقرارات التي أصدرها سواء ضد السفيرة أو في وقت سابق ضدّ عدد من المصارف والتفاخر بها إلى حدّ المجاهرة، من دون أن يكون له أيّ نية للتراجع أو المساومة أو السكوت عن أيّ إجراء أو مفاتشة أو حتى مراعاة الشكليّات إزاء أي طرف أو مرجع ولا حتى إزاء مجلس القضاء الأعلى. وقد ذهب المازح أبعد من ذلك في بطولته من خلال تغريدتين أخذتا طابعا دينيا وارتبطتا برموز بطولية لهذه الطائفة. وقد جاء في التغريدة الأولى (التي عاد وحذفها): "نواجه قانون قيصر الأميركي بالضغط على لبنان وسوريا بقانون الحسين. هيهات منا الذلّة". ويؤشّر هذا الأمر إلى أنه اعتبر أن قراره يندرج في سياق تحدّي الإستكبار الأميركي وفي سياق رفض أيّ إذلال مهما كلّف الأمر. أما التغريدة الثانية فقد جاء فيها: "ألست على حق؟ بلى بإذن الله. إذا لا أبالي إذا وقعت على العقوبة أو وقعت العقوبة علي. الحمد لله رب العالمين وبالإذن من سيدي الإمام الحسين وسيدي علي الأكبر". ونستشف من تلميحه لإمكانية أنه وقع على العقوبة (ولم تقع عليه) أنه بطلٌ قبل التحدي وانخرط فيه غير عابئ بنتائجه أكثر مما هو ضحية تم التجني عليها.

ومن هذه الزوايا كافة، بدا القاضي (الذي لم يُعرف سابقاً بأيّ توجه قضائي متميّز) وكأنه اختار عمدا طوال الأشهر الماضية أن يغير نهجه المهني. وهذا ما تمثل في تضمين القرارات الصادرة عنه بصورة فردية في قضايا تحظى باهتمام كبير من الشأن العام، مواقف جدّ جريئة وغير مألوفة، على نحو يضمن التداول بها على أوسع درجة ممكنة، ومن دون الإكتراث بما قد ينتج عنها لاحقا. ومن البيّن في ظل ذلك أن نهجه الأخير الذي بدا منعزلا، جاء بمثابة تحوّل أو انعطافة في سيرته من دون أن يكون من الممكن ربطه بأي نهج فكري أو حقوقي خاص به أو بتحوّل عام لدى عموم القضاة لجهة تصورهم لوظيفتهم القضائية. وما يعزّز هذه الخلاصة هو أن قراراته جاءت بمثابة إعلان مواقف من دون أن تقترن بأي مسعى لتدعيمها من الزوايا القانونية أو الحقوقية.

وبذلك، من دون التقليل من شأن بطولات مماثلة، يبقى أن إبهارها، مهما كان قويّا، يصعب أن يكون له أيّ بعد مؤسساتي (بمعنى بناء تيار اجتهادي داخل القضاء). بل هي تبقى بمثابة بطولة آنية فردية حدودها شخص القاضي الذي يتحول عموما إلى قضية نفسه، وهي قضية تنتهي في الغالب باستقالته. بمعنى آخر، أنها بطولة تبهر الرأي العام من دون أن تكون بالضرورة منتجة على الصعيدين المؤسساتي والحقوقي. إلا أن هذا الأمر لا يحول دون تفهّم إنخراط عدد من القضاة في تثبيت بطولتهم أو تحوّلها إلى ملاذ لهم؛ وهو ملاذ يعبرون من خلاله عن استيائهم إزاء التنظيم القضائي الذي يحشرهم في باطنية لا يسهل دائما استبطانها، بين مثالية الإستقلالية وتولي "السلطة" من جهة ومحاولات الضبط والتأثير والإخراس المتواصلة من داخل القضاء وخارجه من جهة أخرى. من هذه الزاوية، تبدو هذه البطولة وكأنها انتفاضة تحصل في وقت ما ضد سنوات طويلة من عدم الرضى. وهي بطولات يجدر تفهمها وبخاصة في ظل نظام مغلق وباطني كالنظام اللبناني.

وعليه، المشكلة ليست في المنحى البطولي للقاضي (والتي غالبا ما تتعامل معها الهيئات القيمة على القضاء على أنها تهمة يراد منها ثني القضاة عن اتخاذ مواقف جريئة في قضايا حساسة)، إنما في الوصمة التي اختار القاضي أن يسبغها بها وهي تحديداً الوصمة الدينية الطائفية، بما تعكسه من توجه فئوي. فعدا أن من شأن هذه الوصمة أن تولّد ارتيابا مشروعاً حول حيادية القاضي، فإنها تنتهي إلى تصنيفه ضمن محور يواجه محورا آخر، بل ضمن أبطال أحد المحاور، أبطال يستولدون أبطالا قضائيين آخرين يُنسبون إلى محاور أخرى. وهو أمر قد ينتهي إلى إغراق القضاء في صراعات سياسية، تنتفي فيها الأبعاد الحقوقية بشكل كامل. صراعات من ضمن النظام السائد وليس في مواجهته.

 

المعاني المسكوت عنها للإستقالة

في الختام، تجدر الإشارة إلى أن هذه الاستقالة تتم في زمن انهيار العملة الوطنية، في زمن انهيار رواتب القضاة وتعويضاتهم، ويقوم بها قاضٍ أتم عشرين سنة من سيرته المهنية وبات بإمكانه تحصيل تعويضه كاملا. من هذا المنطلق، قد تكون الإستقالة أو حتى المجازفة بالتعرض للتأديب نتيجة الإخلال بالقواعد التقليدية أو اتخاذ مواقف جريئة حساسة، خيارا أقلّ كلفة له، ممّا كانت لتكونه لو حصلت قبل هذا الإنهيار. ومن شأن هذا الواقع الجديد أن يضعف من قدرة المؤسسات القضائية في فرض سلوكياتها التقليدية، بمعزل عن مدى صوابية هذه القيم أو مدى ملاءمتها. من هذه الزاوية، تبدو استقالة (أو انتفاضة) المازح قبل كل شيء بمثابة ناقوس خطر حول احتمال توسع الإستقالات (أو الإنتفاضات) لتشمل قضاة آخرين، سواء حصلت ضمن سياق بطولي أو تحت جنح الصمت. استقالة بطعم الإنهيار.

انشر المقال

متوفر خلال:

استقلال القضاء ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *